هذه مناقشةٌ تُحاول أن تكون غير سياسية لمسألة سياسية وغير سياسية في آن: المسألة العربية. هي في الواقع مقاربة لشأنٍ أثار انفعالات قوية فيما مضى، تقلّبت بين الحماس والفخر وبين الخيبة والانسحاب، وصولاً أحياناً إلى الكُره الذاتي، ويبدو هذا الشأنُ اليوم حائراً ومحيراً. الخمود السياسي والعاطفي الحالي للرابطة العربية ظاهر، لكنه ربما يكون ظاهرياً كذلك، مرتبطاً بأوضاع راهنة ضاغطة على مستويات عدة، تُحتِّم تَغيُّر أشكال ظهورها وتُوجِبُ تَغيُّر أشكال مقاربتنا لها، وليس حتماً الانقلاب عليها وإرادة عدمها. هذا على أي حال هو المَسلك الذي نختاره هنا. هناك «عرب»، أناس يفكرون في أنفسهم كذلك، ويتكلمون اللغة العربية، وهناك مشكلات كثيرات مزمنة تتصل بوجودهم وموقعهم في العالم ومعناهم ومصيرهم، هي ما نُجمِله بعبارة «مسألة».

زيارة الشأن العربي في وقت الخمود تشبه زيارة بعد انقطاع لصديق قديم، ساء حظه وضاقت به الدنيا، إن لم تساعده الزيارة فربما تساعد الزائر. أتمثُّل في هذا الشأن كاتو، السياسي الروماني القديم، في قولٍ له أحالت إليه غير مرة حنة آرنت في أعمالها: القضايا المنتصرة ترضي الله، أما القضايا الخاسرة فترضي كاتو.

الدعوة: فجأة أولى

قبل نحو خمسة عشر قرناً كان العرب أشتاتاً متفرقة بين شبه الجزيرة العربية أساساً، ثم في الشام والعراق، وأقل تَحضُّراً من الكتل الحضارية الكبرى حولهم: مصر وبيزنطة وفارس. في معزلهم الأجرد في الجزيرة العربية، كانت تبلغهم مؤثرات لغوية وثقافية ودينية، يتأثر بها نابهون منهم وعقلاء. وكان بينهم من تهوّدَ ومن تَنصَّر، أو أن يهوداً ومسيحيين عاشوا بين العرب وتكلموا لغتهم.

وفجأةً، فجأة بالفعل، نشأت بين ظهرانيهم قصة هائلة، وزجّوا أنفسهم في مغامرة مترامية الأطراف. ذلك أن رب العالمين وخالق الأكوان، الذي إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، اختار منهم رجلاً، رسولاً، لهدايتهم وهداية البشر، وكان عليهم أن ينتظموا حول هذه الدعوة وينشروها في الأرض، وهم يُثابون على ذلك برضا الله في هذه الحياة، وبالنعيم في حياة أخرى أكيدة تعقب الموت. حامل الدعوة، محمد بن عبد الله، اقترنَ اسمه باسم الله، فمزجت الدعوة تكوينياً بين القوى الكونية الأعظم التي لا تشبه شيئاً ولا يشبهها شيء، التي لم تلِد ولم تولد وليس لها كفو ولا تقبل التجسّد؛ وبين مسلك محدد، محمدي، في جغرافيا محددة، معزولة وهامشية، الحجاز في شبه الجزيرة العربية، ولغة محددة، العربية، وزمن محدد: القرن السابع الميلادي. الإسلام، اسم الدعوة، التحامٌ بين الكوني المُجرّد أَشدَّ التجريد وبين عينيٍ مُشخَّص جداً، جداً: بين الله ومحمد.

قاومَ القومُ بصور مختلفة دعوة محمد، عادوه وآذوه وتآمروا لقتله، وأخرجوه مع المؤمنين به من ديارهم، لكن الدعوة انتصرت في النهاية، وإن تكن احتاجت إلى التمرُّس بالحرب كي تنتصر. وبعد موت رسول الله، لزمت القوة الحاسمة ضد بعض العرب المتشككين والعدائيين، كما ضد من استغربوا «النظام الجديد» وأرادوا العودة إلى ما أَلِفوا من قبل.

تكوّنت هيمنة الدعوة الجديدة عبر مزيج استثنائي من القصة والقوة. القصة أدرجت نفسها في سياق أقدم، إبراهيمي، سابقتاه الكبريان هما اليهودية والمسيحية، لكن معتنقي هذين الدينين حرَّفوا الكلام الإلهي، وتأتي دعوة محمد، الإسلام، لتصحيحه. بكونيتها وأفقها المفتوح، القصة هي ما كانت القوة الدافعة والمُنظِّمة للقوة المسلحة كي تواجه إمبراطوريات، بينما كان غياب مثلها من قبل يهدر قوى العرب في معارك قبلية صغيرة. صار العرب «فاتحين» لأول مرة في التاريخ. وفي الفتوح، التقى الدافع العقدي بالداعي المادي والسياسي. محمد عابد الجابري، المفكر المغربي الراحل، يُعيد العقل السياسي العربي إلى ثلاثة ركائز، أو محددات: العقيدة والغنيمة، والقبيلة. ذلك أن الحرب أعادت القبيلة التي نفّرت منها الدعوة، وشكّلت قبائلُ العربِ أطراً تنظيمية للوحدات المقاتلة.

