تقرير تيار مستقبل كردستان سوريا: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سوريا والحسكة وآفاق الشراكة الكردية في سوريا الجديدة
مقدمة
تدخل سوريا مرحلة سياسية جديدة تحمل في طياتها فرصاً كبيرة، لكنها تواجه واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث. إن انتقال البلاد من سنوات طويلة من الحرب والانقسام والدمار إلى مرحلة إعادة بناء الدولة لا يرتبط فقط بإعادة ترتيب المؤسسات السياسية والأمنية، وإنما بصورة أساسية بقدرة الدولة الجديدة على تحسين الظروف المعيشية للسوريين، وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة، وترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فنجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس بما يتحقق في المجال السياسي فحسب، بل بمدى قدرة المواطن على لمس تغيّر ملموس في حياته اليومية: الكهرباء، المياه، الخبز، الوقود، الصحة، التعليم، فرص العمل، القدرة الشرائية، والأمن والخدمات الأساسية. ولا تزال الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية كبيرة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 16.5 مليون شخص في سوريا سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في وقت ما يزال النظام الصحي والبنية التحتية والخدمات العامة تحت ضغط شديد نتيجة سنوات الحرب ونقص الاستثمار.
وفي المقابل، بدأت تظهر مؤشرات على انتقال الاقتصاد من مرحلة الانكماش الحاد إلى مرحلة تعافٍ تدريجي. فقد أشار البنك الدولي إلى تحسّن البيئة الاقتصادية منذ عام 2025، وانخفاض التضخم بصورة كبيرة مقارنة بالعام السابق، وتحسّن قيمة الليرة، وعودة بعض الاستثمارات والنشاط الاقتصادي، مع توقع استمرار التحسّن خلال عام 2026. إلا أنه يؤكّد أيضاً أن التعافي ما يزال هشاً وغير متوازن، وأن قطاعات الكهرباء والمياه والزراعة والخدمات والمؤسسات المالية تحتاج إلى استثمارات واسعة.
من هنا لا يمكن النظر إلى الاقتصاد السوري بمعزل عن عملية بناء الدولة. فالتحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة هو الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد التنمية، عبر بناء مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات بصورة عادلة ومستدامة. وتكتسب محافظة الحسكة أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى موقعها الجغرافي، وثرواتها النفطية والزراعية، وتركيبتها السكانية المتنوعة، وارتباطها المباشر بملفات الطاقة والغذاء والمياه والتجارة والحقوق الكردية.
أولاً: الاقتصاد السوري بين التعافي الهش والأزمة المعيشية
من الخطأ تقييم الاقتصاد السوري من خلال مؤشرات النمو وحدها.
صحيح أن هناك تحسّناً نسبياً في البيئة الاقتصادية، وأن عودة جزء من إنتاج النفط والغاز، وتحسّن النشاط الزراعي والتجاري، وبدء الانفتاح الاقتصادي الخارجي يمكن أن يساهم في استعادة النشاط الاقتصادي، إلا أن هذه التطورات لم تتحول بعد إلى تحسّن ملحوظ في مستوى معيشة المواطنين.
ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم انخفض من مستويات مرتفعة جداً في عام 2024 إلى نحو 11.5% في عام 2025، مع استمرار تحسّن البيئة الاقتصادية، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من هشاشة التعافي ومن استمرار ضعف قطاعات أساسية مثل الكهرباء والخدمات والبنية التحتية. وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين التعافي الاقتصادي الكلي والتعافي الاجتماعي والمعيشي.
فقد ترتفع الاستثمارات أو الإنتاج أو الإيرادات العامة، بينما يبقى المواطن غير قادر على الاستفادة من ذلك إذا بقيت أسعار الغذاء والوقود والنقل والكهرباء والخدمات أعلى من قدرته الشرائية. ولهذا فإن السياسة الاقتصادية في المرحلة الانتقالية يجب ألا تركّز على الناتج المحلي والاستثمار فحسب، بل على الدخل الحقيقي للأسرة السورية.
