ملخص
رغم ثلاثة عقود من التوسع العسكري، لا تزال الصين تفتقر إلى القدرة الكافية لغزو تايوان وإبقائها تحت سيطرتها، فيما تميل التحولات في التكنولوجيا العسكرية وتعزيز قدرات واشنطن وحلفائها إلى تقليص فرص نجاح أي هجوم صيني. ويظل الردع والتنسيق العسكري بين تايوان والولايات المتحدة واليابان والفيليبين عاملاً حاسماً في إبقاء كلفة المغامرة العسكرية مرتفعة ودفع بكين إلى مواصلة التريث بدلاً من المخاطرة بحرب يصعب ضمان نتائجها.
إذا أقدمت الصين على الاستيلاء على تايوان بالقوة، فلن يكون ذلك كارثياً على تايوان وحسب، بل على الولايات المتحدة أيضاً، إذ سيخرج اقتصاد يبلغ حجمه نحو تريليون دولار من نظام السوق الحر ليُدمج في النظام الاقتصادي الصيني الموجّه من الدولة، والقائم على سياسات تجارية حمائية. وستُطفأ شعلة ديمقراطية نابضة بالحياة عملت الولايات المتحدة على رعايتها والدفاع عنها لأعوام طويلة. وستتضاءل القوة والنفوذ الأميركيان بصورة كبيرة في شرق آسيا، وستصبح الصين القوة المهيمنة في المنطقة. وستتعرض الحكومات الأخرى هناك لضغوط تدفعها إلى الاستجابة لمطالب الصين السياسية والاقتصادية، بل وحتى الإقليمية. ومن المؤكد أن بكين ستصر على أن تطرد هذه الدول القوات الأميركية من أراضيها. وفي الوقت نفسه، ستزداد طموحات الصين العالمية.
لكن احتمال تحقق أي من ذلك يتوقف على قدرة الصين على الاستيلاء على تايوان وإبقائها تحت سيطرتها، وقد أسفر التعزيز العسكري السريع الذي نفذته بكين على مدى الـ 30 عاماً الماضية عن تحسينات ملاحظة في قدراتها، ولا يخفى سعيها إلى توسيع قوتها ونفوذها. لكن ما لم تصبح الصين واثقة من أن غزو تايوان سينجح، وهو مستوى من الثقة يصعب بلوغه، فإن تحسن القدرات ووضوح الطموحات لا يشكلان وحدهما سبباً كافياً لاستخدام بكين القوة. أما اللجوء إلى عدوان عسكري من دون شن غزو شامل، فسيكون ضرباً من التهور، إذ لن يحقق للحزب الشيوعي الصيني الغايات السياسية التي يسعى إليها، وسيعرّض قبضته على السلطة للخطر.
والواقع اليوم هو أن الصين غير قادرة على غزو تايوان، ومن غير المرجح أن تكتسب هذه القدرة في المستقبل القريب، فقد كان التعزيز العسكري الصيني يهدد في وقت من الأوقات بتحويل ميزان القوى لمصلحة بكين، لكن الاتجاهات في التكنولوجيا العسكرية باتت الآن تصب في مصلحة تايوان والولايات المتحدة لا الصين، فإدراك التهديد الذي تمثله الصين لم يدفع تايوان والولايات المتحدة وحدهما إلى التحرك، بل دفع أيضاً اليابان والفيليبين ودولاً أخرى في المنطقة وخارجها إلى اتخاذ إجراءات لردع عدوان بكين، ولا يزال بإمكان القادة الصينيين إطلاق التهديدات، ومحاكاة هجمات في تدريبات عسكرية، وانتهاك الحدود البحرية لتايوان. وفي المستقبل المنظور تستطيع الصين في أي وقت إلحاق أضرار جسيمة بتايوان باستخدام القوة العسكرية، والخطر كبير بما يكفي لتقييد سياسات تايوان، وردع تايبيه عن إعلان الاستقلال، وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية من حين إلى آخر. لكن من دون القدرة على غزو تايوان وإخضاعها، تظل الصين من جهتها مقيدة أيضاً، وأية حكومة صينية عقلانية ستتجنب اتخاذ إجراء عسكري من الأساس.
لقد استمر هذا الجمود طوال 75 عاماً تقريباً، منذ أن خسر تشيانغ كاي شيك الحرب الأهلية الصينية في بر الصين الرئيس، ثم فرّ إلى تايوان. ويعتمد الحفاظ على هذا الجمود، جزئياً، على فهم ميزان القوى العسكري الحالي، فالتنبؤات المثيرة للقلق التي تقول إن الصين تتفوق على الولايات المتحدة بوتيرة متسارعة، وإنها ستصبح قريباً قادرة على الانتصار في حرب على تايوان، قد تشجع الصين وتثبط العمل المشترك بين تايوان وداعميها. وهذه القراءات المتشائمة تجعل من الصعب على القادة الصينيين تقبّل حقيقة الجمود القائم والعودة لإستراتيجيتهم القائمة على التريث وكسب الوقت في ما يتعلق بتايوان.
ويتعين على القادة التايوانيين والأميركيين واليابانيين والفيليبينيين أن يتحلوا بالثقة، ولكن من دون الوقوع في فخ الاطمئنان المفرط. فردع الجيش الصيني القوي، وإن لم يكن متفوقاً، سيتطلب موارد والتزاماً. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني هذا برامج تحديث عسكري تضع الصين في موقف تضطر فيه إلى زيادة استثماراتها لمجرد مجاراة الركب. ويعني أيضاً استمرار التمركز والانتشار العسكريين في المواقع الأمامية، وتعزيز التنسيق الإقليمي، وتوجيه رسالة واضحة إلى بكين مفادها أن أي عدوان غير مبرر على تايوان سيقود إلى مواجهة لن تنتصر فيها. وجميع عناصر هذه الإستراتيجية متوافرة بالفعل. وإذا أمكن الحفاظ عليها، فهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وشركاءها سيتمكنون من الحفاظ على السلام.
