أبناء من الجالية اليهودية خلال زيارة إلى كنيس “الفرنج” في حارة اليهود بدمشق ـ 24 حزيران 2026 (جوزيف جاجاتي)
عنب بلدي – آلاء شعبو
في دمشق القديمة، يقع حي الأمين، المعروف تاريخيًا بحارة اليهود، بين أزقة ضيقة وأبواب تخفي خلفها بيوتًا دمشقية.
من الزقاق يدخل المرء إلى البيت عبر باب كبير، قد تتوسطه “خوخة” صغيرة لا يتسع مدخلها إلا لشخص واحد. خلف الباب يمتد الدهليز، قبل أن ينفتح البيت على أرض الدار، الساحة الداخلية التي تتوزع حولها الغرف والإيوان والقاعات.
بين هذه البيوت يبرز بيت الدحداح، المعروف بقصر جورج دحداح، وبيت ليزبونة، وهما من البيوت التي يذكرها الباحث في التاريخ والتراث الدمشقي الدكتور جوزيف زيتون ضمن أشهر البيوت الدمشقية.
وفي هذه البيوت والأزقة تشكّل جانب من حياة اليهود الدمشقيين، الذين تركوا وراءهم حكايات ومهنًا وكنسًا ارتبطت بالمكان. ومع مغادرة معظم أبناء الطائفة، بقيت أجزاء من تلك الحياة حاضرة في أبنية الحي وكنسه، وفي ذاكرة من عاشوا فيه.
كنس بقيت في المكان
كما ارتبطت البيوت بالحياة اليومية للعائلات، ارتبطت الكنس بالحياة الدينية لليهود الدمشقيين. ويعد كنيس الفرنج من أبرزها، وهو الكنيس الذي شهد في السنوات الأخيرة عودة بعض أبناء الجالية للصلاة فيه، بعد سنوات طويلة من غياب الصلاة الجماعية.
وإلى جانب كنيس الفرنج، بقيت أبنية كنس أخرى في الحي، بينها كنيس المنشارة وكنيس الراكي، وإن لم تعد الحياة الدينية فيها كما كانت سابقًا.
ومن بين المقتنيات المرتبطة بتلك الحياة كرسي إيليا الاحتفالي، وهو قطعة صنعت في دمشق نحو عام 1946 على يد حرفيين يهود، وارتبطت بطقوس دينية لدى أبناء الطائفة.
ظهر الكرسي لاحقًا في سوق للتحف، بعدما كان قد اختفى من أحد كنس الحي، قبل أن تبدأ عملية البحث عنه واستعادته.
ويروي جوزيف جاجاتي، مؤسس مؤسسة “سوريان موزاييك” وذو أصول يهودية دمشقية، أن أحد أبناء الحارة ساعد في الوصول إلى الكرسي والتواصل مع من كان بحوزته، حتى عاد إلى الكنيس.
أطباء حملوا أسماءهم إلى أحياء دمشق
لم تكن حياة اليهود الدمشقيين محصورة داخل الحارة، فكان بعضهم يمارس مهنه في أحياء أخرى من دمشق، ويعرفه سكان المدينة خارج حدود الحي.
وينقل الباحث في التاريخ والتراث الدمشقي جوزيف زيتون في كتاباته قصص أطباء يهود عُرفوا في دمشق، بينهم الطبيب جميل ربيع، الذي مارس الطب في خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات، والطبيب طوطح، الذي اشتهر بممارسة الطب الشعبي.
ويذكر زيتون أن ربيع كان يستقبل مرضاه بأجرة رمزية، بينما كان طوطح يعاين المرضى بما يستطيعون دفعه، ويخصص يومًا في الأسبوع للمعاينة مجانًا. كما يروي أن جنازته شهدت مشاركة نحو أربعة آلاف شخص، كان معظمهم من المسلمين.