ثم إنها تبادلت التعزيز مع الصراعات الباكرة على السلطة ومع الحرب الأهلية العربية الباكرة بدورها، التي تُسمَّى الفتنة أو الفتنة الكبرى.

الفتوح: فجأةٌ مرة أخرى

مثّلت الفتوحُ فجأةً أخرى، تُضاف إلى فجأةِ الدعوة. فمن إقليمهم غير المغري، انتشر في العالم القومُ الذين لم يكن لهم شأن مهم من قبل، المُتفرِّقون الذين لا يجتمعون على شيء. ها هم اليوم يفتحون مصر، ويهزمون فارس ويحتلون مجالها كاملاً، ويهزمون بيزنطة في الشام، وإن دون التمكُّن من احتلال القسطنطينية وقتها. ويصل تَوسُّعهم إلى إسبانيا غرباً وأطراف الصين شرقاً. ظهر الإسلام في الوقت ذاته كدعوة دينية تفكر في نفسها كأفضل ما أُخرِجَ للناس من دين، وكقوة دنيوية تتوسّع بالسيف وتبني إمبراطورية. ثنائية القصة والقوة، الدين والإمبراطورية، أساسية بخصوص الدين الذي ظهر بين العرب. لقد استفاد الإسلام من دون ريب من إكراهات هيكلية في مجالات يسيطر عليها المسلمون عسكرياً وسياسياً (الجزية، السيادة الرمزية واللغوية…) كي تعتنقه أعدادٌ أكبر من الناس، لكنه لم ينتشر كدين بالسيف إلا ضد عرب الجزيرة العربية بالذات، وقبل زمن الفتوح. أما الإسلام كإمبراطورية فقد قام بالسيف، مثل غيره من الإمبراطوريات. ومعلومٌ أن أكثرية سكان بلاد الشام ظلوا من المسيحيين حتى نهاية حروب الفرنجة (الحروب الصليبية)، حين أخذوا بالتحول «أفواجاً» إلى دين المنتصرين.

ومن المدهش أن حركة الفتوح لم تتعوق إلا جزئياً ومحلياً بالحرب الأهلية العربية التي تفجّرت بعد جيل واحد من وفاة النبي العربي، وكانت بصورةٍ ما حلاً لها. ولعلنا نستبق أنفسنا كثيراً بالقول إنه حل ناجح ظرفياً فحسب، لأنه اعتمدَ على القبيلة التي هي عنصر انقسامي، ثم لأنه يُصدِّر المشكلة إلى الخارج وإلى المستقبل. حين ينتهي التوسع ويأتي المستقبل تعود المشكلة بكل قواها، وتظهر «الدولة» كقبيلة، أو «عصبية». لقد أخذنا «إمرة الأرض اغتصاباً»، مثلما قال أمير شعرائنا قبل قرن، والتهبت أكفُّ الحضور بالتصفيق وقت كانت أم كلثوم تصدح بهذه الكلمات، لكن إمرة النفس، الفردية منها والجمعية، استعصت علينا، وكفاءاتنا في علمَي النفس والسياسة كانت متواضعة ولا تزال. ثم أن تَحقُّق الإسلام في الفتوح والإمبراطورية عقّمَ فرص تحققات أخرى، مؤسسية عقدية، ومهّدَ لضروب من الفوضى الدينية.

لكن هل من تَطابُق بين العرب والإسلام؟ الأمر إشكالي على أكثر من مستوى. فقد كان هناك عرب غير مسلمين، مسيحيين ويهود. وهناك بعد الفتوحات، بل ومنذ البداية، مسلمون غير عرب (بلال بن رباح، سلمان الفارسي، صهيب الرومي). ولا يقل عن ذلك أهميةً أن من تَعرَّبوا في ظل الإمبراطورية، بل وأكثر العرب الأصليين، كانت لهم عوائد وأعراف تعايشت تعايشاً تنازعياً مع الإسلام، بما في ذلك عوائد قبلية عربية قحة، وهذا واقع مستمر إلى اليوم. الإسلام نفسه له تاريخ متموج من دنيوية وأصولية، تَسامُح وتَشدُّد، استيعاب واستبعاد. لكن في المحصلة لم يبقَ شيءٌ عربي مهم خارج الإسلام منذ انتشاره العالمي. الكلام على العرب هو، حتى وقت متقدم من القرن التاسع عشر، كلام على الإسلام كمجال ديني جغرافي حضاري

كرمٌ ونَقصُ تَشكُّل

أعطى العرب المسلمون العالمَ أحسن ما لديهم، الدعوة الجديدة واللغة العربية، فلم تَعُد لهم ميزة على غيرهم. بالعكس، لما كانوا أقلَّ تَحضُّراً من الغير، فإن أبرزَ من سيشتغل على ما أعطوا للغير، الإسلام والعربية ذاتيهما، لم يكونوا عرباً. من قَعَّدَ العربيةَ واشتغلَ على علومها، ومن اشتغلَ على العلوم الإسلامية، كان العربُ قلة من بينهم. وبعد قرنين بالكاد على المغامرة الهائلة، كان وزن العرب في «المُلك» الذي أقاموه هم بقصّتهم وقوتهم، يتراجع قياساً إلى المسلمين الآخرين من فرس وترك وغيرهم. ويخرج العرب من التوسُّع العسكري وصنع الإمبراطوريات وإدارتها منذ القرن التاسع الميلادي، وينفصلون عن الحرب والسياسة، اللّهم إلا على نطاقات محلية ضيقة تُذكِّر بحروبهم القبلية الصغيرة قبل «النبأ العظيم».

