-
رشا النداف… الجمهورية .نت
-
-
-
تقول مصادر الجمهورية.نت في الحسكة إن حرّاقات أُدخلت في شهر آب (أغسطس) الماضي إلى المحافظة من ريف حلب بواسطة جهة غير معروفة، وعلى مرأى من عناصر الأمن العام وقوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية والمنخرطين في عملية الدمج. وُضِعَت الحرّاقات في مواقع كانت تُستَخدم سابقاً كمقرات أو نقاط عسكرية.
وبحسب المصادر، تَوزَّعت الحرّاقات بعد اتفاق الدمج مع «قسد» على ثلاث نقاط رئيسية في قرى من ريف الدرباسية وريف تل تمر وريف الحسكة، وشُغِل بعضها دون أن تكون الجهة التي تزوِّدها بالنفط الخام مُعلنَة رسمياً، بينما يقول سكان القرى المجاورة إنهم لاحظوا تردّد شخصيات معروفة بقربها من قسد على تلك المواقع.
احتجَّ الأهالي ومالكو الأراضي أواخر آب (أغسطس) الماضي على وضع الحرّاقات قربَ القرى والأراضي الزراعية، ونُقِل الاحتجاج في بث مباشر عبر قناة «روناهي». وتقول المصادر إن أشخاصاً تابعين للمجلس المحلي حاولوا إقناع المحتجين بالسماح بها، بحجة أنها ستوفر المازوت بسعر أقل، لكن الأهالي أصروا على ترحيلها خشية آثارها البيئية والصحية.
وتُضيف المصادر أن الحراقات فُكِّكت بعد الاعتراضات، ثم نُقلت خلال أيام إلى قرى ومناطق في جبل عبد العزيز. ويقول أحد مالكي الأراضي، المقيم في السعودية، إنه سبق أن وافق على استخدام أرضه كنقطة طابور عسكرية لوجوده خارج البلاد، لكنه اعترضَ فور علمه باعتزام تحويلها إلى حرَّاقة، وكلَّفَ قريباً له بالتدخل لمنع ذلك.
خطة الحكومة: مصافٍ محلية للمازوت الأرخص
بعد احتجاجات واسعة على قرار رفع أسعار المحروقات الأخير، أعلن وزير الطاقة محمد البشير، في مؤتمر صحفي عقده في دمشق يوم 17 أيلول (سبتمبر) 2026 مع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، طرح أنواع متعدّدة من المازوت بأسعار ومواصفات مختلفة لتخفيف الأعباء المعيشية.
وقال البشير إن الخطة تتضمن إعادةَ تشغيل عددٍ من المصافي المحلية بطاقة تصل إلى 35 ألفَ برميلٍ يومياً من النفط الخام، بإدارة وإشراف الشركة السورية للبترول. وأوضح أن إنتاج هذه المصافي من المازوت سيُخصَّص كلُّه لفئة مدعومة بسعر 115 ليرة سورية للتر، للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة.
وأضاف أن الوزارة ستوفر مازوتاً مُحسَّناً بسعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة، مع استمرار المازوت النظامي المستورد بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة. وقال قبلاوي إن الشركة بدأت إعداد الخطة التنفيذية، وإن بدء الإجراءات العملية يرتبط بالجاهزية الفنية والإجرائية، على أن تُعلَن التفاصيل تباعاً.
من الحرّاقات إلى المصافي الكهربائية
تتقاطع خطة وزارة الطاقة مع تجربة التكرير المحلي السابقة في الحسكة. فمصطلح «المصافي الكهربائية» يُشير إلى منشآت تؤدي الوظيفة الأساسية ذاتها التي أدتها الحرّاقات التقليدية بدائية الصُّنع: تكرير النفط الخام محلياً لإنتاج مشتقات مثل المازوت، لكن باستخدام تجهيزات كهربائية بدلاً من نموذج التسخين البدائي المباشر.