وتظهر في شهادات الدمشقيين أيضًا أسماء أخرى لأطباء يهود، بينها حاصباني. وذكر أحد المعلقين على منشور زيتون أن أجرة المعاينة لديه كانت ليرتين سوريتين، وأنه كان يزور المرضى في منازلهم.
حرف تركت أثرًا
إلى جانب الطب، توزعت أعمال اليهود الدمشقيين بين الصياغة وتجارة الذهب والألبسة والمجوهرات والصيدلة وغيرها من المهن، وكان لبعض هذه الحرف حضور داخل الحي نفسه.
ومن بين الحرف التي ارتبطت بالعائلات اليهودية الدمشقي ة نقش الخشب، وهي حرفة يذكر الدكتور جوزيف زيتون أن نساء يهوديات مارسنها، إلى جانب أعمال أخرى مرتبطة بصناعة الأثاث والزخرفة.
ويروي زيتون، في سيرة والده الحرفي جورج فارس زيتون، أن مجلسًا يهوديًا قصده لترميم قطعة خشبية مزخرفة بالصدف في أحد كنس حارة اليهود، بعدما أصابها السوس ولم يعد بين أبناء الطائفة من يتولى ترميمها. وكان والده لا يمارس هذا النوع من العمل تحديدًا، لكنه قبل المهمة اعتمادًا على خبرته في حفر الخشب ونقشه.
حين فرغت الحارة
مع بداية التسعينيات، بدأت الحارة تفقد سكانها اليهود تباعًا، حتى غادر معظم أبناء الطائفة سوريا. وبينما بقيت البيوت والكنس في أماكنها، تغيرت الحياة التي كانت تدور حولها.
ويستعيد جد جوزيف جاجاتي تلك المرحلة في تسجيل نشره حفيده، قائلًا إن عائلته كانت من آخر من غادروا الحارة، وإنهم اضطروا إلى الخروج بعدما “فضيت الحارة” ولم يعد فيها أحد تقريبًا.
ويربط خروجه أيضًا بتغير الحياة الدينية في الحي، قائلًا: “عنا شغلات (لدينا أشياء) خاصة بديننا. اضطرينا نطلع”.
ويقول عن دمشق: “كل شي بتعنيلي الشام”، مضيفًا أنه بعد وصوله إلى الولايات المتحدة بفترة قصيرة قال لوالده: “أنا راجع للشام، أنا هون البلد مو إلي”.
يعود بعض الأبناء
لم تنقطع صلة أبناء الجالية بالحارة بعد مغادرتها، ففي السنوات الأخيرة، عاد بعضهم إلى دمشق في زيارات ارتبطت بالصلاة واستعادة الصلة بالأماكن التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم.
في شباط 2025، عاد يوسف حمرا وابنه هنري، المقيمان في الولايات المتحدة، إلى دمشق وصليا في كنيس الفرنج، في واحدة من الصلوات الجماعية التي شهدها الكنيس بعد سنوات من الغياب.
وفي زيارات لاحقة، وصل أبناء آخرون من الجالية إلى دمشق، بينما اتجه جزء من الاهتمام إلى توثيق ما تبقى من آثار وجودهم في الحي واستعادة بعض المقتنيات المرتبطة به.
ما تبقى من المكان
من بين هذه الجهود، يعمل جوزيف جاجاتي، مؤسس مؤسسة “سوريان موزاييك”، على توثيق جوانب من التراث اليهودي السوري واستعادة بعض المقتنيات التي خرجت من أماكنها الأصلية، بينها كرسي إيليا الذي عاد إلى كنيس الفرنج.
أما في الحارة، فما زالت الأزقة الضيقة والبيوت والكنس تحمل تفاصيل من الحياة التي عاشتها العائلات اليهودية الدمشقية. تغير سكان المكان ووظائف بعض أبنيته، لكن أسماء البيوت وملامحها وما بقي من مقتنياتها ما زال يربط الحي بحياة كانت قائمة فيه قبل أن يغادر معظم أهلها.