هذه شهادةٌ للعرب، وإن تكُن شهادةً عليهم كذلك. شهادة لهم من حيث أنهم مُعطٍ عام كريم، مثل زمرة الدم O سلبي، لا تتسبب بضرر لآخذيها المحتملين. لكنها شهادة عليهم لأن المعطي العام هو الأقل تشكلاً، القابل لأشكال مختلفة لأنه بلا شكل يَخصُّه. البداوة التي يُماهى بينها وبين العرب هي قبل كل شيء ضعفُ تشكُّل، أي بالضبط هي نقيض الحضارة التي هي غنىً في الأشكال، أشكال الحياة والعمران والفنون والأفكار. البداوة قابلية وصيرورة. البدوي يصير أشياء مختلفة، لأنه لا يكون شيئاً محدداً تقريباً. فكّرَ ابن خلدون في البداوة كمخزن للعصبية، تتشكّلُ في مُلك، قبل أن تتحلل خلال ثلاثة أجيال «طبيعية». وإلى اليوم، يُحمَل مُدرَكُ عربي على نقصِ التشكُّل. نتكلم على بيت عربي أو حوْش عربي للأبنية غير الطابقية التي قد تكون مريحة، لكنها ليست عالية التمايز الوظيفي. وعلى مرحاض عربي، بالتقابل مع مرحاض إفرنجي، لذلك الذي نقضي فيها حاجتنا مُقرفصين، وهو بالفعل غير مريح، وبخاصة للمتقدمين في السن. والخبز العربي هو الخبز «المشروح»، الذي يُخبَز على الصاج، بالتقابل مع «خبز البلد»، على ما كان يسمى في طفولتي خبز الأفران في الرقة. ولا يزال يطلق في مصر، وفي سورية كذلك، اسم العرب على البدو، حيث الترحُّل والأسرة الممتدة وتربية الجمال سِمات مُعرِّفة، وهذا حتى من قبل أناس يُعرِّفون أنفسهم في سياقات أخرى بأنهم عرب.

وجودُ وضياعُ كل شيء

خلال قرون كان الإسلام يتشكل وفق الجغرافيات المختلفة، وتظهر أو تنبعث دعوات دينية محلية، ضمن المتن العريض الإسلامي، بعيدة بمقادير مختلفة عن أصل الدعوة. أما اللغة العربية فقد تضيّقَ مجالُها الجغرافي ليقتصر على العرب ومن تعرّبوا في المشرق، أو اقتصرت على أن تكون لغةً للدين لغيرِ العرب.

كان الإسلام هو رسالة العرب إلى العالم، وقد بلّغوا الرسالة ووصلت، فصار الإسلام ملكاً للناس. فلم تَعُد للعرب رسالة.

والواقع أنهم خرجوا لأكثر من ألف عام من سياسة المجال الثقافي السياسي الذي أسَّسوه بالتوسع العسكري ونشر دينهم ولغتهم. ومن الحرب كذلك. خلال هذا الزمن الطويل كان العرب عنصراً قليل الفاعلية في المجال الإسلامي، وارتدَّ بعضهم إلى بداوة فقيرة، وانحلَّ بعضهم في غيرهم.

وبنظرة عريضة، نرى العرب وقد خرجوا إلى التاريخ خروجاً عاصفاً، لكنهم بعد قرنين أخذوا يحتمون منه بكل السبل، حتى أنهم حجبوا أنفسهم عنه خائفين، مغلقين عليهم أبواباً، وخائفين من الاختلاف والتنازُع. لم يحمهم إغلاق الأبواب من التنازع، لكنه كفلَ لهم الخروجَ من التاريخ. يحدث أن يُكثّف الشاعر خبرة التاريخ بكلمات قليلة. هذا فعله لوركا، الشاعر الإسباني العظيم: أنا من العرق العربي، الصديق القديم للشمس، الذي وجد كل شيء، ثم ضيّعه! هذه سيرة مُختصَرة لقومنا، وجدوا كل شيء ثم أضاعوه. وهذا إلى أن حدثَ ما كسر الأبواب وهتكَ الحُجُب المفروضة ذاتياً: الاستعمار والحداثة، فعشي على أبصارنا بفعل الشمس الغربية، وضِعنا. يسمي هشام جعيط ذلك الصدمة الغربية.

وقد يكون في جذر تضييع كل شيء عدمُ ملاءمة الحل الإمبراطوري للحرب الأهلية، أي قذفها بعيداً عنا، وعدم مواجهة الانقسام الأهلي. لم يبتكر العرب مؤسسة سياسية تساعدهم على مواجهة انقساماتهم، ولا مؤسسة دينية تُعرِّفُ المُعتقَد الصحيح.

لدينا في آن نجاح هائل وفشل هائل. تقادم النجاح عبر الأجيال والقرون، وبقي الفشل يتجدد. والمسألة راهنة اليوم.

