غالباً ما يُطرَح النقاش حول اللامركزية في سوريا باعتباره سؤالاً عن العلاقة بين دمشق والمناطق، أو عن مطالب دينية ومناطقية، أو عن مطالب جماعات قومية بما يُحيلُ المكون الكردي على وجه الخصوص. وهذا جانب حقيقي من المسألة، لكنه قد يحجب سؤالاً أعمق: هل توزيع السلطة مجرد قضية سياسية ودستورية، أم أنه أيضاً شرط لقدرة المجتمع على التعلُّم والتجريب والتجدُّد، ومن ثم على التنمية؟

التنمية لا تقوم فقط على الموارد أو على تطبيق سياسات نعرف مسبقاً أنها صحيحة، فالمجتمعات تعمل في عالم متغير، ولا أحد يعرف بصورة كاملة أي السياسات والمؤسسات ستكون أكثر نجاحاً. لذلك تحتاج المجتمعات إلى التجريب والتعلُّم من النجاح والفشل.

لكن التعلُّم وحده لا يكفي. فالمعرفة الجديدة لا تُغيِّرُ شيئاً ما لم تجد طريقاً إلى القرار والمبادرة والمؤسسة، أي ما لم تتحول إلى قدرة على الفعل. وبالمقابل، قد تتحول المؤسسات والقوى التي نشأت عن نجاحات سابقة، مع الزمن، إلى عائق أمام تعلُّم جديد يهدد قواعدها أو مصالحها.

من هنا تظهر معضلة أساسية في التنمية: كيف يستطيع المجتمع تحويل التعلُّم إلى قوة، مع إبقاء القوة نفسها قابلة للتعلُّم والتغيُّر؟

هنا تكتسب مسألة توزيع السلطة معنى تنموياً. فوجود مؤسسات ووحدات تتمتع باستقلال نسبي لا يُوزِّعُ السلطة فقط، بل يخلق مسارات متعددة للتجريب والتعلم، ومسارات مختلفة لتحويل ما يتم تَعلُّمه إلى فعل. وإذا أَغلقَ مركزٌ ما أحدَ هذه المسارات، تبقى مسارات أخرى ممكنة. تتقاطع هذه الفكرة مع أعمال إلينور أوستروم حول النُظُم مُتعدِّدة المراكز، ومع مفهوم قابلية التطور المؤسسي لدى ترنت ماكدونالد. لكن ما يهمني هنا هو خطوة إضافية: لا ينبغي أن تعتمد قدرة المجتمع على التجدُّد على قدرة المركز نفسه واستعداده للتعلُّم. فالتعلُّم لا يصبح قوة تغيير إلا إذا وُجِدَت قنوات مؤسسية تسمح له بالتحوُّل إلى فعل.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الفصل بين السلطات واللامركزية باعتبارهما آليتين متكاملتين: الأول يوزع السلطة أفقياً بين مؤسسات تستطيع الاعتراض والمراقبة والتصحيح، والثانية توزعها عمودياً ومكانياً بين وحدات تستطيع التجريب والتعلُّم.

المركزية المزدوجة في سوريا

يمكن من هذه الزاوية الحديث عن مركزية مزدوجة في سوريا: تركُّزٌ أفقي للسلطات في قمة الدولة، يترافق مع تَمركُز عمودي للقرار بين المركز والمناطق.

بالنسبة للمركزية الأولى الأفقية، ينصُّ الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 من حيث المبدأ على الفصل بين السلطات، لكن البناء المؤسسي الذي أنشأه يمنح رئاسة الجمهورية موقعاً شديد القوة. فالرئيسُ يعين الوزراء ويعفيهم، ولا يوجد في النظام الانتقالي منصب رئيس حكومة، كما لا يملك مجلس الشعب سلطة حجب الثقة عن الحكومة. ويمتد تأثير الرئاسة إلى تشكيل السلطة التشريعية، إذ يُعيّنُ الرئيس ثلث أعضاء مجلس الشعب، بينما يجري اختيار الثلثين الآخرين عبر هيئات ناخبة تشرف على تشكيلها لجنة عليا يشكلها الرئيس. وفي القضاء، ورغم النص على استقلاله، يسمي الرئيس أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة (وقد عينهم بالفعل).

المشكلة هنا ليست معيارية فقط، بل هي تنموية أيضاً. فالبرلمان والقضاء والسلطة التنفيذية وأجهزة الرقابة لا تمتلك المعلومات نفسها ولا الحوافز نفسها، ولا ترى المشكلات بالطريقة نفسها. وكلما ضعفت استقلالية هذه المؤسسات، زاد احتمال أن يتحول الخطأ في مركز القرار إلى خطأ في النظام كله.

أما المركزية الثانية فهي عمودية، وتتعلّقُ بعلاقة دمشق بالمناطق والمحليات. فسوريا بلد متنوع اقتصادياً واجتماعياً، ولا يستطيع مركز واحد امتلاك كل المعرفة اللازمة لإدارة هذا التنوع. لكن حتى الآن هناك إصرار واضح من الحكومة الانتقالية على المركزية، وعلى منح صلاحيات محدودة للمحافظات والوحدات المحلية.

