كان عام 1956 حافلًا بالأحداث الكبرى: في شباط/ فبراير ألقى خروتشوف خطابه الشهير في تصفية الحساب مع الستالينية، وفي نيسان/ أبريل تزوجت غريس كيلي من الأمير رينييه الثالث في موناكو، وفي تموز/ يوليو أدّى أول جنود في الجيش الألماني الجديد “البوندسفير” اليمين، وفي الخلفية كانت أزمة السويس تتفاعل. لكن الحدث الأكثر خطورة على مسار الديمقراطية الألمانية جاء في آب/ أغسطس، حين كانت ألمانيا الغربية في عز عطلتها الصيفية: عملية عُرفت باسم “أكسيون هولتسورم”.
فمنذ صباح 17 آب/ أغسطس 1956، داهمت الشرطة والنيابات العامة في أنحاء البلاد 3035 مكتبًا ومنزلًا، وأغلقت 215 مقرًا حزبيًا و35 دار طباعة وتحرير ونشر تابعة للحزب الشيوعي الألماني، وصادرت الوثائق بالصناديق والحسابات المصرفية والأموال النقدية، واعتُقل 33 من قيادات الحزب. استندت هذه الحملة السياسية غير المسبوقة في تاريخ الجمهورية الفتية إلى حكم أصدرته الدائرة الأولى في المحكمة الدستورية الاتحادية في اليوم نفسه، يقضي بحظر الحزب الشيوعي الألماني باعتباره حزبًا معاديًا للدستور.
بهذا القرار، غدت ألمانيا الغربية الديمقراطية الغربية الوحيدة التي حظرت حزبًا شيوعيًا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ لم يكن الشيوعيون خارج القانون في تلك الفترة سوى في إسبانيا الفرانكاوية الفاشية والبرتغال تحت حكم سالازار الكليروفاشي. وهكذا صار في ألمانيا الغربية أيضًا معتقلون سياسيون، لا في سجون ألمانيا الشرقية وحدها، بل في السجون الألمانية الغربية أيضًا، وكان بينهم شيوعيون سبق أن زجّ بهم النازيون أنفسهم في معسكرات الاعتقال. في السنوات التالية، فتحت النيابات العامة 125 ألف تحقيق، وأُدين 3700 شخص، معظمهم من أعضاء الحزب، بتهم الخيانة العظمى وتهديد أمن الدولة، وحُكم على كثيرين منهم بالسجن سنوات طويلة.
| حفل تأبين لعضو FDJ مولر، الذي قُتل بالرصاص، 1952، في مظاهرة ضد إعادة التسلح |
والمفارقة أن هذا الحزب لم يكن يشكّل أي خطر حقيقي على الجمهورية وقت حظره؛ فقد كان قد تراجع إلى الهامش تمامًا. ففي انتخابات 1953 لم يحصل سوى على 2.2 بالمائة من الأصوات، أي أقل بكثير من عتبة الخمسة بالمائة المستحدثة آنذاك، فخرج من البرلمان، كما تراجع نفوذه في مجالس العمال إلا في بعض مصانع الصلب وأحواض بناء السفن. وهذا يتناقض جذريًا مع وضعه في السنوات الأولى بعد الحرب، حين كان له وزراء شيوعيون في حكومات ولايات شمال الراين- وستفاليا وساكسونيا السفلى وفورتمبيرغ-بادن، وكان يُنظر إليه، حتى من الاشتراكيين الديمقراطيين والمسيحيين الديمقراطيين، جزءًا من ألمانيا الجديدة المعادية للفاشية. ففي أول انتخابات برلمانية بعد الحرب عام 1949 حصل على 5.7 بالمائة من الأصوات، وكان له أكثر من 300 ألف عضو في مناطق الاحتلال الغربية الثلاث، تراجعوا بحلول 1956 إلى أقل من 80 ألف عضو، بينما كان معظم قادة الحزب يقيمون فعليًا في ألمانيا الشرقية أكثر من إقامتهم في دوائرهم الانتخابية، وعلى رأسهم الأمين العام ماكس رايمان الذي انتقل نهائيًا إلى برلين الشرقية.