«حجرة في العنق»

في هذا «الخروج من التاريخ» شَبهٌ بين العرب واليهود الذين خرجوا بدورهم من التاريخ الفاعل لألفي عام لا لألف واحدة. لكن مع فارق أساسي. العرب لم يخرجوا من الجغرافيا، انتشروا في منطقة واسعة، أوسع مما يُسمَّى العالم العربي اليوم، وذاب بعضهم في غيرهم، وإن يكن ذاب غيرهم فيهم كذلك في المناطق الأكثر تعريباً في المشرق. كان حاضنا الذوبان هما رصيدي العرب المعلومين: دينُ الإسلام واللغةُ العربية. لكنهم ترسّخوا في مجال مركزي سماه القوميون العرب في القرن العشرين تسمية ظلت سارية حتى وقت قريب: الوطن العربي، بل ولا تزال تجري على بعض الألسن. وقد يكون ما اتّسمَ به المشروع اليهودي المعاصر، الصهيوني، من عنف متولِّداً عن تقاطع شتات جغرافي مديد، «منفى»، مع نشوء هذا المشروع في ظل الإمبريالية الغربية الحديثة، ومع رضّة إبادية قوية أصابت يهود أوروبا قُبيل قيام الكيان الإسرائيلي. وكان عرب هم من دفعوا الثمن المباشر، الفلسطينيون. يحدث أن يقال إن الوطنية الفلسطينية لم تكن موجودة قبل بدء التغلغل الصهيوني في فلسطين والصراع ضده. صحيح. الصهيونية كذلك لم تكن موجودة قبل المعاداة الجديدة للسامية في أوروبا، القائمة على أساس قومي (تمييزاً عن لا سامية أقدم، دينية، مسيحية). لكن ما نريد قوله هو أن القومية العربية ذاتها هي، بصورة ما، نتاجٌ لقيام إسرائيل، ليس بمعنى أنها لم تظهر قبل ذلك، بل بمعنى أن قضية فلسطين صارت لبّ الوعي القومي العربي، حجرة في العنق يحملها العرب كلهم بعبارة عبد الله العروي. انحدرت القومية العربية مع انتصارات إسرائيل على من حولها من العرب في «دول الطوق»، لكن إسرائيل بعدوانيتها وعنصريتها المتأصّلتين، تكفل بقاء العروبة حية، وإن مريضة. وإنما لذلك يُزار صديق مريض، مهجور.

في تاريخ الأديان الإبراهيمية الثلاث ما يثير الاهتمام من مدخل الحركة في الزمان والمكان. اليهود انتشروا في أرجاء العالم القديم، والتحقَ تاريخُهم بتاريخ الإمبراطوريات والكيانات السياسية التي عاشوا في ظلها، لكن يبدو أنهم استوطنوا مُعتقَدهم خلال 2000 عام. المسيحية هاجرت جغرافياً. وأهمُّ مراكزها صارت خارج مهد نشوئها في فلسطين، في روما والقسطنطينية. الوجود المسيحي في المشرق لم ينقطع، لكنه صار أقل أهمية، وبخاصة بعد ظهور الإسلام وسيطرته على المشرق، ثم على بيزنطة والقسطنطينية نفسها. الحروب الصليبية لم تنجح. الإسلام هاجر بدوره خارج مهده الأصلى الذي صار هامشياً سياسياً وإن بقي المركزَ المُقدَّس. العرب، حَمَلة الدعوة، هاجروا من التاريخ طويلاً، وحين عادوا إليه عادوا إلى مواجهة تحدي الحرب الأهلية.

قومية عربية

سيكون من التبسيط القول إن العرب عاودوا دخول التاريخ على يد القومية العربية على نحو يشابه عودة اليهود إلى التاريخ السياسي على يد القومية اليهودية التي تُسمَّى الصهيونية. التبسيطُ لأن إحياء اللغة والثقافة العربية في القرن التاسع عشر سبق القومية العربية. إلا أن غير قليلٍ من القيادات السياسية العربية لم تكن عربية إثنياً حتى في الزمن القومي العربي. وهذا الأخير زمنُ كسب وخسارة. كسب تأكيد ثقافة ولغة و«شعب» أو ذات سياسية جمعية، وخسارة تنوُّع كان يُحسَب عربياً بصورة ما، دون أن يكون قومياً عربياً. بصورة حاسمة، العرب ليسوا عرقاً أو إثنية، ولا هم دين بطبيعة الحال. إنهم متكلمو اللغة العربية كلغة أم. اليهود ليسوا عرقاً كذلك. لكنهم انتشروا في الأرض، وخاصة في النطاق الإمبراطوري الروماني الذي قضى على آخر هياكلهم السياسية. وما يقوله إدوارد سعيد في مسألة فلسطين من أن العروبة، خلافاً للصهيونية، ليست حصرية أو استبعادية، صحيحٌ بالتأكيد، لكن القومية العربية سعت لأن تكون حصرية مثلها في ذلك مثل كل القوميات الأخرى، وهو ما ينطبق بخاصة على النسخة البعثية منها. وكل حصر هو استبعاد، إقصاء لغير العرب ممّن شاركوا أوجهاً متنوعة من الثقافة والعادات وأنماط الحياة، منهم بخاصة في المشرق الكُرد. مثل كثيرين، سعيد لا يميز بين العروبة والقومية العربية.