ثانياً: التضخم والقدرة الشرائية والأجور
تمثّل القدرة الشرائية واحدة من أهم المشكلات الاجتماعية في سوريا. فارتفاع أسعار الوقود والنقل والغذاء والخدمات يؤدي إلى تآكل قيمة الدخول والأجور، خصوصاً لدى الموظفين والعاملين بأجر وأصحاب المهن الصغيرة.
وتزداد المشكلة عندما ترتفع الأسعار بصورة أسرع من الأجور، إذ تتحول الزيادة الاسمية في الدخل إلى انخفاض فعلي في مستوى المعيشة. ولا يمكن مواجهة التضخم من خلال الرقابة على الأسعار وحدها، بل المطلوب معالجة مصادر ارتفاع التكلفة نفسها.
ثالثاً: المحروقات والطاقة وتأثيرهما على الاقتصاد
تشكّل المحروقات أحد المفاتيح الرئيسية للاقتصاد السوري.
فالوقود لا يُستخدم في السيارات فحسب، بل يدخل في إنتاج الخبز والزراعة والصناعة والنقل وتشغيل المولدات وضخ المياه والتدفئة والخدمات الصحية والتجارية. لذلك فإن رفع سعر المازوت يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند أسعار المواد الغذائية. وتزداد أهمية هذا الملف في الحسكة والمنطقة الشرقية عموماً، حيث ارتبط جزء كبير من النشاط الاقتصادي خلال السنوات الماضية بشبكات الطاقة والوقود المحلية. ولهذا فإن أي انتقال إلى نظام وطني جديد للطاقة يجب أن يراعي ثلاثة مبادئ:
• توحيد إدارة الموارد.
• تأمين الطاقة بأسعار قابلة للتحمل.
• ضمان استفادة المناطق المنتجة من عائدات الموارد والاستثمارات.
فالسياسة التي توحد إدارة النفط، لكنها تترك المناطق المنتجة بلا خدمات وتنمية، يمكن أن تنتج شعوراً جديداً بالتهميش بدلاً من معالجة التهميش القديم.
رابعاً: ملف الكهرباء
تعد الكهرباء أحد أهم الاختبارات أمام الدولة السورية الجديدة. فأزمة الكهرباء لا تؤثر على المنازل فقط، وإنما على كامل الدورة الاقتصادية.
وقد وصف البنك الدولي إعادة تأهيل قطاع الكهرباء بأنها استثمار حاسم لتحسين ظروف المعيشة ودعم عودة النازحين وتحريك الاقتصاد، وأقر في عام 2025 تمويلاً بقيمة 146 مليون دولار لمشروع طوارئ الكهرباء في سوريا. وهذا يؤكد أن الكهرباء ليست مجرد قضية تقنية، بل جزء من استراتيجية التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
خامساً: المياه والمناخ والزراعة
يُضاف إلى أزمة الطاقة تحدي المياه. فقد ألحقت الحرب أضراراً واسعة بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، فيما زادت سنوات الجفاف وتغير المناخ الضغط على الموارد المائية.
ويشير البنك الدولي إلى أن أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف تعرضت لأضرار جسيمة، وأن توفر المياه انخفض بصورة كبيرة عن مستويات ما قبل الحرب. وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الحسكة، حيث تتقاطع المياه مع الزراعة والصحة والطاقة والاستقرار الاجتماعي.
فالحسكة ليست منطقة نفطية فقط، بل هي إحدى أهم المناطق الزراعية في سوريا، وبالتالي فإن مستقبلها الاقتصادي يرتبط بصورة مباشرة بقدرتها على تأمين المياه والطاقة للقطاع الزراعي. ومن الضروري أن تتضمن السياسة الزراعية الجديدة: دعم المزارعين، وتأمين مستلزمات الإنتاج بما فيه دعم الثروة الحيوانية، وتطوير الصناعات الغذائية.
إن تحويل الحسكة إلى مركز زراعي–صناعي متكامل يمكن أن يكون أحد أهم مشاريع التنمية الوطنية في سوريا الجديدة.
