ملخص
يراهن بنيامين نتنياهو على أن الحفاظ على دعم اليمين الإسرائيلي أهم من إرضاء ترمب، فيرفض خطة السلام في غزة على رغم الضغوط الأميركية. لكن صعود غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي يهدد مستقبله، فيما يلوح أن ترمب بدأ يستعد لمرحلة ما بعد نتنياهو.
المقولة الشهيرة لهنري كيسنجر أن “إسرائيل ليست لديها سياسة خارجية بل مجرد سياسة داخلية فقط”، نادراً ما كانت أكثر دلالة ومغزى مما تبدو عليه الآن، بعد أكثر من نصف قرن على إطلاق وزير الخارجية الأميركي السابق هذه العبارة، في وقت كان يكافح من أجل التوصل إلى سلام إقليمي في أعقاب حرب “يوم الغفران” عام 1973.
هذه المقولة تساعد بتأكيد تفسير الرفض العلني والحاسم الذي صدر يوم الأحد الماضي عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لخطة السلام المؤلفة من 15 نقطة في شأن غزة، والتي توصل إليها بين حركة “حماس” و”مجلس السلام” التابع لدونالد ترمب، وهي الخطة التي كان الرئيس الأميركي يوليها أهمية كبيرة ويعول عليها.
ولا تترك تصريحات نتنياهو، التي قال فيها: “نستطيع، ونعرف كيف نصمد ولا نتراجع عن موقفنا… حتى في مواجهة أفضل أصدقائنا إذا اقتضت الضرورة”، مجالاً كبيراً للشك في أولوياته الراهنة. فهو يولي أهمية كبيرة للحفاظ على علاقات جيدة مع ترمب، لكن ليس بالمقدار نفسه الذي يولي به أهمية للفوز بأبرز انتخابات في مسيرته السياسية الطويلة، المقرر إجراؤها في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
الكم الكبير من الانتقادات التي اضطر نتنياهو في نهاية المطاف إلى الخضوع لها، جاء من حلفائه في ائتلافه اليميني المتطرف، وهم جزء من القاعدة السياسية التي يحتاج بشدة للحفاظ على تماسكها. لكن هجوماً لاذعاً ولافتاً جاء أيضاً من الرجل الذي قد يصبح رئيساً لوزراء إسرائيل بحلول نهاية العام، وهو الجنرال السابق غادي آيزنكوت. فقد قال آيزنكوت في الـ31 من يوليو (تموز) الماضي، يوم الإعلان عن الاتفاق للمرة الأولى: “لقد استسلم [نتنياهو] بسبب ضعفه السياسي، من دون أن يحقق أهداف الحرب”.
اللافت إلى حد الدهشة أن الرئيس الأميركي لم يرد حتى الآن بصورة أكثر حدة على هذه الإهانة. فهل يمكن أن يكون السبب أنه لا يريد إلحاق الضرر بحليف له يمر بمرحلة ضعف انتخابي حرجة؟ من المؤكد أن ترمب يتلمس الإشارات التي تنذر بأن إسرائيل ما بعد نتنياهو تلوح في الأفق.
كثيراً ما كان من الصعب تحليل دوافع هذا الرئيس الأميركي الأكثر تقلباً في مواقفه. لكن مع تحول الحرب الدائرة مع إيران (وهو النزاع الذي اضطلع فيه بنيامين نتنياهو بدور مهم في إقناع ترمب ببدئه) إلى ما يشبه كارثة محققة، كان دونالد ترمب بالتأكيد يرغب في تحقيق شيء يستطيع أن يقدمه للناخب الأميركي على أنه تقدم في غزة – وهو تقدم كان مساعداه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قد استثمرا فيه بقوة.
إلا أن نتنياهو اختار أن يحرم ترمب من ذلك.
من الممكن بطبيعة الحال ألا يكون صمت الرئيس الأميركي نابعاً من رغبته في إبقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي في منصبه، بقدر ما ينبع من حرصه على الحفاظ على دعم المتبرعين “الجمهوريين” المؤيدين لنتنياهو قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. مع ذلك، لنفترض أن سيد البيت الأبيض يفضل التمسك بـ”الشيطان الذي يعرفه” – وهو شيطان لا يزال يغدق عليه المديح المفرط حتى في البيان الذي أصدره يوم الأحد وقال فيه إنه لن يفعل ما يريده ترمب – ففي هذه الحالة، سيتعين على ترمب أن يتحمل حتى أكتوبر المقبل، وجود حليف مستعد للقيام “بأي شيء يلزم” لتأمين الفوز في الانتخابات.
