تواصل لجنة تحقيق عليا موفدة من مكتب رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، عملها في محافظة ميسان جنوبي البلاد، لكشف ملابسات الهجوم الذي استهدف خط أنابيب “شرق ـ غرب” في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، وأوقع أضراراً واسعة أدّت إلى إيقاف عمليات نقل النفط عبره. وبحسب ما يشير مسؤول أمني عراقي لـ”العربي الجديد”، فإن من المرتقب إعلان نتائج أولية خلال أقل من 72 ساعة.
ووفقاً لمصادر عسكرية وأخرى أمنية، فإن الحكومة العراقية تحقق في معلومات وصفها أحد المصادر بأنها “خطيرة”، تتضمن تورط خلايا خاصة مرتبطة بـ”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني في الهجوم بواسطة طائرات مسيّرة بعيدة المدى. في الأثناء، ما زالت منطقة الطيب الحدودية مع إيران مغلقة لليوم الثاني على التوالي، مع نشر قوات من اللواءين الخامس والعاشر في المنطقة، بعدما مُنع دخول غير العسكريين وغير المصرَّح لهم بذلك، مع مواصلة عمليات تفتيش واسعة.
وقال مسؤول عراقي أمني بارز في بغداد، إن اللجنة المكلفة الوقوف على ملابسات الهجوم تواصل عملها في محافظة ميسان، مرجحاً إعلان نتائج التحقيق في أقل من 72 ساعة، مضيفاً أن المعلومات المتوفرة تتجه إلى تورط خلايا خاصة شُكلت خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتعمل بمعزل عن قياداتها الفصائلية، وترتبط بـ”فيلق القدس”. وأوضح أن تلك الخلايا هي التي نفّذت الهجوم، مضيفاً أنّ الطائرات المسيّرة نُقلت إلى داخل العراق من إيران في وقت سابق، بينما تظهر التحقيقات أن منصات الصواريخ محلية الصنع، وجرت تهيئتها داخل العراق. وشدد على أن القدرة على شن الهجوم بهذه الدقة والمسافة البعيدة لا تمتلكها الفصائل العراقية دون مساعدة الحرس الثوري.
“خلايا نخبة” ضمن “فيلق القدس”
وأكد مصدر أمني آخر لـ”العربي الجديد” هذه المعلومات، وقال إن “فيلق القدس” أسس ما يمكن اعتباره “خلايا نخبة” من عدة فصائل عراقية ذات بُعد عقائدي، وتتلقى توجيهات من قيادات إيرانية، رغم استمرار ارتباطها بالفصائل، وتُصنَّف تنظيمياً بأنّ أفرادها ضمن الحشد الشعبي، في ما يتعلق بالغطاء الذي يتحركون تحته، وكذلك المرتبات الشهرية.
ربط مسؤول عراقي آخر في البصرة جنوبي العراق إغلاق المنافذ مع إيران بعد الهجوم بأنه “احترازي”
وكشف أن الحكومة العراقية تتلقى معلومات ومساعدة أميركية في التحقيقات التي تترقّب السعودية نتائجها، إلى جانب قرار عراقي مرتقب بتقييد تحركات أعضاء ممثلية جماعة الحوثيين الموجودة في العراق ضمن التزامات تعيّن اتخاذها لاحتواء الأزمة مع السعودية، إلى جانب إجراءات أخرى ترتبط بتقييد حركة الشاحنات والسيارات التي تعمل ضمن الحشد الشعبي، والتوجيه بالتفتيش في النقاط الأمنية.
وربط مسؤول عراقي آخر في البصرة جنوبي العراق إغلاق المنافذ مع إيران بعد الهجوم بأنه “احترازي”، وجاء بتوجيه من بغداد. وقال في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن الخلايا ذاتها هي التي نفذت اعتداءات على موقع كويتي، خلال فترة الحرب على إيران انطلاقاً من البصرة. وأقرّ العراق بانطلاق الاعتداءات على السعودية من محافظة ميسان، فيما أحال رئيس الوزراء علي الزيدي قائدي الجيش والشرطة إلى التحقيق بعد إقالتهما.
وأصدرت ما تُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، التي تتألف من عدة مليشيات مرتبطة بإيران، أبرزها “كتائب حزب الله” و”النجباء”، بياناً نفت فيه وقوفها وراء الهجوم، معربة عن “استغرابها من تسرّع الحكومة العراقية في تبنّي هذه المزاعم دون الاستناد إلى أدلة موثوقة أو تحقيقات ملموسة”.
إجراءات عراقية
في السياق ذاته، قال المتحدث العسكري باسم الحكومة العراقية، صباح النعمان، إن الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط 15 منصة لإطلاق المسيّرات في محافظة ميسان. وأوضح في تصريحات صحافية مساء أمس السبت، أن لجاناً عليا موجودة في المحافظة للتحقيق في الاعتداءات، بالتزامن مع اتخاذ سلسلة إجراءات أمنية في المحافظة. وأكد النعمان صدور “توجيهات حازمة” بإقالة المقصرين في الملف الأمني، مشيراً إلى أن السلطات ستعمل على نشر قوات أمنية كافية في ميسان، وشدد على أن بغداد لن تسمح بأي خروق تطاول دول الجوار، كذلك لن تسمح باستخدام السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة.
بدوره، أكد رئيس خلية الإعلام الأمني العراقي، سعد معن، السبت، ضرورة ضبط منصة إطلاق الصواريخ التي استُخدمت في الحادث الذي استهدف خط الأنابيب في السعودية. وأكد أن العراق وافق على طلب إيراني ليكون هنالك مشاركة في التحقيق والاطلاع على النتائج من كثب بشأن تداعيات حادث استهداف المملكة العربية السعودية.
وتأتي هذه التطورات بعد فترة من التصعيد العسكري شهدها العراق أواخر يوليو/ تموز الماضي، حين نفذت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية ضربات جوية استهدفت مقرات ومخازن أسلحة تابعة لفصائل مسلحة في مناطق عدة من العراق، وأوقعت أكثر من 50 قتيلاً وجريحاً في صفوفها. وجاء هذا التصعيد بعد أقل من 24 ساعة من إعلان الرياض إحباط هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية. ومنذ ذلك الحين، تحاول بغداد احتواء التوتر، مؤكدةً أنها لا تريد الانخراط في الصراعات الإقليمية أو السماح لأي جهة باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات على دول الجوار.