سادساً: الحسكة بين الثروة والتهميش التنموي
تمثل الحسكة نموذجاً واضحاً لمشكلة العلاقة بين الموارد والتنمية. فالمحافظة تمتلك النفط والغاز والأراضي الزراعية والحبوب والثروة الحيوانية وموقعاً حدودياً مهماً، لكنها عانت تاريخياً من ضعف الاستثمار في البنية التحتية والخدمات. وهنا نشأت معادلة اجتماعية شديدة الحساسية:
كيف لمنطقة أن تساهم في إنتاج الثروة الوطنية، لكنها لا تحصل بالضرورة على مستوى متناسب من التنمية والخدمات؟
فمع انتقال إدارة الموارد النفطية إلى الدولة السورية، يجب أن يتحول هذا الانتقال إلى فرصة لإعادة بناء علاقة اقتصادية جديدة بين المركز والمحافظة. ولا يعني ذلك منح المحافظة حق التصرف المنفرد بالموارد الوطنية، بل يعني اعتماد نظام مالي شفاف يضمن عودة جزء من عائدات الموارد إلى المناطق المنتجة والأكثر احتياجاً. ويمكن تحقيق ذلك من خلال صندوق وطني للتنمية وإدارة الموارد، يقوم بتوزيع الاستثمارات وفق معايير واضحة، وبذلك تصبح الثروة الوطنية أداة لتعزيز وحدة الدولة.
سابعاً: إعادة الإعمار والاستثمار
لا تستطيع الدولة السورية تمويل عملية إعادة الإعمار من مواردها الداخلية وحدها؛ فحجم الدمار يحتاج إلى شراكة واسعة مع المؤسسات المالية المحلية والإقليمية والدولية. لكن جذب الاستثمار يتطلب بيئة قانونية واضحة، وقضاءً مستقلاً، ونظاماً مصرفياً فعالاً، وحماية للملكية، وشفافية في العقود، واستقراراً أمنياً وسياسياً. ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست مجرد بناء طرق ومبانٍ، وإنما إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والثقة. وينبغي إعطاء الأولوية للمشروعات التي تنتج فرص عمل وتعيد تشغيل الاقتصاد، وعدم حصرها بالمشروعات العقارية.
ثامناً: العمل والبطالة والهجرة
أحد أخطر التحديات التي تواجه سوريا هو فقدان رأس المال البشري. فخلال سنوات الحرب هاجر أو نزح ملايين السوريين، وخسرت البلاد أعداداً كبيرة من الأطباء والمهندسين والمعلمين وأصحاب الخبرات ورجال الأعمال والحرفيين. لذلك فإن إعادة الإعمار تحتاج إلى استراتيجية وطنية لإعادة بناء سوق العمل.
إن إعادة السوريين إلى بلدهم لن تتم عبر تحسين الأمن فحسب، بل أيضاً عبر توفير فرص اقتصادية وحياة كريمة.
تاسعاً: التماسك الاجتماعي والمصالحة الوطنية
لا تستطيع سوريا أن تنجح اقتصادياً إذا بقيت الانقسامات الاجتماعية والسياسية قائمة.
فإعادة بناء الدولة تحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية تعالج آثار الحرب، وتضمن حقوق الضحايا، وتمنع الانتقام الجماعي، وتعيد الثقة بين المكونات والمناطق. وتزداد أهمية ذلك في دولة متعددة القوميات والطوائف والمناطق مثل سوريا.
إن الدولة الموحدة لا تعني إلغاء الاختلافات، وإنما تعني إدارة الاختلاف من خلال القانون والمؤسسات. ولهذا فإن المواطنة المتساوية، والمصالحة، والعدالة الانتقالية، وسيادة القانون هي ركائز موازية لإعادة الإعمار الاقتصادي.
عاشراً: المرسوم رقم 13 والقضية الكردية
يشكّل المرسوم رقم 13 لعام 2026 خطوة مهمة في تاريخ العلاقة بين الدولة السورية والمواطنين الكرد.
فالمرسوم ينص على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، ويعترف بهويتهم الثقافية واللغوية، ويعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، ويلغي الإجراءات الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962، ويتيح منح الجنسية للسوريين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد.