دون بلوغ الهدف
نحو عام 1990، قرر القادة الصينيون أن البلاد أصبحت ثرية بما يكفي لزيادة إنفاقها العسكري. وكان السؤال المطروح هو: على ماذا ينبغي إنفاق هذه الأموال؟ لو كانت بكين قد ركزت اهتمامها بالكامل على هدف “إعادة التوحيد” مع تايوان، لوجّهت جميع مواردها الدفاعية نحو بناء قدرة هجومية برمائية وجوية قصيرة المدى تتيح لها غزو الجزيرة الرئيسة واحتلالها. وكان ذلك سيشمل دفاعات قصيرة المدى مضادة للطائرات والغواصات لحماية قوات الغزو من الهجمات المضادة التايوانية والأميركية إلى أن تتمكن هذه القوات من هزيمة الجيش التايواني واحتلال كامل أراضي تايوان. ولكان جيش التحرير الشعبي الصيني قد استثمر في آلاف زوارق الإنزال ومئات السفن البرمائية لنقل الدبابات والمركبات الأخرى، واقتنى منظومات صواريخ أرض – جو لإسقاط الأهداف في المجال الجوي التايواني، إضافة إلى غواصات غير نووية وألغام مضادة للغواصات وطائرات دورية بحرية، للقضاء على غواصات العدو قرب الساحل الصيني.
لكن هذا ليس ما فعلته الصين، فبدلاً من ذلك وزّعت استثماراتها لخدمة أهداف عدة. فبنت قوة تتيح لها الحفاظ على حضور بحري محدود في مختلف أنحاء العالم، وتعزيز دفاعها عن حدودها البحرية التي كثيراً ما شعرت بكين بأنها عرضة للخطر، فضلاً عن امتلاك القدرة على إلحاق الضرر بتايوان دون غزوها.
ولتعزيز قدرتها على نشر قوتها خارج حدودها، بنت الصين سفناً برمائية قادرة على العمل في أعالي البحار والانتشار في أي مكان في العالم، لكنها لم تبنِ منها عدداً كافياً لإنزال القوات اللازمة لغزو تايوان. كما بنت حاملات طائرات كبيرة ومكلفة، وهي مفيدة لإرسال إشارات دبلوماسية واستعراض القوة في أوقات السلم، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من الدعم والحماية الدفاعية، مما يجعل استخدامها في غزو تايوان غير عملي. واستثمرت بكثافة في القدرات الفضائية، وهي ضرورية للعمليات العالمية، لكنها ليست ضرورية في نزاع محلي محدود النطاق. وفي الآونة الأخيرة، أخذت توسّع ترسانتها النووية. وقبل هذا التعزيز، كانت ترسانتها كافية تماماً لردع أي تصعيد نووي أميركي محتمل في نزاع حول تايوان. إلا أن بكين تسعى الآن إلى تحقيق تكافؤ نووي مع موسكو وواشنطن، لضمان أن تؤخذ مصالحها ومطالبها على محمل الجد في كل منطقة من مناطق العالم.
ولتعزيز دفاعاتها البحرية، طورت الصين أنظمة صواريخ بعيدة المدى وغواصات، مدعومة بأنظمة مراقبة، للاشتباك مع القوات الجوية والبحرية الأميركية المنتشرة في اليابان وغوام وغرب المحيط الهادئ. واليوم، تستطيع غواصاتها التي تعمل بنظام دفع مستقل عن الهواء البقاء تحت الماء لنحو أسبوعين، فيما تستطيع غواصاتها النووية البقاء لشهور، مما يمكّنها من مهاجمة المجموعات القتالية الأميركية على بُعد آلاف الأميال من الساحل الصيني. وتستطيع صواريخها المتوسطة والبعيدة المدى ضرب أهداف ثابتة على البر وسفن سطحية في البحر. وقد منحت هذه الاستثمارات في الغواصات والصواريخ بكين ميزة، لأن كلفة تصدي الولايات المتحدة لها أكبر بكثير من كلفة إنتاج الصين لهذه المنظومات. علاوة على ذلك، بنت الصين دفاعات جوية وصاروخية هائلة لحماية قواتها وقواعدها في المناطق العسكرية على طول سواحلها. وكانت إستراتيجية بكين في هذه الحال تقوم على مواجهة التفوق الهجومي للخصم بالكثرة العددية، من خلال إقامة حزام كثيف من الرادارات وبطاريات الصواريخ. وأخيراً، طورت الصين ونشرت أنظمة استطلاع بعيدة المدى في الفضاء وعلى الأرض (تُستخدم للعثور على المجموعات القتالية الأميركية وتتبعها)، إضافة إلى أنظمة متطورة للحرب الإلكترونية. وكل ذلك سيكون مفيداً في غزو محتمل لتايوان، إذ يمكن للأنظمة الصينية استهداف القوات الأميركية التي ستأتي لمساعدة تايوان، لكن هذه القدرات مصممة في المقام الأول لحماية الحدود البحرية للصين.
وفي المجمل، ليس التعزيز العسكري الصيني مبهراً بالقدر الذي قد يبدو عليه، ففي عام 1990 لم يكن لدى “جيش التحرير الشعبي” الصيني تقريباً أية قدرة على بسط القوة البحرية خارج حدوده، ولذلك، وعلى رغم تقدمه بوتيرة سريعة، أصبحت قدراته المطلقة اليوم قابلة للمقارنة تقريباً مع قدرات فرنسا أو اليابان أو المملكة المتحدة. وعلى رغم التركيز أخيراً على القدرات البحرية، فإن القوات البرية لا تزال تهيمن على “جيش التحرير الشعبي”، ويتولى قيادته ضباط تلقوا تأهيلهم واكتسبوا خبرتهم في العمليات البرية. وخلال محادثاتي مع جنرالات في الجيش الصيني منذ عام 1999، أظهر كثير منهم جهلاً صادماً بأساسيات الحرب البحرية، فأنظمة الصواريخ بعيدة المدى المضادة للسفن لا تشغلها البحرية ولا تُدمج مع القوات البحرية الأخرى، الأمر الذي يحد من فاعليتها في القتال. وفي الوقت نفسه، لم تؤدِّ عمليات الفساد واسعة النطاق إلى هدر جزء من الاستثمارات العسكرية الصينية وحسب، بل قوضت أيضاً مهارات القيادة القتالية لدى كبار مسؤولي “جيش التحرير الشعبي”، فالبراعة في الرشوة وإظهار الولاء الشخصي لا تترجمان إلى إتقان للعمليات البحرية. وأخيراً، والأهم من ذلك، أن التعزيز العسكري الصيني أثار قلق تايوان والولايات المتحدة واليابان والفيليبين، وقد ردت الدول الأربع بتعزيز قدراتها العسكرية وتوثيق تعاونها.
