في عالم يتغيّر بسرعة، لم تعُد خطوط الأنابيب وسائل لنقل النفط وحسب، بل أصبحت أدوات لإعادة رسم النفوذ الاقتصاديّ والجيوسياسيّ. فالحروب، والتوتّرات في مضيق هرمز، والاضطرابات التي شهدتها طرق الملاحة في البحر الأحمر، دفعت الدول المنتجة للطاقة إلى إعادة التفكير في مسارات التصدير التقليديّة. وفي هذا السياق، يبرز مشروع البصرة ـ كركوك – بانياس – طرابلس بوصفه أحد أكثر المشاريع الإقليميّة قدرة على تغيير المشهد الاقتصاديّ في المشرق العربيّ، إذا ما جرى التعامل معه كرؤية تنمويّة متكاملة لا مشروع بنية تحتيّة وحسب.
تشير التقديرات إلى أنّ المشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنّه خطّ لنقل النفط الخام فحسب، بل باعتباره ممرّاً اقتصاديّاً إقليميّاً يربط بين الإنتاج العراقيّ، التكرير السوريّ، والخدمات اللوجستيّة اللبنانيّة ضمن سلسلة تمتدّ من الاستخراج إلى الأسواق العالميّة. فكلّ برميل نفط يمكن أن يمرّ بعدّة مراحل تضيف إليه قيمة اقتصاديّة، بدلاً من الاكتفاء بعائدات محدودة من رسوم العبور.
تكتسب هذه الرؤية أهمّيّة مضاعفة في ضوء الخطط العراقيّة الرامية إلى زيادة إنتاج النفط وتوسيع منافذ التصدير البرّيّة. تؤكّد المعطيات أنّ العراق يدرس إمكان تصدير ما يصل إلى مليونَي برميل يوميّاً عبر الممرّ الغربيّ نحو البحر المتوسّط. وإذا تحقّق هذا السيناريو، فستكون المنطقة أمام فرصة نادرة لإحياء أحد أهمّ محاور الطاقة التاريخيّة في الشرق الأوسط، لكن بصيغة اقتصاديّة حديثة تتجاوز إعادة تشغيل خطّ قديم.
الجدوى الاقتصاديّة
تظهر النماذج الماليّة التي أُعدّت للمشروع والتي اعتمدت ثلاثة سيناريوات تشغيليّة، بطاقة 1.5 مليون و2.5 مليون برميل يوميّاً، أنّ سيناريو مليون برميل يوميّاً. يمثّل نقطة التوازن المثلى بين حجم الاستثمار والعائد الاقتصاديّ والمخاطر التشغيليّة.
يحتاج المشروع في هذا السيناريو إلى استثمارات تقدّر بنحو 7.4 مليارات دولار، مع إيرادات تشغيليّة سنويّة تقارب 1.08 مليار دولار، ومعدّل عائد داخليّ (IRR) يقارب 14%، وفترة استرداد تقدّر بنحو عشر سنوات. وتؤكّد هذه المؤشّرات الجدوى الاقتصاديّة للمشروع وقدرته على استقطاب المستثمرين الدوليّين، وصناديق الاستثمار السياديّة ومؤسّسات التمويل التنمويّ.
غير أنّ القيمة الحقيقيّة للمشروع لا تكمن في هذه الأرقام وحدها، بل في كيفيّة توزيع الوظائف الاقتصاديّة بين مكوّناته، وهنا تحديداً تظهر أهميّة كلّ من بانياس وطرابلس.
تمتلك بانياس في سوريا ميزة نسبيّة يصعب تجاهلها، إذ تمثّل الموقع الأنسب لعمليّات التكرير. فوجود المصفاة، حتّى وإن احتاجت إلى تحديث واستثمارات جديدة، يمنحها أفضليّة واضحة لتحويل النفط الخام إلى مشتقّات نفطيّة، وهو ما يرفع القيمة المضافة للبرميل ويخلق فرصاً لتطوير الصناعات البتروكيمياويّة، إضافة إلى تلبية جزء من احتياجات السوق السوريّة من المشتقّات النفطيّة. ولذلك ليست بانياس محطّة عبور وحسب، بل يمكن أن تتحوّل إلى مركز صناعيّ يضيف قيمة حقيقيّة إلى سلسلة الإنتاج.
أمّا طرابلس في لبنان فتتمتّع بميزة مختلفة تماماً. إذ لا تنافس بانياس في مجال التكرير، بل تتفوّق عليها في الخدمات اللوجستيّة والتخزين وإعادة التصدير. فمرفأ طرابلس يمتاز بعمق طبيعيّ يسمح باستقبال ناقلات أكبر، وتضمّ منشآت النفط القائمة هناك خزّانات واسعة يمكن تحديثها بكلفة أقلّ من إنشاء بنية تحتيّة جديدة. ويضاف إلى ذلك وجود المنطقة الاقتصاديّة الخاصة، التي توفّر بيئة مناسبة لتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بالطاقة، من تمويل وتأمين وخدمات بحريّة وصيانة وإعادة تصدير.