كما أعلنت وزارة التربية إدخال اللغة الكردية في التعليم الرسمي اعتباراً من العام الدراسي 2026–2027 بمعدل حصتين أسبوعياً كمادة اختيارية، ثم عُدلت التعليمات التنفيذية بما يتيح تدريسها بمعدل ثلاث حصص في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الوجود الكردي الملحوظ وفي مختلف المراحل الدراسية على أن تدخل في المجموع العام. وتكتسب هذه الخطوات أهمية سياسية ورمزية كبيرة، لأنها تنقل التعامل الرسمي مع القضية الكردية من مرحلة الإنكار والتجاهل إلى الاعتراف القانوني والثقافي. لكن الاعتراف القانوني، مهما بلغت أهميته، لا يمثل نهاية القضية.
فالسؤال المركزي هو: هل أصبح الكرد شركاء فعليين في الدولة؟
وهذا يتطلب الانتقال من الحقوق الفردية والثقافية إلى مفهوم أوسع للشراكة الوطنية. وتملأ هذه الشراكة الأبعاد التالية:
• المشاركة السياسية والتمثيل العادل في المؤسسات.
• مشاركة الكفاءات الكردية في الدولة وفي صياغة السياسات العامة.
• التمثيل في البرلمان والحكومة والسلك الدبلوماسي والمؤسسات الاقتصادية.
• ضمان تمثيل المناطق ذات الغالبية الكردية في مؤسسات الإدارة المحلية.
ولا تعني الشراكة بالضرورة إقامة نظام للمحاصصة القومية، وإنما تعني منع إعادة إنتاج التهميش التاريخي تحت عنوان المساواة الشكلية.
حادي عشر: ملف الجنسية وآثار إحصاء 1962
يمثل إنهاء آثار إحصاء عام 1962 أحد أهم الملفات المرتبطة بالعدالة القانونية.
وقد بدأت السلطات السورية خطوات تنفيذية لمنح الجنسية للمواطنين الكرد من أصول سورية، بمن فيهم مكتومو القيد، وفق المرسوم رقم 13. لكن النجاح الكامل لهذا الملف يحتاج إلى معالجة عملية للآثار التي تراكمت خلال عقود. ولهذا ينبغي إنشاء آلية إدارية وقانونية واضحة وسريعة لضمان ألا تتحول الحقوق التي أقرها المرسوم إلى إجراءات بيروقراطية طويلة.
ثاني عشر: اللامركزية كإطار لإدارة التنوع
تحتاج سوريا الجديدة إلى إعادة النظر في العلاقة بين المركز والمناطق.
فاللامركزية لا تعني التقسيم، كما أن الدولة الموحدة لا تستلزم بالضرورة الإدارة المركزية الصارمة. ويمكن تطوير نموذج للامركزية داخل دولة سورية واحدة، بحيث تبقى للدولة المركزية صلاحيات السيادة، والدفاع، والسياسة الخارجية، والعملة، والسياسات الوطنية، بينما تحصل الإدارات المحلية المنتخبة على صلاحيات واسعة في: التعليم المحلي، الثقافة، البلديات، الصحة المحلية، التخطيط، التنمية، الخدمات، إدارة المشاريع المحلية، وجزء من الإيرادات المحلية. ويمكن أن تصبح اللامركزية وسيلة لإدارة التنوع السوري بدلاً من أن تكون أداة لتقسيم البلاد.
إن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب من الحكومة الانتقال من إدارة الملفات بصورة منفصلة إلى اعتماد خطة وطنية متكاملة للتعافي وتثبيت الحقوق الدستورية والثقافية لجميع المكونات.
فالمطلوب في الملف الكردي أن تنتقل الشراكة من مرحلة المطالب العامة إلى مشروع سياسي عملي داخل الدولة السورية. ويفترض أن تركز الأولويات على:
• تثبيت الاعتراف الدستوري بالكرد مكوناً أصيلاً من الشعب السوري.
• حماية الحقوق الثقافية واللغوية، وتطوير حق استخدام اللغة الكردية في التعليم والإدارة المحلية.
• استكمال معالجة آثار إحصاء 1962، ومعالجة قضايا الملكية والأراضي والتعويضات.
• ضمان المشاركة السياسية الفعلية وتمكين الكفاءات الكردية من المشاركة في مؤسسات الدولة.
• اعتماد اللامركزية وضمان التنمية المتوازنة في المناطق ذات الكثافة الكردية.