وهذا لا يعني أن التعزيز العسكري الصيني لم يُنتج أنظمة أسلحة قد تكون ذات قيمة في نهاية المطاف في غزو تايوان، فقد طوّرت الصين بالفعل مثل هذه الأنظمة. وفي الوقت نفسه، أدى هذا التعزيز إلى ردع الحكومة التايوانية عن إعلان الاستقلال، ورفع الكلفة العسكرية لأي تدخل أميركي لمصلحة تايوان، مما أضعف ثقة التايوانيين باحتمال حصولهم على الدعم الأميركي في حال اندلاع نزاع. لكن أسطول الصين الكبير من الغواصات والسفن القتالية السطحية، والأعداد المتواضعة من السفن البرمائية وحاملات الطائرات، وترسانتها من الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، ودفاعاتها الجوية والصاروخية الكثيفة، وأنظمة المراقبة والحرب الإلكترونية المنتشرة عالمياً، لا تكفي مجتمعة لمنح الصين القدرة على غزو تايوان وإبقائها تحت السيطرة، ووفق تقرير للـ “بنتاغون” صدر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، يتمثل أهم أوجه القصور في قدرة النقل البرمائي، أي السفن والطائرات اللازمة لنقل المركبات والقوات بأعداد كافية لغزو الجزيرة الرئيسة. وكذلك فإن البحرية الصينية لا تمتلك عدداً كافياً من المدافع لتمهيد مناطق الإنزال وتحييد قوات الإسناد المدافعة على الشاطئ. ولا يستطيع سلاح الجو الصيني سد هذه الثغرة بضربات جوية دقيقة. كذلك لا تركز التدريبات واسعة النطاق التي يجريها “جيش التحرير الشعبي” على تنمية مهارات الارتجال لدى القادة من الرتب الدنيا، على رغم أن القدرة على المبادرة غالباً ما تكون حاسمة في عمليات الإنزال البرمائي التي لا تسير مطلقاً وفق الخطة المرسومة.
وتؤكد المناورات الحربية الافتراضية الأميركية أنه على رغم أن الأنظمة الجديدة التي نشرها “جيش التحرير الشعبي” خلال الأعوام الأخيرة قلّصت بعض أوجه التفوق التي تتمتع بها تايوان والولايات المتحدة، فإنها لم تقضِ عليها. ففي عمليات المحاكاة هذه، تمكنت الصين من إلحاق مستويات متزايدة من الضرر بالقوات العسكرية التايوانية والأميركية، وبتايوان نفسها، لكنها لم تتمكن من الاستيلاء على الجزيرة الكبيرة المحصنة جيداً وإبقائها تحت السيطرة. وقد أسفرت بعض المناورات الحربية الافتراضية التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وأجرتها مراكز بحوث مدنية أميركية باستخدام بيانات غير سرية، عن انتصارات صينية. وتظهر هذه النتائج عندما تكون الولايات المتحدة بطيئة في الرد على الهجوم، وعندما تمنح نماذج المحاكاة وزناً أكبر مما ينبغي لتفوق الصين العددي في الصواريخ بعيدة المدى، ولا تأخذ في الحسبان التدابير المضادة المختلفة التي يمكن أن تجعل هذه الأنظمة الصينية غير فعالة. وتعجز هذه النماذج ببساطة عن محاكاة المعارك البحرية الحاسمة التي تنطوي على غزو وتشترك فيها قوات بحرية كبيرة. وفي عمليات محاكاة أكثر تطوراً لغزو تايوان، أجرتها وزارة الدفاع الأميركية خلال العقد الماضي واستخدمت فيها جميع الأنظمة الشديدة السرية لدى الجانبين، أُحبطت الصين باستمرار في تحقيق هدفها المتمثل في غزو الجزيرة.
لا خيارات جيدة
قد تتمكن القوات الصينية من شن عمليات هجومية ناجحة ضد تايوان من دون أن تصل إلى حد الغزو الشامل. وتكمن المشكلة بالنسبة إلى الصين في أن هذه الخيارات العسكرية المحدودة، حتى لو حققت نجاحاً في البداية، لن تحقق هدف إعادة التوحيد. بل إنها ستجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة على بكين، وستقوض سلطة الحزب في الداخل.
لنأخذ الضربات الجوية والصاروخية مثالاً، فبالقدرات التي تمتلكها الصين حالياً، بإمكانها ضرب مجموعة متنوعة من الأهداف في تايوان، ولن تتمكن الدفاعات التايوانية من صد الهجمات إلا جزئياً. والأهداف الأكثر ترجيحاً ستكون القواعد العسكرية، ومع ذلك ستكون الأضرار محدودة لأن تايوان أقامت عدداً من مواقعها العسكرية المهمة تحت الأرض، ووضعت خططاً لتشتيت الأنظمة المتحركة وإخفائها، مثل الطائرات وقاذفات الصواريخ والمركبات المدرعة. وكذلك يمكنها شن ضربات على البنية التحتية الحيوية أو المواقع الصناعية أو المنشآت الحكومية. لكن مثل هذه الضربات ستلحق أضراراً بالممتلكات وستقتل أو تصيب مواطنين تعتبرهم الصين مواطنيها، مما سيؤجج المعارضة الدولية لأفعال الصين، ويزيد إصرار التايوانيين على عدم الاستسلام. وقد أظهرت الحملات الأميركية ضد صربيا عام 1999 وضد إيران هذا العام حدود الاعتماد على الضربات الجوية لإجبار الخصم سريعاً على الرضوخ للمطالب السياسية.