القومية العربية ذاتُها اختراع جديد، تَشكُّلٌ جديدٌ للعرب أو مَسعى لقصة وقوة جديدتين، وهي نجحت في شيء مهم: إعادة اختراع العرب كجماعة مُتخيَّلة «من المحيط إلى الخليج»، أو كطبقة من طبقات وعي عشرات ملايين، واليوم مئات ملايين الناس، بذواتهم. وكان من بين هؤلاء مسيحيون، كانوا طوال ألف عام كذلك منكفئين على حياتهم الدينية، وهذا مثلما انكفأ المسلمون منهم على العشيرة وعلى الدين، وانحلَّ بعضهم من جديد في الطبيعة (البداوة) أو في غيرهم (في فارس وأفغانستان والهند).

عبرَ اختراع العرب، أعادت القومية العربية زجّهم في قلب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في بلداننا، وهو ما حدث كذلك لمسلمين غير سنيين. كانت نخب من المسيحيين في صدارة الإحياء الثقافي العربي في المشرق في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

عروبة 

لكن القومية العربية فشلت في ما طرحته على نفسها من أهداف: توحيد العرب وتحرير فلسطين والتشكُّل كقوة دولية وازنة. لم توات الظروف ولم تناسب القدرات، وهُزمت الدعوة الجديدة أمام أعداء أقوياء يتعذر الانتصار عليهم. وهذه نقطة مهمة، هي ما يقومُ عشقُ الهزيمة في كتابات عربية بالغفلة عنه، حتى أنه يحدث أن تُجترَّ الهزيمةُ للمرة الألف دون أن يُقال في أي صراع هزمنا ومن كان العدو. ثم في انفصال تام عن التطلُّع إلى النهوض والنصر.

بهزيمة حزيران 1967، ذهبت القومية وظلَّ العرب.

والواقع أن التمييز بين العرب والقومية العربية أساسي في تفكير المسألة العربية. يمكن للمرء أن يكون عربياً دون أن يكون قومياً عربياً، مثلما يمكن له أن يكون ألمانياً دون أن يكون قومياً ألمانياً، ويهودياً دون أن يكون صهيونياً. ولذلك يمكن للمرء أن يكون مضاداً للصهيونية دون أن يكون معادياً للسامية، مثلما تصورُ اليومَ الحكومةُ الإسرائيلية وحكومات غربية. ومعلوم أن هناك يهوداً كثيرين معادين للصهيونية، بعضهم متدينون وبعضهم لا مبالون دينياً. وهناك بالمثل ألمان معادون بقوة للقومية الألمانية، وإن يكن كثير منهم محبون بالقوة نفسها لإسرائيل، في ضرب من القومية بالوكالة.

وبالمثل يمكن أن يكون المرء مسلماً دون أن يكون إسلامياً. فالإسلامية من الإسلام هي مثلُ القومية العربية من العرب، أقرب إلى قومية إسلامية تُحيل إلى أمة إسلامية منفصلة عن أممنا السياسية القائمة اليوم، كما عن «الأمة العربية». عملت القومية العربية على تعريب العرب (وغير العرب)، فغرّبت الأخيرين، وغيرَ قليلٍ من الأولين. وتعملُ الإسلامية على أسلمة المسلمين، وهو ما رأينا أمثلة مخبرية عنه في سورية بعد صعود الإسلاميين السلفيين، وامتحانهم إيمانَ الناس، وتكفير بعضهم واستتابة غيرهم وإخضاع آخرين لدورات شرعية، والحكم بالإرهاب الذي سجَّلَ داعش ذرى مروعة فيه. ولعلنا اليوم ندخل طوراً جديداً من أطوار أسلمة المسلمين في سورية، بعد التخلص الطيب من الحكم الأسدي، وسيطرة فريق إسلامي في «قلب العروبة النابض» سابقاً، «سورية الأسد» لاحقاً.

ولعلَّ من المناسب إضافة تمييز ثالث يضاف إلى التمييز بين العربي والقومي العربي: العروبي. العربي إثنيةً (تصورياً على الأقل، أي في وعي بعض العرب المنتظمين في قبائل أو الذي يعلون من شأن الرابطة القبلية)، العروبي هو من يثمّن الرابطة العربية وينظر إليها نظرة إيجابية، وقد يكون أو لا يكون عربياً من الوجهة الإثنية، أما القومي العربي فهو يُحوِّلُ الرابطة العربية إلى مشروع سياسي غايته تحويل «الأمة العربية» إلى دولة عربية واحدة في «وطن عربي» واحد، كبير. يمكن القول إن العروبي هو أثرُ القومية العربية بعد فشلها السياسي. ذلك أن القومية العربية هي العروبة السياسية، وخسارتُها السياسية لم تُلغِ ما استحدثته من رابطة عربية. الفارق الحاسم بين العروبة والقومية العربية هو أن الأولى ليست حصرية أو استبعادية، خلافاً للثانية. أما الإثنية فتُحيل إلى الماضي والدم، ولا تحمل وعداً.

