ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
قد يكون الرئيس أحمد الشرع هو السوري الوحيد الذي يتحدث عن لبنان بصيغة التأنيث، التي يستخدمها معظم الاشقاء المصريين وبعض الاشقاء الخليجيين والمغاربة، إما تحبباً أو استخفافاً، او نتيجة جهل بالتاريخ القديم والحديث، ولغاته الحية كلها، وكتبه الدينية والسياسية التي لطالما رفعت جبال لبنان الى مرتبة ذكورة لا تحتمل الشك.
لكن لبنان المؤنث لم يكن يثير حفيظة أي من اللبنانيين لميلهم الى الاعتقاد ان فتياته ونساءه، وهنّ مصدر فخر واعتزاز لبناني خاص لا جدال فيه، لا يتقدمن على رجاله في قلوب الاشقاء العرب، إلا عندما يستدعي الامر الترويج السياحي، للبنان، بلد السياحة والضيافة والخدمات، على ما جاء في تصريح سابق للرئيس الشرع نفسه رأى فيه ان الشقيق اللبناني يحتاج الى عناية خاصة مردها الى طبيعته ووظيفته هذه.
وعلى هذا التوصيف الواقعي للبنان، الانثى، بُنيت ولا تزال تُبنى سياسات عربية كاملة فحواها ان تلك الجمهورية الصغيرة المقيمة على شاطئ المتوسط، والتي تتمتع بأصول وجذور مسيحية خاصة، كانت تعطي القومية العربية ميزتها الخاصة وتزود خطابها السياسي بمعنى استثنائي يدفع عنها العمق الإسلامي الذي تجاوزه رواد العروبة الأوائل (المسيحيون في غالبيتهم).. وهو أمر يتماهى أيضا مع فكرة لبنان، الأولى، كبلد للسياحة والثقافة والفن، قبل ان يصبح مسخرة الامة العربية وعارها الذي لا يمحى، نتيجة ما مرّ به من حروب وأزمات ليس لها حلول، ولا تغوي أي وسيط عربي مصرياً كان أم خليجياً صار.. أم سورياً عاد مجدداً.
كلام الرئيس الشرع بالأمس لمحطة “الجزيرة”، لا يوحي إلا بالأمل الدفين بتلك العودة السورية المفترضة الى لبنان. وهو الذي قال يوما أنه أحجم عن الاستجابة لطلب ارسال قواته الى لبنان لدى تقدمها نحو دمشق، في شتاء العام 2024، والذي لم ينكر ولم ينف يوماً تحمسه لاقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الموجه في حينه الى صديقه اللدود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التدخل العسكري في لبنان لتجريد حزب الله من سلاحه.. بل أضاف عليه، وللمرة الثانية، أمس، حجته الخاصة التي لم يذكرها أحد من الاميركيين والإسرائيليين والعرب، وهي أن حزب الله ينتشر على طول الحدود اللبنانية السورية، وهو ما يستدعي حلاً من وجهة النظر السورية!
حديث الشرع مع “الجزيرة” كان أخف وطأة من حديث تلفزيوني سابق طرح عليه محاوره اللبناني السؤال عما اذا يمكنه دعوة الفرقاء اللبنانيين الى التحاور والتفاهم في ما بينهم في دمشق، على جري عادة العاصمة السورية في الزمن الاسدي الأغبر، فكان جوابه مجاملاً، لم يعكره سوى الاستعداد لمحاورة حزب الله بالذات، إذا كان في ذلك مصلحة مشتركة للبلدين..مع علمه بان الحزب هو خارج المصالح اللبنانية ونقيضها التام، وفي طريقه الى النبذ والاقصاء من الحياة السياسية اللبنانية، مثله مثل الكثير من الأحزاب اللبنانية التي حملت لبنان ما يفوق طاقته، وطواها النسيان.
لم تكن تلك المجاملة السورية، متعارضة مع فكرة تنظيم العلاقات اللبنانية السورية بين دولة ودولة، ومتناقضة مع عروض المساعدة التي قدمها الشرع للدولة اللبنانية المريضة فعلا، ولكن ليس الى الحد الذي تتوسل فيه عوناً من شقيقتها السورية التي لا تزال في طور التشكيل بعد خمسة عقود من الخراب الاسدي. والمعيار هنا للمقارنة بين الدولتين، ليس الاقتصاد او العملة او التجارة او الاستثمار، بل أيضا سياسي واجتماعي وطائفي ومذهبي، حيث لا تمثل تعثرات العملية الانتقالية السورية مصادر تأهيل للحكم الجديد في دمشق، للتدخل، ولو بأوراق رسمية سورية تقدم الى السلطة اللبنانية، تشمل هذه المرة، حسب تعبير الشرع، أيضاً المساعدة في تنفيذ اتفاق الطائف، وهي فكرة لم تجروء على طرحها دول عربية غربية مهتمة بلبنان، لأنها بمثابة تدخل شديد الفظاظة في الشأن الداخلي اللبناني.
لبنان المؤنث كان ولا يزال، حتى في أكثر لحظاته ضعفاً، قادراً على الدفاع عن هويته “الجندرية” والوطنية، التي لا تزال صامدة برغم الصعاب، وبينها تلك الآتية من حدوده الشرقية.
بيروت في 28 / 7 / 2026