وبحسب تقارير منشورة، انتشرت الحرّاقات البدائية في الحسكة خلال سنوات الحرب، ثم عملت الإدارة الذاتية في مرحلة لاحقة على استبدال قسم منها بمصافٍ كهربائية. وتتركّز أبرز منشآت التكرير الصغيرة في مناطق حقول رميلان والسويدية وكرزيرو المعروف أيضاً بتل عدس.
وفي 10 أيلول (سبتمبر)، أفادت مصادر محلية بإعادة تشغيل مصافٍ ووحدات تكرير في حقلي كرزيرو/تل عدس والسويدية، بعد توقّف تزويدها بالنفط الخام خلال آب (أغسطس)، وجاء ذلك قبل إعلان وزارة الطاقة في 17 أيلول (سبتمبر) إدراج المصافي المحلية ضمن خطة تأمين المازوت المدعوم.
كلفة الحرّاقات: تلوث يتجاوز موقعها
لا يُنتج تشغيل الحراقات أو منشآت التكرير الصغيرة مازوتاً فقط، بل يُرافقه خطر إطلاق سُخام وجسيمات دقيقة وأكاسيد الكبريت والنيتروجين ومُركّبات عضوية متطايرة، كما يمكن أن تتسرَّب زيوت ورواسب ومواد نفطية من الخزانات والأنابيب إلى الأرض.
وتتحول هذه المواد إلى كلفة بيئية طويلة الأمد إذا شُغِّلَت المنشآت قرب القرى والحقول والمراعي: يتأثر الهواء الذي يتنفسه السكان والعمال، وتتضرر التربة والثروة الحيوانية، فيما تحتاج المياه النفطية وبقايا التقطير إلى جمع ومعالجة وطمر آمن كي لا تصل إلى الآبار والمياه الجوفية. وتشمل المخاطر أيضاً الانبعاثات الكربونية، واحتمال الحرائق والانفجارات عند ضعف تجهيزات السلامة. كما أن المازوتَ الناتج عن التكريرِ البدائي مُنخفِضُ الجودة، ما يُسبّب بدوره أضراراً بيئية إضافية عند استخدامه.
في إعلان 17 أيلول (سبتمبر)، قالت وزارة الطاقة إن المصافي ستعمل بضوابط للسلامة والجودة والحدِّ من الأثر البيئي، لكنها لم تنشر مواقع هذه المنشآت أو وثائق تصميمها البيئي أو خطط معالجة النفايات وقياس الانبعاثات.
أين ذهبت الحرّاقات البدائية؟
أعلنت السلطات إنهاء عمل الحرّاقات البدائية في محافظة دير الزور، ونفّذت مداهمات وإتلافاً لبعضها عقب رفض مالكين الإغلاق، كما أوقفت عمل الحرّاقات في مُجمَّع ترحين بريف حلب وسط احتجاجات العاملين فيها. كذلك أُعلنَ تباعاً خلال العام 2026 إيقاف عمل الحراقات البدائية في محافظات الرقة وحمص والحسكة، وهو الإعلان الذي لم يشمل المصافي الكهربائية الأكثر تطوراً في حقول النفط في المحافظة. لكن أين ذهبت هذه الحرّاقات كلُّها؟ وما مصيرها في الفترة المقبلة في ظلِّ التطورات الأخيرة؟ ولماذا جرت إعادة تشغيل حرّاقات خارج مناطق حقول النفط في الحسكة؟ ما زالت المعلومات بهذا الشأن محدودةً، ما يجعل جبل عبد العزيز مثالاً فقط، لا خريطة نهائية لمسار تشغيل الحرّاقات في البلاد.
تقول السلطات إن إعادة تشغيل المصافي الكهربائية تهدف إلى توفير مازوت أرخص، لكن السؤال البيئي والتشغيلي يبقى مفتوحاً: أين تقع المنشآت، وكيف يتم تزويدها بالنفط الخام، وما نوع تجهيزاتها، وكيف تُعالِج نفاياتها، ومن يقيس انبعاثاتها؟
من دون نشر هذه المعلومات وإخضاع العملية لرقابة صارمة، يبقى أن الاحتمال الأرجح هو نقلُ كلفة خفض سعر المازوت إلى هواء القرى وتربة الحقول ومياهها.
-