التّكامل بين بانياس وطرابلس
إنّ المقارنة بين بانياس وطرابلس بوصفهما مشروعين متنافسين تبدو غير دقيقة لأنّ التكامل بين المدينتين يحقّق عائداً اقتصاديّاً أكبر بكثير من المنافسة. فبانياس تتولّى وظيفة التكرير والصناعات التحويليّة، بينما تتحوّل طرابلس إلى منصّة للتخزين وإعادة الشحن والخدمات اللوجستيّة. ويؤدّي هذا التوزيع للأدوار إلى رفع القيمة الاقتصاديّة للمشروع، والحدّ من ازدواجيّة الاستثمارات، وبناء شبكة مصالح اقتصاديّة مشتركة بين العراق، سوريا ولبنان.
لإنجاح هذا النموذج، لا يكفي إصلاح خطوط الأنابيب أو تحديث المنشآت، بل يحتاج إلى إطار مؤسّسيّ مستقلّ يضمن استمراريّته ويعزله عن التقلّبات السياسيّة. وانطلاقاً من ذلك، يبرز مقترح إنشاء الهيئة الإقليميّة لممرّ الطاقة المشرقيّ (Levant Energy Corridor Authority – LECA)، لتتولّى إدارة المشروع بصورة مستقلّة، وتشرف على التشغيل والتعرفة والصيانة والرقابة والحوكمة الرقميّة، بما يضمن استقرار المشروع واستدامته على المدى الطويل.
مفتاح نجاح الممرّ
توصي التقديرات باعتماد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكيّة (BOT)، بما يتيح استقطاب القطاع الخاصّ والمؤسّسات الماليّة الدوليّة، وتقاسم المخاطر بين المستثمرين والدول، والتخفيف من الأعباء التمويليّة التي تتحمّلها الموازنات العامّة.
لم تتحوّل الموانئ الكبرى إلى مراكز تجاريّة عالميّة باستقبالها السفن، بل لأنّها نجحت في استقطاب الصناعات والخدمات والاستثمارات، وتحوّلت إلى مراكز متكاملة لإنتاج القيمة المضافة. والأمر ذاته ينطبق على ممرّات الطاقة. فنجاح مشروع البصرة – كركوك – بانياس – طرابلس لن يُقاس بعدد البراميل التي تعبره، بل بحجم النشاط الاقتصاديّ الذي يمكن أن يتولّد حوله، وما يتيحه من فرص للاستثمار والتصنيع والخدمات اللوجستيّة.
لن يكون هذا الممرّ مشروعاً لنقل النفط وحسب، بل سيغدو أحد أهمّ المشاريع الاستراتيجيّة لإعادة تشكيل اقتصاد المشرق العربيّ في القرن الحادي والعشرين، مع تحوُّل الطاقة من أداة للصراع إلى رافعة للتنمية، ومن مورد طبيعيّ إلى محرّك للتكامل الاقتصاديّ والاستقرار والازدهار المشترك، مع العلم أنّ الخطّ ليس مشروعاً جديداً بل خطّ تاريخيّ فعليّ: بدأ العمل به عام 1952، وتوقّف عام 1982 بسبب خلاف بغداد-دمشق إبّان الحرب العراقيّة-الإيرانيّة، وأُعيد تشغيله جزئيّاً عام 2000، ثمّ تضرّر وخرج نهائيّاً من الخدمة إثر الغزو الأميركيّ للعراق عام 2003.
يُذكر أنّ الحكومة السوريّة وقّعت في 17 تمّوز 2026 مذكّرتَي تفاهم مع العراق ومع ائتلاف من ستّ شركات عالميّة لإعادة تأهيل وإحياء خطّ كركوك-بانياس تحديداً. هذا يعني أنّ المشروع تجاوز مرحلة الدراسات والتقديرات النظريّة التي يتمحور حولها النصّ بالكامل، ودخل فعليّاً حيّز التنفيذ التعاقديّ. وجرى لقاء بين رئيس الحكومة نوّاف سلام ونظيره العراقيّ عليّ الزيديّ تضمّن نقاشاً مفصّلاً في إعادة تشغيل منشآت النفط في طرابلس وإمكان انضمام لبنان إلى منظومة النقل الجديدة دون نتائج معلنة أو مؤكدة حتى الآن.
*أستاذ جامعي