كذلك، بوسع الصين فرض حصار بحري وجوي، ولا تستطيع تايوان بمفردها منعها من ذلك. غير أن الحصار ينطوي على تعقيدات تقلل من قدرته على الإكراه، فلا يوجد مبرر قانوني لفرض حصار يوقف السفن التجارية المحايدة التي تنقل شحنات غير عسكرية، ومثل هذا الحصار سيستدعي رداً دولياً. وعندما تتعرض حركة الشحن للتهديد، ترتفع كُلف التأمين، لكن الاقتصاد التايواني يمتلك القدرة على التكيف. ومن المرجح أن تساعد الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة، صديقة لتايوان، في رفع الحصار البحري عنها من خلال تنظيم قوافل بحرية. وسترسل هذه الدول قواتها البحرية لمرافقة السفن التجارية وحمايتها، سالكة مساراً شمالياً يمكن أن يمر بمعظمه عبر المياه الإقليمية اليابانية، ومساراً جنوبياً عبر المياه الإقليمية الفيليبينية. ويمكن للصين أن تعلن حصاراً جوياً، لكن السبيل الوحيد لفرضه هو إسقاط الطائرات المدنية. والدول التي أقدمت على ذلك، مثل روسيا عندما أسقطت طائرة ركاب تحلق فوق أوكرانيا عام 2014، دفعت ثمناً باهظاً تمثل في إدانة دولية شديدة.
وثمة خيار آخر يتمثل في الاستيلاء على الجزر التايوانية النائية، فتايوان تدير عشرات الجزر وتدافع عنها، من بينها بعض الجزر القريبة من الساحل الصيني، ومجموعة كبيرة في أرخبيل بنغهو قبالة الساحل التايواني، وجزر عدة في بحر الصين الجنوبي. ولا تستطيع تايوان منع “جيش التحرير الشعبي” من احتلال بعض هذه الجزر، لكن أياً منها لا يمثل أهمية حيوية للاقتصاد التايواني. كما أن احتلال الصين لها لا يؤثر في دفاع تايوان عن الجزيرة الرئيسة.
أما الخيار الأخير، فسيتمثل في التخلص من القيادة التايوانية ثم تدبير انقلاب، فالصين تعمل بنشاط على استمالة السياسيين والمواطنين المتعاطفين معها في تايوان وتكافئهم، ولا شك في أنها جندت عملاء من بينهم. وإذا تمكن هؤلاء العملاء، بمساعدة القوات الخاصة الصينية، من أسر القادة التايوانيين المنتخبين أو اغتيالهم، فقد يتمكن السياسيون الموالون للصين من تقويض آليات الخلافة القانونية في تايوان والاستيلاء على السلطة. وسيكون ذلك رهاناً بالغ الخطورة بالنسبة إلى الصين، إذ سيتوقف نجاحه على قدرتها على تحييد قوات الأمن التايوانية، من الجيش والشرطة على السواء، وهي مهمة بالغة الصعوبة.
ومن شبه المؤكد أن أياً من هذه العمليات سيستدعي رداً عالمياً قوياً. فإضافة إلى الإدانة الدبلوماسية، من المرجح أن تفرض دول عدة عقوبات وتعلّق التجارة والاستثمار. والصين معرضة للخطر بصورة خاصة في قطاع الطاقة، فهي تستورد جزءاً كبيراً من حاجاتها من الطاقة، ويأتي قسم كبير منها من طريق البحر، ويمكن للولايات المتحدة بسهولة منع مرور النفط والغاز الطبيعي المسال المتجهين إلى الصين عبر مضيق ملقا. ويمكن للعقوبات التي تقيد وصول الصين إلى النظام المالي الدولي وأسواق السلع الأساس أن تعرقل نمو البلاد أيضاً. وبعيداً من العقوبات الاقتصادية، فإن أي عدوان عسكري صيني سيستدعي رداً عسكرياً سريعاً. وستنتهي القيود الحالية التي تفرضها واشنطن على المساعدات العسكرية لتايوان. وستسارع الولايات المتحدة إلى تزويد الجيش التايواني بالأسلحة والذخائر، ونشر تعزيزات في اليابان والفيليبين، وعلى الأرجح في تايوان نفسها.
والنتيجة الوحيدة المواتية للصين من أية مناورة ضد تايوان ستكون استسلام تايبيه لمطالب بكين السياسية. لكن احتمالات أن تقدم تايوان أي تنازل، ناهيك عن موافقتها على أن تصبح مقاطعة صينية، ضئيلة. فشعوب الدول التي تتعرض للهجوم تميل إلى أن تصبح أكثر غضباً ووطنية، وإلى دعم جهود حكوماتها في التصدي للمعتدي، ومن المرجح ألا يختلف الشعب التايواني. ومع الإدانة العالمية للصين والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، والتعزيزات العسكرية من الولايات المتحدة، والدعم من اليابان والفيليبين، ستتحدى تايوان الصين على الأرجح.
يشكك بعض المحللين في ما إذا كانت تايوان ستقاتل إذا تعرضت لهجوم. ويشيرون إلى أن موازناتها العسكرية ظلت غير كافية لأعوام، وأن قوات الاحتياط لديها ضعيفة التدريب، وأن إجراءات الحماية المدنية قد تراجعت. ويجادلون بأن كثيراً من المواطنين يعتقدون أن تايوان لا تملك وسيلة ردع فعالة ضد الصين سوى الضمان الأمني الغامض الذي تقدمه واشنطن. ومن وجهة نظرهم، إذا فشل الردع، فإن تايوان ستستسلم.