ترحُّل وتطرُّف

ما تقدَّمَ من اضطراب وجود العرب في التاريخ يُسوِّغ القول إن العربية، كون المرء أو الشيء عربياً، ليست هوية بل هي بالأحرى تناقض، أن يكون المرء هنا وهناك في آن. أو ربما هو رحلة بين هنا وهناك، أو ترحُّل مثلما كان حال كثيرين من أسلافنا ذات يوم. وبكلمة أحدث: صيرورة، استعدادٌ لصيْر أشياء مختلفة (وهو ما يستجيب كذلك لواقع نقص التشكُّل، وللبداوة). هذه الكوكبة من الكلمات: تَناقُض، رحلة، تَرحُّل، صيرورة، تشترك في عدم الاستقرار، في الاضطراب والتضارب، في الحركة، وفي الانقسام والنزاع كذلك، مما هي أشياء تطبع حياة العرب في أيامنا، مثلما كانت تطبع قبائلهم ذات يوم، ثم أحزابهم الدينية. يتساءل المرء عمّا إذا لم تكن الانقسامية أسوأ من الحصرية التي تكلَّمَ عليها سعيد. كلتاهما سيئتان، لكن انقسامية العرب التي تحدُّ من أي حصرية قومية، تُضعف في الوقت نفسه من فرص عروبة ثقافية منفتحة. والأكيد أنه ليس من صفات العرب القوية الاستقرار والوحدة وثبات الكيان. الكلام على أسرة عربية، مع ما تتضمنه كلمة أسرة من حصرية، هو مجاملة للذات، مجاملة متهافتة فوق ذلك بالنظر إلى أن الأسر تأسر ولا تُطلِق، تخنق ولا تُحرِّر.

وبعد ذلك، لدى جماعتنا هوى تطرُّفي، كأنما يفضلون الإقامة في الأقاصي. فتجدهم يتراوحون بين أقصى التمرد وأقصى الخضوع، بين البرّية وبين الدولة السلالية أو المشخصنة، بين استقلالية مفرطة وبين تبعية قصوى، بين روحانية مشعوِذة وبين سلفية بلا روح، بين خنوع بلا ضفاف وبين عدمية إرهابية مُدمِّرة. في موطن حَرَميْنا، تحرّكَ قومنا بين ليلة وضحاها من «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» إلى «هيئة الترفيه»، وكان على رأسيهما معاً رجل (فعالمنا عالم رجال) من آل الشيخ، المنحدرين من المُكوِّن الديني للحكم السعودي، بما يقارب أن يعني أن الترفيه هو الدين الرسمي للمملكة السعودية اليوم. وبعد مراقبة حجاب النساء والتزام الرجال المساجد وقت الصلاة، صرت ترى القفا المثير لجنيفر لوبيز، وتسمعُ الصوتَ الصادح لسيلين ديون، شاغلة للانتباه العام. المستمر بين الطورين هو تَحدُّرُ المعروف والمنكر، والترفيه، من فوق، من الحاكم.

السلطة عندنا لا تزال بقدر كبير سلطة على البشر، أقل بكثير من ذلك سلطة على الأشياء، على الكلمات، سلطة الناس على أجسادهم. وهي مستعدة بالرغم من ذلك أو بفعل ذلك للانضواء تحت سلطة أكبر، تحميها. «سورية الأسد» دافعت ببسالة عن سيادتها بتسليم أمرها لإيران وما لا يُعَدُّ من أتباعها، ثم لروسيا. ومُهودُ الإسلام استندت وإلى اليوم إلى حماية أميركية لا تحمي فعلياً. وهو ما ظهر بأجلى صورة في آخر الحروب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران. إيران تضرب البلدان العربية في الخليج، مُتذرِّعة بقواعد أميركية فيها، وهذه البلدان لا تدافع عن نفسها.

يتامى الإمبراطورية

حين عاد العرب إلى التاريخ بعد ألف عام لم يجدوا غير لغتهم يُحيونَها، وغير «الإسلام» ركيزة ثقافية حضارية. لم يَكُن أمامهم غير استعادة ما أعطوه من لغة ومن دين. لم يأخذوا الإسلام من غيرهم، لكنهم عملوا على إعادة أو إحياء أنفسهم وفق نموذجه الذي يجمع بين رسالة من السماء وبين تَوسُّع إمبراطوري على الأرض. بيد أنهم كانوا في أوضاع بالغة الصعوبة: بلا كيان مستقل، كثير من مَواطنهم واقعة تحت سيطرة مستعمرين أوروبيين متفوقين على مستويات عديدة، الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والنظم السياسية والقوانين والحرية وإنتاج القيم والفنون والآداب ونموذج الشخصية وكل شيء آخر تقريباً. الأوروبيون شكّلوا العالم لأنهم كانوا متفوقين في إنتاج الأشكال، وهو ما كان نتاج فوران ثوري دام قروناً، كما هو محصلة تحرك فاتح في كل اتجاه: نحو الماضي، نحو الخارج، نحو الطبيعة، ونحو أعماق الأنفس. الفارق الحاسم بين الدخول القوي في التاريخ في القرن السابع الميلادي و«العودة» إليه في القرن التاسع عشر هو أننا كنا مفتوحين هذه المرة، بلا قوة، وبلا قصة غير قصتنا القديمة. الفاتحون هم أناس غيرنا، لكن من أنسابهم دين غير غريب علينا: المسيحية. وفي كنفهم، تشكّلَ كيان لليهود في فلسطين، بعد انقطاع ألفيتين من السنين.