لم يكن هذا التراجع نتيجة أزمة داخلية فحسب، بل نتاج سياسة قمعية بدأت قبل الحظر نفسه بسنوات. ففي 1950 مُنع الشيوعيون بمرسوم حكومي من العمل في الوظائف العامة، وفي العام التالي حُظرت منظمة “الشبيبة الألمانية الحرة” القريبة من الحزب. وفي 11 أيار/ مايو 1952، سقط الشاب الشيوعي فيليب مولر، 21 عامًا، قتيلًا برصاص الشرطة أمام قاعة “غروغاهاله” في مدينة إيسن، خلال تظاهرة ضد إعادة التسلح كانت قد حُظرت قبل انطلاقها بوقت قصير، وأُصيب متظاهران آخران، فيما برّأت محكمة دورتمونت رجال الشرطة بدعوى “الدفاع عن النفس” رغم غياب أي دليل على أن المتظاهرين كانوا مسلّحين أو أطلقوا النار.
كانت خطط المستشار أديناور لإعادة التسلح وتأسيس جيش ألماني غربي مستقل مثار انقسام عميق في المجتمع، وامتدت المعارضة لتشمل أوساطًا واسعة من التيار المسيحي المحافظ، إذ كانت ذاكرة الحرب لا تزال حاضرة بقوة، وكانت آثار الدمار لا تزال ماثلة في أغلب المدن الكبرى، وسط مخاوف من أن تتحوّل الحرب الكورية، أول مواجهة مباشرة بين المعسكرين في الحرب الباردة، إلى حرب عالمية ثالثة. أحسن الشيوعيون استثمار هذا المزاج الرافض، فتصدّر الحزب ومنظمات قريبة منه، مثل “الرابطة النسائية الألمانية” و”لجان الوحدة والسلام”، حركة السلام الناشئة، بدعم فعلي من ألمانيا الشرقية.
| رئيس الحزب الشيوعي الألماني السابق، ريمان، بعد عودته من ألمانيا الشرقية عام 1968 |
من هنا نشأت شكوك مبكرة في أن الهدف الحقيقي من حملة أديناور ضد الشيوعيين لم يكن الحزب المتهالك وحده، بل أيضًا كل القوى المعارضة التي رفضت الجيش الألماني الجديد ورفضت الرأسمالية التي صار اسمها “اقتصاد السوق الاجتماعي” كركيزتين للجمهورية الوليدة، وهو ما كان يشمل في مطلع الخمسينيات عددًا كبيرًا من الاشتراكيين الديمقراطيين أنفسهم، خصوصًا العائدين من المنفى ومن صفوف المقاومة المعادية للفاشية. وقد كتب عالم القانون الدستوري والاشتراكي الديمقراطي وولفغانغ أبيندروت، الفار من صفوف “الفيرماخت” والمقاتل في صفوف الأنصار، بعد أسابيع قليلة من صدور الحكم، في عدد أيلول/ سبتمبر من مجلة “زياليستيشه بوليتيك”، أن الحكم “خطير للغاية من الناحية السياسية”، محذرًا مما وصفه بـ”نزعات الدولة السلطوية”، ومتهمًا قضاة المحكمة الدستورية بإزاحة الموازين لغير صالح المكونات الديمقراطية في الدستور الألماني الغربي.
أما الرجل الذي أشرف على صياغة طلب الحظر فكان هانس ريتر فون ليكس، وكيل وزارة الداخلية في بون، وهو معادٍ للشيوعية عن قناعة راسخة أثبتها عمليًا أكثر من مرة: فقد شارك شابًا عام 1919 في سحق جمهورية السوفياتات في ميونيخ بالقوة المسلحة، وصوّت عام 1933 بصفته نائبًا عن حزب الشعب البافاري لصالح “قانون التمكين” الذي منح هتلر سلطات مطلقة، وأقرّ بملاحقة النازيين الوحشية للشيوعيين. وفي منصبه الجديد صاغ عام 1951 طلب حظر الحزب الشيوعي، مستندًا في جملة ما استند إليه إلى “الدعوة النشطة لمقاومة إعادة التسلح”.
| رجال الشرطة يغلقون مدخل صحيفة “هامبورغر فولكس تسايتونغ”، 17 أغسطس/ آب 1956 |
في البداية، تعاملت المحكمة الدستورية في كارلسروه مع طلب بون بحذر شديد، وأجّلت البتّ فيه سنوات، ولم يصدر الحكم إلا بعد خمس سنوات كاملة، وجاء موافقًا تمامًا لما كانت تريده الحكومة. وتكشف وثائق قضائية وحكومية حللها على مدى سنوات المؤرخ الفرايبورغي يوزف فوشيبوت، ونشرها عام 2017، عن أن الحكومة الاتحادية مارست ضغوطًا كبيرة على القضاة، وحاول مسؤولون حكوميون التأثير عليهم مرارًا، بل ضغطت حكومة أديناور اعتبارًا من 1954 من أجل حسم سريع للقضية، حتى إنها فكرت في نقل الملف إلى الدائرة الثانية للمحكمة، التي كانت تُعتبر أكثر مرونة.