لكنني أزور تايوان منذ عام 2002، وقد رأيت أسباباً أكبر للتفاؤل. فلدى القوات المسلحة التايوانية خطط دفاعية جادة تدعمها قدرات مثيرة للإعجاب. وهي تجري تدريبات لاختبار هذه الخطط في ظروف واقعية، وستدافع عن بلادها. وقد رفع المسؤولون المنتخبون موازنة الدفاع التايوانية بصورة كبيرة، من نحو 10 مليارات دولار عام 2015 إلى 18 مليار دولار عام 2025. ويستند التخطيط الدفاعي التايواني الآن إلى افتراض أن على تايوان الصمود في وجه هجوم صيني لأسابيع عدة إلى أن تتمكن القوات الأميركية من الوصول بأعداد كبيرة. وكذلك مددت الحكومة فترة التجنيد الإلزامي في تايوان من أربعة أشهر إلى عام، وأُدرج التخطيط للحماية المدنية وتدريباتها ضمن مناورات الدفاع السنوية في تايوان. وسيكون من التهور أن تراهن الصين على استسلام تايوان سريعاً.
وإذا لم تقدّم تايوان تنازلات بعد عملية عسكرية صينية، فإن الخيارات الباقية أمام بكين ستكون محفوفة بالأخطار. فقد تتراجع، فتوقف الضربات الجوية والصاروخية، أو تعلّق عملياتها البرمائية ضد الجزر النائية، أو ترفع الحصار. وبالطبع، ستغطي الصين تراجعها بحملة دعائية مكثفة تخبر شعبها بأنها لقّنت تايوان درساً وعرقلت مساعيها إلى الاستقلال، وأن الصين قادرة على تحمّل العقوبات الدولية، وأن إعادة التوحيد ستتحقق يوماً ما. إلا أن هذه الادعاءات ستبدو جوفاء، وسينظر جزء كبير من الشعب الصيني إلى العمل العسكري على أنه متهور وفاشل. وسيتراجع دعمهم للحزب الشيوعي.
أما الخيار الآخر أمام الصين فسيكون التصعيد، إذ يمكنها ضرب مزيد من الأهداف في تايوان، أو غزو جزيرة نائية أخرى، أو فرض الحصار بالقوة عبر الاشتباك مع القوات الأميركية وغيرها من القوات المنتشرة لكسره. وطالما لم تستسلم تايوان، فستظل الصين تواجه الخيار نفسه: التراجع أو التصعيد. ومع كل تصعيد، ستجد الصين صعوبة أكبر في التراجع. وفي نهاية المطاف، سيتعين عليها أن تقرر ما إذا كانت ستغزو تايوان أم لا. وبحلول ذلك الوقت، ستكون الأخطار السياسية والعسكرية أعلى بكثير مما كانت عليه من قبل. وستكون العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية الدولية المفروضة على الصين قد ازدادت، وكذلك توقعات الشعب الصيني. وسيكون قد أتيح لتايوان وقت لتعبئة قواتها ونشر دفاعاتها المخطط لها، وللولايات المتحدة وقت لنشر قوات في قواعدها في اليابان ومواقع العمليات في الفيليبين، وللقوات المسلحة اليابانية والفيليبينية وقت لإعداد دفاعاتها الخاصة. وقد تكون القوات الأميركية قد انتشرت بالفعل على الأراضي التايوانية نفسها. وستغدو العملية، التي كانت صعبة أصلاً على “جيش التحرير الشعبي” شبه مستحيلة.
الصدمة لا الرعب
وبدلاً من مسار تصعيد يستغرق وقتاً طويلاً وينطوي على احتمال كبير للفشل، قد تفكر الصين في شن هجوم مفاجئ على تايوان. وسيكون هدفها إحكام السيطرة على الجزيرة الرئيسة بسرعة، قبل وصول المساعدة الأميركية، وبالتالي ردع الولايات المتحدة عن محاولة استعادة الجزيرة بعملية غزو مضاد بالغة الصعوبة. وستراهن الصين أيضاً على قدرتها على تحمل العقوبات الاقتصادية الدولية طوال الفترة التي تظل فيها مفروضة.
لكن الغزو المفاجئ ينطوي بدوره على أخطار كبيرة، وللحفاظ على عنصر المفاجأة، يجب أن تكون قوة الغزو ووسائل إسنادها أصغر حجماً من التعبئة الشاملة للجيش الصيني. وإذا استخدمت الصين مناورة روتينية لـ “جيش التحرير الشعبي” حول تايوان كغطاء، فستظل بحاجة إلى قوة أصغر لإبقاء الآخرين مقتنعين بأنها تستعد لمناورة، لا لشن غزو. وكما تعلمت روسيا عام 2022، قبيل هجومها على أوكرانيا، يصعب إخفاء الاستعدادات العسكرية واسعة النطاق. ولن يستطيع المخططون الصينيون الجزم بأن أجهزة الاستخبارات التايوانية أو الأميركية لم تخترق شبكات الاتصالات الصينية، كما حدث مع الشبكات الروسية. وحتى لو كانت الاتصالات آمنة، فإن تحركات القوات الرئيسة والاستعدادات اللوجستية والتدابير، مثل إخلاء المجال الجوي وإنشاء مناطق أمنية، ستكون قابلة للرصد. ويستطيع محللو الاستخبارات التمييز بين حشود القوات في وقت السلم والاستعدادات اللازمة للغزو. والتحذير قبل بضعة أيام من شأنه أن يوفر وقتاً كافياً للقوات المسلحة التايوانية لنقل قواتها ووضع العوائق على الشواطئ ومناطق الهبوط والإنزال التي تستعد منذ فترة طويلة للدفاع عنها. وستحصل الولايات المتحدة على متسع من الوقت لتسليح ونشر قواتها البحرية والجوية الكبيرة في المنطقة، وتعزيز دفاعات قواعدها قبل بدء الغزو.