وهنا فإن اللامركزية أكثر من مجرد نقل للصلاحيات. فإذا امتلكت الوحدات المحلية قَدراً حقيقياً من الاستقلال في القرار والموارد، تستطيع مناطق مختلفة تجربة حلول مختلفة. بعضها سينجح وبعضها سيفشل، لكن حتى الفشل المحلي يُنتِجُ معرفة، بدلاً من أن يَتحول خطأ واحد إلى سياسة مُطبَّقة على البلد كله. بهذا المعنى، اللامركزية لا تُوزِّعُ السلطة فقط؛ إنها تُوزِّع فُرَص التجريب والخطأ والتعلُّم.

لماذا تصبح المركزية المزدوجة مشكلة؟

تكمن المشكلة الأكبر في اجتماع الشكلين معاً. فالمركزية الأفقية تُقلِّل عدد المؤسسات القادرة على الاعتراض والتصحيح، بينما تُقلِّل المركزية العمودية عدد الوحدات القادرة على التجريب. وعندما تجتمعان، تضيق مسارات التعلم داخل الدولة وعبر المجتمع في الوقت نفسه.

قد تعرفُ بلديةٌ طريقةً أفضل لتقديم خدمة، أو تطور منطقة نموذجاً أكثر نجاحاً لإدارة مورد أو قطاع معين. لكن المعرفة وحدها لا تكفي. فهي تحتاج إلى صلاحيات وموارد ومساحة مؤسسية تسمح بتجريبها، ثم إلى قنوات تسمح لها، إذا نجحت، بالانتقال إلى أماكن أخرى. المركزية، بهذا المعنى، لا تُقلِّل المعرفة الموجودة في المجتمع فقط؛ لكنها تستطيع منع هذه المعرفة من التحوُّل إلى قوة تغيير.

ولهذا يحمل توزيع السلطة أثراً اقتصادياً وسياسياً في الوقت نفسه. اقتصادياً، يُوسِّع مساحة التجريب ويخفّضُ تكلفة الخطأ. وسياسياً، يخفّضُ قيمةَ الاستحواذ على المركز. ففي النظام شديد المركزية مثل النظام السوري، تعني السيطرةُ على دمشق السيطرةَ على جزء كبير من الموارد والتعيينات والقرارات والفرص، ولذلك يصبح الصراع على المركز أقرب إلى لعبة صفرية: من يخسر المركز يخسر كل شيء تقريباً. أما توزيع السلطة فيترك مساحات أخرى للمشاركة والتأثير حتى لمن لا يسيطر على السلطة الوطنية، وهذا مهم بصورة خاصة في مجتمع خرج من حرب طويلة ويحمل تنوعاً قومياً ودينياً ومناطقياً وسياسياً كبيراً. فتوزيع السلطة يتيح للاختلاف أن يجد تعبيراً مؤسسياً داخل الدولة، بدلاً من أن يتحول كل اختلاف إلى صراع على الدولة نفسها.

اللامركزية ليست كافية

لكن اللامركزية ليست حلاً بذاتها. فمن الممكن نقلُ السلطة من دمشق إلى المحافظات من دون تغيير منطق ممارستها، فنستبدلُ مركزية وطنية واحدة بعدد من المركزيات المحلية. وقد تستولي شبكات عائلية أو حزبية أو اقتصادية على المؤسسات المحلية وتغلقها أمام المنافسة والتعلُّم. لهذا تبدو فكرة الاستقلال النسبي أكثر دقة من مجرد اللامركزية. المطلوب استقلالٌ كافٍ يسمح بالتجريب، واتصالٌ كافٍ يسمح بالتعلُّم. ينبغي أن تستطيع الوحدات المحلية تجربة حلول مختلفة، لكن يجب أن تكون نتائج هذه التجارب مرئية وقابلة للمقارنة والانتقال، وأن يستطيع المواطن الاعتراض والمساءلة، وأن تبقى مؤسسات وطنية مستقلة تحمي الحقوق المشتركة وتمنع السلطات المحلية نفسها من التحوُّل إلى احتكارات.

لذلك ليست المسألة اختياراً بين دولة ضعيفة ومناطق قوية أو دولة قوية ومناطق ضعيفة. المطلوب مركز قوي في وظائفه الوطنية، ومؤسسات مستقلة أفقياً، ووحدات محلية قوية في وظائفها، وقنوات مفتوحة للتنسيق والتعلُّم بينها. وهنا نعود إلى السؤال الأساسي. سوريا تحتاج بالتأكيد إلى إعادة بناء الدولة بعد عقود من السلطوية وحرب مدمرة، لكن إعادة بناء الدولة لا ينبغي أن تعني إعادة بناء المركزية. الفصل بين السلطات واللامركزية، بهذا المعنى، ليسا ترفاً سياسياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق الاستقرار والتنمية. إنهما جزءٌ من البنية المؤسسية التي تسمح أصلاً بإنتاج استقرار وتنمية قابلَين للاستمرار.

الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تتخذ أكبر عدد من القرارات من مركز واحد. قد تكون الدولة الأقوى هي التي تستطيع أن تتعلَّمَ من مجتمعها، وأن تتيح لما يتعلَّمهُ المجتمع أن يَتحوَّلَ إلى قوة تغيير.