العروبة السياسية تشكّلت خيالياً في مثل هذه الشروط وفق نموذج مُترسِّب من التوسع الإسلامي، نموذج الإمبراطورية، وليس نموذج دولة وإقليم وسكان، مثلما أخذ يتشكّل مجالُنا في القرن التاسع عشر. القومية العربية هي إسلام مُعلَمن بصورة ما، حتى إذا هُزمت ذهبت العلمنة وبقي منها إسلام فقط. المحصلة هي الإسلامية، وفي صور برّية قليلاً أو كثيراً. ومثلما سبق القول، الإسلامية هي ضربٌ من قومية إسلامية، تفكير في المسلمين كـ«أمة من دون الناس»، وفي الإسلام كوطن سياسي للمسلمين، وليس كملاذ روحي.

بنظرة عن بُعد، وحّدَ الإسلامُ عرباً متناثرين، زجهم بسرعة وقوة في تاريخ العالم القديم ولم يلبثوا أن خرجوا منه بسرعة كذلك. وشهدنا في زمننا الحالي مجيء الإسلامية التي لم تنجح في دعواها، ولا يمكن أن تنجح، بل هي تقود دين الإسلام ذاته إلى الفشل عبر فرط تسييسه وقومَنَته، وعملياً نزع صفته الدينية. فإذا صحَّ أن سبب فشل القومية العربية هو التكوين الإمبراطوري الذي بطّنها في زمن غير زمان الفتوح والسيطرة العالمية، بل في زمن إمبراطوريات أخرى أبرزها إمبراطورية الغرب ومضختها الإسرائيلية الفياضة عندنا، فإن فشل الإسلامية مُدوَّن في الشيء نفسه. وربما في شيء آخر: الإسلامية هي إسلام قليلُ الدينِ كثيرُ السلطة، الدين في ظلها إلزامات ورموز وقوة، ضامرة روحياً في أزمنة مضطربة ومأساوية، تصرخ طلباً للروح ولا تجدها. الإسلامية المعاصرة تطرح على نفسها العودة الممتنعة إلى زمن الدعوة والفتح، وليس التجدد الفكري والأخلاقي والروحي.

ولا ننسى بعد ذلك أن الإسلام ليس واحداً، وأن العرب ورثوا من زمن الإمبراطوريات انقسامات متعددة، وأن من يتماهون بالتاريخ الإمبراطوري هم المسلمون السُنّيون أكثر من غيرهم، بل دون غيرهم. والمشروع الذي يرتبه إمبراطوريو المسلمين السُنّيين المقهورون على أنفسهم، أعني الإسلاميين، هو مشروع تهلكة بكل معنى الكلمة، مشروع انتحاري، يتوافق مع انفجار الإسلام السُنّي ذاته بفعل فشل القوى المنسوبة إليه في التصالح مع العالم الحديث والتطور فيه. وهو ما كان يعززه حتى وقت قريب الصعودُ الفعلي لإمبراطورية شيعية مركزها إيران منذ عقود، ولا نعلم ما يمكن أن تكون الآثار المحتملة للحرب الإسرائيلية- الأميركية على إيران. يُرجَى أنها صارت أقل قدرة على تغذية الانقسامات العربية. من جهتنا، قد يكون انعدام القوة وتقادُم القصة وعدمُ تجديدها هو ما يكمنُ وراء الإرهاب العدمي. الإرهاب منهج ضعفاء لا يُجدِّدون قصتهم أو يصلحونها، ولا يطيقون انحسارَ الاهتمام بها.

عبء الرجل العربي

هناك مسألة إسلامية سُنّية، تطابق جزئياً المسألة العربية بفعل المشروع الإمبراطوري المشترك الذي لا يملك أصحابه شيئاً من مقوماته. تلجأ قطاعات منهم إلى الإرهاب لذلك بالذات.

في جانب أساسي منها، المسألة العربية اليوم هي هنا: الإسلام لا يمكن أن يكون رسالة العرب اليوم لأنه كان رسالتهم يوماً، وقد قاموا بالواجب في حينه وبلّغوا الرسالة، ودينهم منتشر اليوم في كل أرجاء العالم. في الوقت نفسه لا يمكن إدارة الظهر لميراث ألفي، كأنَّ العرب بلا ذاكرة ولا تاريخ ولا بُعد روحي. ما المخرج من هذا الإلزام السلبي المزدوج؟ لا نراه في غير تحويل نازع الإمبراطورية إلى المجال الروحي، إلى الثقافة والفكر والأخلاق والفن، وإلى إصلاح أو إعادة هيكلة القصة القديمة؛ دعوة الإسلام، أي النهوض والتحضّر مما نفتقر إليه فعلاً. العرب أقرب اليوم إلى ذيل العالم حضارياً، ورسالتهم إلى أنفسهم قبل غيرهم هي التحضُّر والتجدُّد الثقافي والأخلاقي والروحي. تَحضُّرنا هو كذلك رسالة إلى العالم بأن العرب شبّوا عن الطوق ولم يعودوا عبئاً، ولا هم مجرد روح ناقمة لا ترتاح ولا تترك أحداً يرتاح.