وبمجرد بدء الهجوم، ستواجه الصين صعوبات إضافية. فالهجوم المفاجئ سيُفقدها خيار شن حملة تمهيدية قبل الغزو تتيح لها تحقيق التفوق الجوي والبحري وإضعاف الدفاعات الساحلية. ولذلك ستضطر قوة الغزو إلى شق طريقها بالقتال عبر مضيق تايوان، بينما ستواجه أي قوات تنجح في الإنزال دفاعات متحصنة ومزودة جيداً بالإمدادات وبكامل قوتها. وسيتعين تأجيل معظم الاستعدادات لموجات الهجوم اللاحقة إلى حين إطلاق الهجوم الأول. وهذا يعني أن تجميع الوحدات وتحميلها على السفن ووسائل النقل استعداداً للهجمات اللاحقة سيكون أبطأ وسيجري تحت نيران العدو. ففي العمليات البرمائية والمحمولة جواً، يؤدي الهجوم الأول ببساطة إلى إنشاء موطئ قدم على الشاطئ. أما التعزيزات اللاحقة فهي التي تنطلق من هذا الموطئ لتأمين الأراضي، بما في ذلك الموانئ والمطارات، ثم لهزيمة القوات التي تشن هجمات مضادة واحتلال المنطقة. وأي شيء يبطئ القوات اللاحقة أو يقلل من حجمها يعرّض نجاح الغزو للخطر. وفي نهاية المطاف، لن يكون لدى الصين أي ضمان بأن عنصر المفاجأة سيمنح قواتها الأقل عدداً والأبطأ تعبئة ميزة كافية للاستيلاء على تايوان.
تراجع موقع الصين
يتحول ميزان القوى العسكري على نحو متزايد ضد الصين، مما يقلل أكثر من فرص نجاح أية عملية عسكرية ضد تايوان. فالولايات المتحدة تكتسب خبرة قتالية، وتطور وتنشر أجيالاً جديدة من المنظومات البحرية والجوية وأنظمة الأسلحة التي تستغل نقاط ضعف “جيش التحرير الشعبي” الصيني. وتحسّن تايوان دفاعاتها، مستلهمة من صمود أوكرانيا في وجه الغزو الروسي، فيما تكثف اليابان والفيليبين إجراءاتهما الأمنية رداً على العدوان الصيني.
وقد أظهرت الحرب مع إيران عدداً من أوجه التفوق التي تتمتع بها واشنطن. فقد كانت مجموعات القتال التابعة للبحرية الأميركية تعمل ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، وكانت الصين وروسيا تحاولان تعقّب السفن الأميركية ونقل المعلومات المتعلقة بها إلى إيران، ومع ذلك، خلال نحو ستة أسابيع من القتال سبقت وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، لم يُصِب أي صاروخ بعيد المدى سفينة أميركية. ولا بد من أن بكين تتساءل الآن عن مدى فاعلية أنظمة صواريخها ضد السفن الحربية الأميركية. وأيضاً اكتسب القادة والقوات العسكرية الأميركية خبرة إضافية في تنفيذ هجمات جوية وبحرية معقدة وبعيدة المدى، في حين يفتقر كثير من كبار القادة العسكريين الصينيين إلى الخبرة العملياتية، ولا سيما بعد عمليات التطهير الأخيرة التي أجراها الرئيس شي جينبينغ في صفوف القيادة العسكرية. علاوة على ذلك، وخلافاً للمخاوف التي أعرب عنها بعض المحللين، لم تستنزف الحرب مع إيران من الولايات المتحدة عدداً كبيراً من الأسلحة الدقيقة التي تحتاج إليها للدفاع عن تايوان. وحتى وقت كتابة هذه المقالة، لم تستخدم القوات الأميركية سوى جزء صغير من مخزونها من الصواريخ المضادة للسفن ضد السفن الإيرانية، ولم تطلق الغواصات الأميركية سوى طوربيد واحد، وعلى رغم استخدامها أعداداً أكبر من صواريخ أرض-جو، فلا يزال لديها مخزون كاف للدفاع عن غوام ومجموعات القتال الأميركية.
وكانت الاتجاهات العسكرية تصب في مصلحة واشنطن حتى قبل الحرب في إيران. فالولايات المتحدة لم تقف مكتوفة الأيدي خلال الأعوام الأولى من تعزيز الصين قدراتها العسكرية. فقد حلّت طائرات مقاتلة جديدة وأكثر كفاءة، ووحدات جوية للقيادة والسيطرة، وأسطول من طائرات الدوريات البحرية محل النماذج الأقدم، وأُرسلت أجيال جديدة من الصواريخ المضادة للطائرات وطائرات الاستطلاع المسيّرة بعيدة المدى إلى المحيط الهادئ. ونُشرت غواصات في غوام، حيث جرى توسيع القواعد الأميركية وتحصينها. وفي الآونة الأخيرة، صُمم التعزيز العسكري الأميركي صراحة للاستفادة من نقاط ضعف الصين. وبدأ هذا التحول عام 2016، عندما وصفت وزارة الدفاع الأميركية الصين علناً للمرة الأولى بأنها تهديد خطر. وتسارع هذا التحول عام 2019، عندما انسحبت إدارة ترمب الأولى من “معاهدة القوى النووية متوسطة المدى” لعام 1987، مما سمح للولايات المتحدة بتطوير صواريخ قادرة على ضرب أهداف في بحر الصين الجنوبي وشرق الصين، انطلاقاً من سفن حربية ومن مواقع إطلاق في اليابان والفيليبين.