• إنشاء آلية دائمة للحوار بين الدولة وممثلي القوى السياسية والمجتمعية الكردية.
إن نجاح المشروع الكردي في سوريا الجديدة يرتبط بقدرته على الجمع بين أمرين: الحفاظ على الخصوصية القومية والثقافية، والانخراط الكامل في المشروع الوطني السوري. فالقضية الكردية لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع منفصل عن مستقبل سوريا، كما لا ينبغي أن تُستخدم وحدة سوريا ذريعة لإعادة إنتاج المركزية أو إنكار الخصوصيات. والمطلوب هو صيغة جديدة تقول بوضوح: سوريا واحدة، ولكنها ليست أحادية، والمواطنة لا تلغي التنوع.
ثالث عشر: مكافحة الفساد وبناء الثقة
لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار من دون الحديث عن الفساد. فأي تدفق للأموال والاستثمارات في مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن يتحول إلى مصدر جديد للفساد إذا لم توجد مؤسسات رقابية وقضائية قوية. فالمواطن الذي يرى أموال إعادة الإعمار تُهدر أو تتحول إلى مصالح خاصة سيفقد الثقة بالدولة مهما كانت إنجازاتها السياسية.
رابع عشر: نحو عقد اجتماعي واقتصادي جديد
تحتاج سوريا الجديدة إلى ما يمكن تسميته “بالعقد الاقتصادي والاجتماعي الجديد”، ويقوم هذا العقد على فكرة أساسية: أن الدولة ليست سلطة سياسية وأمنية فقط، بل مؤسسة مسؤولة عن حماية المواطن توفير الفرص والخدمات والعدالة.
خاتمة
أخيراً، يمكن القول إن سوريا تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام. وقد بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على تغير البيئة الاقتصادية والسياسية، مع استعادة الدولة السيطرة على قطاعات ومناطق اقتصادية مهمة، وبدء مشاريع لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والصحة، وانفتاح أكبر على المؤسسات الدولية.
لكن التعافي الاقتصادي يمكن أن يتعثر بسبب ضعف المؤسسات، واستمرار الفقر، وأزمات الطاقة والمياه، والتوترات الأمنية، وضعف الاستثمار، والفساد، وعدم التوازن بين المناطق. ولهذا فإن بناء سوريا الجديدة يتطلب الجمع بين وحدة الدولة وعدالتها.
وفي هذا السياق، تمثل محافظة الحسكة اختباراً مهماً. فنجاح الدولة في إدارة مواردها النفطية والزراعية، وتحسين الكهرباء والمياه والخدمات، وتحقيق تنمية عادلة، سيعطي نموذجاً عملياً للعلاقة الجديدة بين المركز والمناطق. إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على وحدة الجغرافيا فقط، بل على شعور جميع السوريين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم وتوزع مواردها بعدالة.
ومن هنا يمكن اختصار معادلة سوريا الجديدة في ثلاثة مبادئ أساسية:
1. دولة واحدة تتسع لتنوعها.
2. مواطنة متساوية تحمي الخصوصيات الثقافية والقومية.
3. تنمية عادلة تجعل الثروة الوطنية وسيلة لتوحيد المجتمع لا سبباً لانقسامه.
وبالنسبة إلى الكرد، فإن أفضل صيغة للشراكة ليست الانعزال عن الدولة السورية ولا العودة إلى المركزية القديمة، بل المشاركة الفاعلة في بناء دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية، تضمن حقوقهم بوصفها جزءاً من الحقوق الوطنية السورية العامة. أما بالنسبة إلى الدولة السورية، فإن نجاحها في بناء هذه الشراكة لن يكون تنازلاً عن وحدتها، بل سيكون أحد أهم شروط ترسيخ هذه الوحدة.
وعليه، فإن مستقبل سوريا لا ينبغي أن يكون عبارة عن انتقال من نظام سياسي إلى نظام سياسي آخر، بل انتقالاً أعمق من دولة الصراع إلى دولة المواطنة، ومن المركزية إلى الإدارة الرشيدة، ومن التهميش إلى الشراكة والعدالة والثقة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة.
١٣-٩-٢٠٢٦
تيار مستقبل كردستان سوريا