ولافت أيضًا منطق الحكم ذاته وتعريفه لمعاداة الدستور؛ ففي الفقرتين الثامنة والتاسعة خصوصًا، بدا القضاة وكأنهم يفكرون بمنطق الحكومة نفسها، إذ اعتبروا أن الحزب الشيوعي معادٍ للدستور لسعيه إلى “صورة أخرى اجتماعية وسياسية من الديمقراطية الحرة” بوصفها “مرحلة انتقالية” لإلغائها كليًا، ورأوا أن هذا السعي لا يشترط أن يكون فعليًا وملموسًا، بل يكفي أن يكون الحزب “يريد تحقيقه إذا سنحت الظروف المواتية”.
وجاءت أولى القضايا الكبرى بعد الحظر لتستهدف، لا شيوعيًا، بل الاشتراكي الديمقراطي اليساري والنقابي فيكتور أغارتس، الذي اتهمته النيابة العامة الاتحادية بأنه عميل مدفوع الأجر لحزب الوحدة الاشتراكية الحاكم في ألمانيا الشرقية، بهدف تأمين نفوذ للحزب الشيوعي داخل النقابات رغم حظره. واعتُقل أغارتس في آذار/ مارس 1957 بتهمتي الخيانة العظمى وتهديد أمن الدولة، رغم أن أدلة الاتهام كانت واهية منذ البداية. وكان أغارتس قد اعترف خلال التحقيق بتلقيه أموالًا من برلين الشرقية، لكن فقط لتمويل مجلته “فيزو”، بمجموع 130 ألف مارك، نافيًا أن يكون عميلًا لألمانيا الشرقية. واضطرت النيابة العامة إلى سحب أهم بنود الاتهام أثناء التحقيق، لكن المحاكمة افتُتحت رغم ذلك في المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1957.
| احتلال مقر الحزب الشيوعي الألماني في دوسلدورف صباح يوم 17 أغسطس/ آب 1956 |
تمكّن محاموه، غوستاف هاينمان الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للجمهورية الاتحادية، وديتر بوسر الذي شغل لاحقًا منصبي وزير العدل والمالية في ولاية شمال الراين- وستفاليا التي حكمها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من دحض الاتهامات كليًا، فبرّأت المحكمة أغارتس في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1957 لعدم كفاية الأدلة، مؤكدة في حيثيات حكمها أن أحدًا لا يجوز منعه من التعبير عن آراء سياسية معينة لمجرد أن قوى سياسية أخرى تسعى إلى إلغاء النظام الحر في البلاد تتبنى الآراء ذاتها. لكن الثمن كان باهظًا: فقد وصفته صحيفة “دي فيلت” المحافظة بأنه غادر كارلسروه “رجلًا حرًا، لكن ميتًا سياسيًا”، وطُرد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1958، ثم تخلّت عنه النقابة أيضًا، إذ التصقت به تهمة كونه “شيوعيًا مغموسًا في الصوف” ولم يتخلص منها أبدًا.
وبحلول ذلك الوقت، كان الحزب الشيوعي قد اختفى عمليًا من الحياة السياسية الألمانية الغربية، ورغم أن رفاقه واصلوا التظاهر بوجود خلايا مقاومة نشطة، فإن الحزب لم يعد قائمًا فعليًا إلا في المنفى وراء الحدود، إذ أُبعد قادته إلى أروقة جانبية معزولة في مقر حزب الوحدة الاشتراكية في برلين الشرقية، وصارت مؤتمراته تُعقد على الأراضي الألمانية الشرقية. ولم يتغيّر هذا الوضع إلا عام 1968، حين بُعث الحزب من جديد باسم “الحزب الشيوعي الألماني” الجديد (DKP)، وهو حزب كان بلا وزن سياسي منذ نشأته، لكنه بات ضرورة لا غنى عنها بالنسبة إلى “السياسة الشرقية” الجديدة التي تبناها الحزب الاشتراكي الديمقراطي؛ إذ اتضح منذ المحادثات السرية الأولى مع الحزب الشيوعي الإيطالي عام 1967، التي كانت تهدف إلى بناء جسر اشتراكي ديمقراطي نحو موسكو، أن إعادة شرعنة حزب شيوعي في ألمانيا الغربية ستكون مفيدة لتقارب البلاد مع دول حلف وارسو، وهو ما أدركته القيادة الاشتراكية الديمقراطية بسرعة.