وقد اتبعت وزارة الدفاع الأميركية برامج لتحديث قواتها المسلحة من شأنها عكس مسار المكاسب العسكرية النسبية التي حققتها الصين، وجاءت عمليات شراء الأسلحة والمعدات متوافقة مع أولويات إستراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2018، التي شملت أسلحة بعيدة المدى أسرع وأكثر فاعلية ودفاعات صاروخية أكثر تطوراً، وقدرات محسّنة في الفضاء والفضاء السيبراني، ومواقع انتشار أمامية وقواعد استكشافية أكثر مرونة، وقواعد أمامية وخطوط إمداد لوجستية أفضل تحصيناً، وتطويراً مستمراً للمركبات ذاتية التشغيل وما يُعرف بـ “منظومة القيادة والتحكم والاتصالات والحوسبة والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” C4ISR، وقد حسّن الجيش الأميركي بسرعة أنظمة الصواريخ بعيدة المدى للهجوم على أهداف برية، ووسّع وجوده في الفيليبين وجزر ريوكيو، وعزز التفوق الكبير لأسطول غواصاته على أنظمة الصين المضادة للغواصات، وطوّر أنظمة فضائية أكثر قدرة على الصمود، مثل أقمار “جي بي إس 3” (GPS III) المقاومة للتشويش. وقد صُممت جميع هذه القدرات خصوصاً لمواجهة الجيش الصيني الذي تحسنت قدراته في حال نشوب نزاع حول تايوان.
وتستفيد الاستثمارات الأميركية الأخيرة من التطورات في التكنولوجيا العسكرية التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة وتايوان، ومن بين هذه التطورات الصواريخ فرط الصوتية بعيدة المدى. فالصين والولايات المتحدة كلتاهما تنشران هذه الصواريخ، التي لا يمكن لأنظمة الدفاع الصاروخي الحالية اعتراضها، والقادرة على ضرب أهداف ثابتة، مثل المطارات ومراكز القيادة والقواعد البحرية والرادارات ومراكز التحكم الفضائية ومنظومات الأسلحة. وبالتالي، فإن البنية التحتية العسكرية بأكملها في جنوب شرق الصين، التي من شأنها دعم غزو تايوان، معرضة للخطر. وقد نشرت بكين أنظمة دفاع جوي متطورة حول هذه المواقع، لكن الصواريخ الأميركية فرط الصوتية التي تُطلق من البر والموجودة بالفعل في المحيط الهادئ، إضافة إلى النسخ التي تُطلق من الجو والبحر، والتي ستُنشر قريباً، قادرة على التغلب على هذه الدفاعات. ويمكن للأنظمة الأميركية أن تحيّد بسرعة الشعاب المرجانية الصينية السبعة المحصنة في جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي، أو أن تدمر أرصفة الموانئ على طول الساحل الجنوبي للصين التي ستُحمّل عندها قوات الغزو الصينية على السفن المتجهة إلى تايوان. وحتى من دون صواريخ فرط صوتية، تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تحييد معظم الدفاعات الجوية الإيرانية، التي تعتمد على التكنولوجيا الروسية نفسها المستخدمة في الصين، في غضون ساعات قليلة، باستخدام الهجمات الإلكترونية والسيبرانية والمباشرة. وتمنح إضافة الصواريخ فرط الصوتية إلى القدرات الهجومية الأميركية أفضلية ستستمر عقداً في الأقل، إلى أن تُنشر أجيال جديدة من الدفاعات الجوية التي تتقدم الولايات المتحدة أيضاً في تطويرها.
كذلك فإن جغرافية أي نزاع حول تايوان تمنح الولايات المتحدة ميزة إضافية، فالضربات بعيدة المدى ضد الأهداف المتحركة، على البر وفي البحر، أصعب من الضربات ضد الأهداف الثابتة. ويُعد تتبع الأهداف عملية معقدة، والتكنولوجيا المستخدمة لتوجيه الصواريخ نحو أهدافها يمكن إرباكها وتعطيلها بالتدابير المضادة. وتنتشر السفن الأميركية والأنظمة البرية المتنقلة التي ستحتاج الصين إلى تحييدها في حال غزو تايوان على امتداد آلاف الأميال، من غوام إلى جزر ريوكيو، ومن كيوشو إلى لوزون. وأهم الأهداف الصينية المتحركة التي ستهاجمها الولايات المتحدة هي بضع عشرات من تشكيلات الغزو البرمائي التي تعبر مضيق تايوان، الذي يقل عرضه عن 100 ميل، وتناور على امتداد بضع مئات من الأميال على الساحل الصيني المقابل لتايوان. وهذا التركز سيجعل أنظمة الاستطلاع والهجوم الأميركية بعيدة المدى، أكثر فاعلية بكثير من الأنظمة الصينية التي تحاول تغطية مساحة أكبر بكثير.
وتصب الاتجاهات التكنولوجية في مجال الدفاع البري أيضاً في مصلحة تايوان، فقد طوّرت أوكرانيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، تكتيكات دفاعية جديدة مدمرة. وجعلت الطائرات المسيّرة تحرك القوات البرية المهاجمة في تشكيلات كبيرة ضرباً من الانتحار. وتمكن المدافعون الأوكرانيون، بفضل عزيمتهم وابتكارهم وسرعة تكيفهم، من صد القوات الروسية المتفوقة عددياً، وأثبتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية فاعليتها ضد السفن في نطاق بحري ضيق، مما أجبر أسطول البحر الأسود الروسي على التراجع لقاعدته.
وباستخدام أساليب مماثلة لتلك التي تتبعها أوكرانيا، ستتمتع القوات البحرية والبرية التايوانية بأفضلية في الدفاع عن الجزيرة. فالسفن البرمائية الصينية، التي يتعين عليها الاقتراب من الساحل لتفريغ زوارق الإنزال والمروحيات، ستكون شديدة التعرض لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى. وأي وحدات من قوة الهجوم الصينية تصل إلى الشاطئ ستكون عرضة للدفاعات التايوانية المجهزة بالطائرات المسيّرة والمدعومة بمدفعية متحصنة ومخفية. وستواجه هذه الوحدات صعوبة في الخروج من رؤوس الجسور للسيطرة على المدن والموانئ التايوانية. وتستعد تايوان لاعتماد دفاع يرتكز أساساً على الطائرات المسيّرة، إذ تحوّل تركيزها من المنصات التقليدية، مثل السفن والطائرات والدبابات، نحو توسيع ترسانة الطائرات المسيّرة والصواريخ. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، اقترحت الحكومة التايوانية موازنة دفاعية خاصة بقيمة 40 مليار دولار على مدى ثمانية أعوام مخصصة لهذه الأسلحة. وحتى لو نجح حزب المعارضة الرئيس في تقليص حجم هذه الموازنة، فإن الإنفاق الإضافي والإنتاج الصناعي سيوفران للجيش التايواني قدرة دفاعية أكبر بكثير مما لديه حالياً. وكما أثبتت أوكرانيا، فإن قوة أقل عدداً تستخدم هذه المنظومات قادرة على إيقاف أي غازٍ.
