
فاروق إسماعيل
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره… المصدر جريدة الثورة السورية
انتهت الحرب الظالمة التي شهدتها سورية بالتحرير والخلاص من نظام مستبد ارتكب أفظع الجرائم بحق الشعب بشكل يندر مثيله في التاريخ. هجّر الملايين، وألحق الخراب بالعمران وبنيان الدولة، ونشر الفساد في مؤسساتها الإدارية والعلمية. وكان من الطبيعي أن تضعف إمكانات الجامعات المالية المخصصة للبحث العلمي وإغناء المكتبات، والنشر، وتضطرب الظروف التعليمية، ويتراجع المستوى العلمي في الجامعات، ويتشرد قسم كبير من الأكاديميين، ويهجر الطلبة مقاعد الدراسة بحثاً عن الأمان وحياة أفضل.
الآن؛ عاد قسم منهم بعد التحرير وبدأ مرحلة جديدة تتطلب البناء واستعادة المكانة العلمية لجامعاتنا، ولكن قسماً كبيراً ظل في المهجر لأسباب شتى، فمن الأكاديميين من تقدم في درجات العلم، واستقر في مراكز علمية تحقق طموحاتهم البحثية، ومن الطلبة من وجد فرصة متابعة الدراسة وبلوغ درجات علمية عالية مكّنتهم من العمل في جامعات ومراكز علمية، والاستقرار في المهاجر أيضاً.
وبذلك خسرت سوريا أعداداً كبيرة من المختصين والأكاديميين في إطار جيلين. ولعل خير مثال على ذلك ما أوردته إحصاءات نقابة الأطباء الاتحادية في ألمانيا عن عدد الأطباء السوريين العاملين في ألمانيا؛ إذ قدرتهم بنحو6500 طبيب، ما عدا الذين حصلوا على الجنسية الألمانية بمرور الزمن، وهم أضعاف هذا العدد، وبات السوريون يشكلون أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب في البلاد.
إنها ليست نجاحات فردية فحسب؛ بل ثروة وطنية حقيقية تحتاج إليها البلاد. ولا شك أن الحس الوطني يدفع أولئك المهاجرين إلى التفكير في حال البلاد والشعب، ويثير في نفوسهم رغبة الإسهام في البناء والتغيير، ولكن أمر عودتهم قد يكون صعباً محكوماً بظروف خاصة، لذا يمكن أن يكون الحل ببناء شبكة من العلاقات العلمية توفر المجال لبناء جسور المعرفة، والتعاون بين أكاديميي الداخل والمهجر للنهوض بالمكانة العلمية في جامعاتنا.
وفي هذا السياق؛ تأتي المبادرة التي أعلنت عنها جامعة حلب تحت عنوان “دعوة إلى الأكاديميين السوريين في المهجر” خطوة رائدة، تعكس مدى اهتمام الجامعة بوضع خطط لتطوير المستوى العلمي في الجامعة، وترميم الهوة المعرفية التي حصلت خلال نحو أربع عشرة سنة. وهي تنم عن وعي بأهمية العمل المشترك في البحث العلمي، وفي بناء الوطن بجهود أبنائه أينما كانوا.
وقد أحسنت الجامعة في تحديد المحاور الأساسية لمبادرتها، وطموحاتها التي تأمل أن تتحقق بين الأكاديميين في الداخل والمهجر، ومن أبرزها: إنجاز بحوث مشتركة تطبيقية تلتقي فيها ما يتوافر في البلاد من مواد بحثية، وما في المهجر من تقنيات ومناهج علمية متطورة.
والإشراف المشترك على الرسائل الجامعية في المراحل العليا، مما يساعد الطالب الباحث على الاستفادة من المستجدات العلمية، ومما يتوافر في الخارج من منشورات ومراجع علمية جديدة. إضافة إلى المشاركة في لجان التقييم والتحكيم.
وإنشاء منصات علمية، وإلقاء محاضرات عن بعد. وهي عملية باتت في غاية السهولة بفضل تطور التقنيات ووسائل التواصل والنشر، وتلقى انتشاراً واسعاً، وتحقق الغرض العلمي بوسائل بسيطة.
يضاف إلى ذلك ما يمكن أن يقوم به الباحث السوري المغترب بأن يكون سفيراً علمياً لوطنه يجذب باحثين أجانب للإسهام في المشروع، ويلفت الانتباه إلى برامج أكاديمية ومشروعات ومنح علمية خارجية يمكن لأكاديميي الداخل وطلبة الدراسات العليا أن يشاركوا ويستفيدوا منها.
إن الاستمارة التي طرحتها جامعة حلب لجمع البيانات (التخصصات الدقيقة، الجامعات، الاهتمامات البحثية…) موجهة إلى الباحثين السوريين حول العالم، ولن تكون نتائجها لجامعة حلب وحدها، ولذلك يمكن وصف هذا المشروع بأنه شبكة وطنية علمية سورية، مركزها جامعة حلب. يمكن الانطلاق منها إلى التخطيط لمشروعات علمية متنوعة كثيرة، وعقد لقاءات دورية بين الباحثين بحسب تخصصاتهم، وتشجيع النشر في مجلاتنا المحكمة التي تحتاج كثيراً إلى التطوير وتجاوز أخطاء الماضي.
إن إنشاء قاعدة بيانات للأكاديميين السوريين في المهجر سيعزز علاقة الأكاديميين المغتربين بالوطن، كما سيوفر الفرصة لاستفادة أبناء الوطن من خبراتهم. وفي ذلك كله تمتد جسور التعاون ويتحقق تبادل الخبرات بين الباحثين السوريين. إنه مشروع بالغ الأهمية لا يحتاج إلى إمكانات مالية ضخمة؛ بل إلى إيمان بمدى أهمية البحث العلمي المشترك، ومركز إداري مناسب، وكادر يحسن تنفيذ المبادرة، بل تطويرها بمرور الزمن.
لا يكفي أن ندعو الأكاديميين والطلبة السوريين في المهاجر للعودة، ولا أن نحتفي، بين حينٍ وآخر، بالنجاحات التي يحققونها، بل يجب أن نقدر ظروفهم الخاصة، ونسعى إلى الاستفادة من خبراتهم بالوسائل المتاحة. هذه الخبرات ليست ثروة ضائعة، وإنما تحتاج إلى أيادٍ تمتد نحوها.
ما بدأت به جامعة حلب خطوة مباركة تستحق الدعم وكذلك تجاوب الزملاء الأكاديميين في المهاجر. وتستحق المبادرة النشر على نطاق واسع، وبشتى الوسائل المتاحة.