كان بنيامين نتنياهو أمام خيار بالغ الصعوبة. ولهذا السبب استغرق وقتاً قبل أن يجاهر علناً بمعارضته لخطة غزة. وفي حين أن الاتفاق لم يعجب الحلفاء المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد بدا في مرحلة ما أن الرجل نفسه كان يفكر في طريقة لجعل هذا الاتفاق أكثر قبولاً لدى أنصاره، من خلال إقناع نيكولاي ملادينوف المفاوض الذي يمثل “مجلس السلام”، بالموافقة على أن تبدأ إسرائيل بسحب قواتها من غزة، فقط بعد استكمال نزع سلاح “حماس”.
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها نتنياهو نفسه مضطراً للاختيار بين ضرورتين انتخابيتين أحلاهما مر. فهو من جهة يحتاج لاستمرار دعم دونالد ترمب، الذي يحظى بشعبية في إسرائيل تفوق شعبية نتنياهو بفارق كبير، وذلك بسبب الدور الحاسم الذي اضطلع به الرئيس الأميركي في تأمين إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة في أكتوبر الماضي. لكنه من جهة أخرى يريد تجنب إعطاء أي انطباع بأن الحرب – التي لا يزال قطاع واسع من الرأي العام الإسرائيلي يرى أنه يتحمل مسؤولية الفشل في منع وقوعها – قد انتهت بإخفاق.
في ظروف أخرى، كان بإمكانه ببساطة المضي قدماً وقبول الاتفاق. وكان في استطاعته الادعاء بأن موافقة “حماس” على البدء بنزع سلاحها تمثل بالفعل الخاتمة الدبلوماسية لما كان يسعى إلى تحقيقه طوال الوقت. لكن رفض الاتفاق يساعد في تخفيف وطأة المسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر، وربما يؤدي إبقاء حرية التحرك العسكري في قطاع غزة متاحة له إلى صرف الانتباه عن تلك المسؤولية. ولا بد أنه يعلم أن عدداً من المعلقين الإسرائيليين يطلقون بالفعل على هذه الانتخابات اسم “الانتخابات الدامية”، وهم لا يقصدون بذلك مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني في قطاع غزة، بل مقتل 1200 إسرائيلي في السابع من أكتوبر، وهي الأحداث التي رفض نتنياهو بإصرار تحمل المسؤولية عنها.
آيزنكوت ليس بمنأى هو الآخر عن ممارسة مقدار من الانتهازية. فالاتفاق الذي هاجم نتنياهو بسببه في الـ31 من يوليو (تموز) الماضي كان – أقله من حيث الشكل – اتفاقاً بين “حماس” و”مجلس السلام”، وليس اتفاقاً مع نتنياهو، إضافة إلى ذلك، زعم آيزنكوت أن الاتفاق سيبقي “حماس” في السلطة داخل قطاع غزة، على رغم أن الحركة سبق أن أعلنت استعدادها للتخلي عن ذلك. لكن، وبالعودة إلى كيسنجر مرة أخرى، هذه انتخابات، وفي الانتخابات، الرسالة هي كل شيء. وهذا استحقاق ينبغي على نتنياهو أن يخشاه حقاً.
ما تقدم لا يعني التقليل من أخطار الوقوف في وجه شخص لا يمكن توقع رد فعله مثل ترمب. وستكون الكارثة الحقيقية من وجهة نظر نتنياهو في أن يجد آيزنكوت – الذي ما زال يسجل صعوداً في استطلاعات الرأي – نفسه مدعواً إلى البيت الأبيض قبل الانتخابات.
مع ذلك – وأمام ما يعرف باللغة الإنجليزية بـ”خيار هوبسون” [الاختيار بين خيارين كلاهما سيئ] – بين استعداء دونالد ترمب واستعداء جزء كبير من الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما في أوساط اليمين، راهن نتنياهو على أن الرئيس الأميركي سيكون أقل ميلاً إلى الرد عليه بالمثل. وحتى لحظة كتابة هذه السطور في الأقل، يوحي صمت ترمب بأن نتنياهو ربما كان محقاً في رهانه.
© The Independent