وكما أثبتت إيران من خلال إغلاقها مضيق هرمز، فإن جيشاً أقل قوة قادر أيضاً على منع قوة جوية وبحرية أكبر وأقوى من العمل بحرية قرب سواحل بلاده.
وتقوض التحركات الأخيرة لليابان والفيليبين بدرجة أكبر قدرة الصين على غزو تايوان بنجاح. وانطلاقاً من القلق إزاء العدوان الصيني، عزز القادة اليابانيون السياسات الأمنية في بلادهم. وصرحت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي أواخر العام الماضي بأن أية عملية عسكرية صينية ضد تايوان ستشكل “تهديداً لبقاء” اليابان. وخلال العقد الماضي، زادت اليابان موازنتها الدفاعية، واشترت أسلحة للضربات المضادة يصل مداها إلى شرق الصين، ونشرت في جزر ريوكيو تحصينات جوية وبحرية قادرة على منع القوات الجوية والبحرية الصينية من الوصول إلى المحيط الهادئ. وازداد حذر القادة الفيليبينيين تجاه الصين في عهد الرئيس فرديناند ماركوس الابن، الذي انتُخب عام 2022. وقد تصدّت الفيليبين لتوغلات الصين في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وفي عام 2022 سمحت بتحديث المنشآت العسكرية التي تديرها الولايات المتحدة على أراضيها بموجب اتفاق التعاون الدفاعي المعزز الموقع بين البلدين عام 2014. وخصصت واشنطن نحو 100 مليون دولار لهذه المشاريع.
الثبات على المسار
على مدى العقد المقبل في الأقل، ستضع التطورات الإيجابية في مجال الأسلحة فرط الصوتية، وأنظمة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والحرب السيبرانية، الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها في موقع قوي لردع الصين عن شن هجوم على تايوان، وستحتاج الصين إلى إنفاق عسكري أكبر بكثير للتغلب على هذه المزايا، ومع ذلك فإن هذه الاتجاهات الإيجابية لا تستمر من تلقاء نفسها، فتكنولوجيا الحرب لا تتوقف عن التطور، وسيتطلب الحفاظ على الردع استثماراً في الابتكار، ولا سيما في العمليات الفضائية وأنظمة الذكاء الاصطناعي. ويجب على تايوان والولايات المتحدة واليابان والفيليبين مواصلة تخصيص الموارد، والمشاركة في التخطيط والتدريبات العسكرية الفعالة، والرد على الأعمال العدوانية الصينية. وعندما تُحصّن الصين شعاباً مرجانية أخرى في بحر الصين الجنوبي، يجب على الولايات المتحدة نشر مزيد من الصواريخ فرط الصوتية على جزيرة بالاوان الفيليبينية. وعندما تُغلق الصين المجال الجوي والبحري حول تايوان لإجراء استعراضات للأسلحة، يجب على الولايات المتحدة واليابان والفيليبين الرد بتدريبات بالذخيرة الحية. وعندما تحتج الصين على مرور السفن الحربية الأميركية عبر مضيق تايوان، يجب على الولايات المتحدة إرسال مزيد من السفن عبره.
وطالما واصلت تايوان والمدافعون عنها اتباع المسار الحالي، فستتسع الفجوة بين تطلعات الصين وقدرتها على تحقيقها في الأعوام المقبلة. وسيستمر خطاب بكين العلني في تأكيد عزمها على إنجاز المهمة التاريخية المتمثلة في السيطرة على تايوان، لكن القادة الصينيين سيدركون أن إخضاع تايوان أمر غير واقعي على المدى القريب. وسيفهمون خطورة ربط شرعية الحكومة بهدف لا يمكنها تحقيقه. وسيظل التنافس قائماً بين الصين السلطوية، باقتصادها الموجه من الدولة ونزعتها المركنتيلية الهجومية، وبين الولايات المتحدة واليابان والفيليبين وتايوان الديمقراطية، إضافة إلى حلفائها وشركائها الآخرين، باقتصاداتها القائمة على السوق والتزامها بالنظام الاقتصادي الدولي. لكنه سيكون في المقام الأول تنافساً اقتصادياً وأيديولوجياً، لا عسكرياً.
ويتطلب إبقاء المنافسة مستقرة وسلمية أن تغيّر بكين وواشنطن طريقة نظرهما إلى ميزان القوى العسكري وحديثهما عنه، فعلى الصين أن تقر بأن الهجوم على تايوان ينطوي على أخطار كبيرة وفرص نجاح ضئيلة، وأن تخفف من تباهيها القومي بقدراتها العسكرية ومن مزاعمها المبالغ فيها حول ضعف الولايات المتحدة. ويجب على الولايات المتحدة مواصلة توجيه اهتمامها ومواردها نحو الحفاظ على تفوقها العسكري وإظهار ثقتها بقدراتها، بدلاً من إضفاء صدقية على التحذيرات المبالغ فيها من هزيمة وشيكة. وإذا أدركت جميع الأطراف الواقع العسكري كما هو، فبإمكانها تجنب الصدام المباشر، بل والحفاظ على إمكان التعاون بما يعود بالنفع على الجميع.
دينيس بلير كان القائد العام للقيادة الأميركية في المحيط الهادئ بين عامي 1999 و 2002، ومدير الاستخبارات الوطنية بين عامي 2009 و 2010، وبين عامي 2003 و2007 كان كبير المستشارين في مناورات الدفاع السنوية التي تجريها تايوان..
مترجم عن “فورين أفيرز”، يوليو (تموز)/أغسطس (آب) 2026، نُشر في 23 يونيو (حزيران) 2026.