قد يُرَدُّ بأن العرب في عزّهم أظهروا مواهب سياسية متواضعة، إن في سياسة النفس أو سياسة المجتمع، لكن هذا من بين ما يجعل من تحسين كفاءاتهم في المجالين السياسي والنفسي مُقدَّما على كل شيء آخر.

وتحوز مسألة التحضّر دلالة مهمة بالنظر إلى وجود سؤال وجيه عن الجدارة الحضارية العربية. ليس هذا سؤالاً يُصرف باستخفاف واشتباه بعنصرية طارحيه. عبد الله العروي يذكر في السنّة والإصلاح إن العرب مثال على التفاوت التطوري بين الحضارة المادية المتواضعة والتطور الثقافي المميز الذي جعلهم أحد أكبر حملة أديان الوحي والتوحيد في التاريخ. يُحيل العروي إلى العرب «الكلاسيكيين» في زمن «البعثة» وما بعد. لكن هذا التفاوت لا يزال قائماً. أُفُقنا الثقافي والروحي يستوجب نقلة حضارية، وإلا فُرضت نقلة بدائية، يبدو أننا رأينا أمثلة مروعة عليها في العقد الثاني من هذا القرن في سورية والعراق، بلدي القومية العربية البعثية.

بلاد السيبة

لكن لعلنا هنا أيضاً نحتاج إلى تمييز ثالث يُضاف إلى التمييز بين الحضارة المادية والتطور الثقافي، شيءٌ يتصل بالسياسة والدولة والحكم. في هذا الشأن، وكي نَصوغَ الأمر بخشونة وفظاظة، العربُ لا بأس بهم على مستوى الثقافة والحكمة، لكنهم أكثرُ بدائيةً في مجال الحكم والسياسة حتى مما هم على مستوى الحضارة المادية (تنظيم الموارد وتطوير التكنولوجيا). منذ «الفتنة الكبرى»، الدولةُ لدينا فتنةٌ دائمةٌ، حرب أهلية. مشروعُ اغتيال ذاتي مؤبد بالنظر إلى أنها تعصف بالثقافة وتُطوِّح القليل من الحضارة، وبالنظر إلى أننا خلال ألفية ونصف ألفية من السنين لم نبدع شيئاً سياسياً ذا قيمة، لا على مستوى التفكير ولا الممارسات ولا المؤسسات. في عزلتهم الجغرافية وفقر مواردهم وضعفهم التكنولوجي، العربُ القدماء، وهم «مادة الإسلام»، أُعطوا شيئين يلغي ثانيهما الأول: ديناً انتشر ليصير من أكبر أديان البشرية، وسياسة غرائزية وفتنوية إلى أبعد حد تُصغِّر من شأنهم وتقلل من احترامهم. ويكاد هذا التناقض أن يكون أنثروبولوجياً يتعذر تجاوزه: قوم الشعر والحكمة هم أنفسهم القوم الذين يقتل بعضهم بعضاً، الأخ أخاه والابن أباه، والجميعُ الجميعَ، من أجل سلطة تافهة بخس. وقد حصل ذلك بالفعل مراراً وتكراراً، فأفسد المجتمع والدولة والدين والأنفُس البشرية.

العروي، وهو من آباء المثقفين العرب المعاصرين، إن لم يكن الأب، أدخلَ فكرة تأخُّر الوعي أو «التخلف المضاعف» مثلما قال في خواطر الصباح، يوميات 1974-1981، كإضافة إلى فكرة التخلّف التي تشخص أوضاع العرب وغيرهم من شعب العالم الثالث في قوى إنتاج (ومنها التكنولوجيا والقوى العاملة) متواضعة وأنماط إنتاج خاملة وتبعية اقتصادية. العروي قال أشياء مهمة عن اختلال السياسي في «مفهوم الدولة»، لكنَّ مركزيةَ الوعي والعقلنة في تفكيره تُفرغ السياسي من مضمونه لمصلحة الفكري والثقافي. سار على نهجه، قبل رحيله المبكر، ياسين الحافظ الذي استخدم تعبير الفوات التاريخي ليُمثِّل شيئاً يقارب التأخُّر التاريخي، أي ما يتصل بمجال الوعي والتفكير، وربما نمط الشخصية وبنى المجتمع الموصوفة بـ«المفوّتة». تشترك المدركات الثلاث، التخلف والتأخر والفوات، في إحالتها الضمنية إلى معيار تاريخي، يحتكم إلى المُحقَّق الأوروبي من التقدم والعقلانية والحداثة. ياسين الحافظ تكلم على مُركَّبين اقتصاديين اجتماعيين سياسيين في المجال العربي سماهما التأخراكي والتأخرالي، الأولى تأخر اجتماعي بثوب اشتراكي، والثانية بثوب رأسمالي. الواقع أن الحافظ دعا إلى الديمقراطية، لكن ليس لديه ولو صفحات لتشخيص الاستبداد.

وعموماً، ليس لدينا تصوُّر أساسي يُشخّص المُشكِل السياسي. نقترح هنا مدركاً يحمل دلالات اجتماعية أنثروبولوجية هو البرّية أو السيبة، للدلالة على ضرب من وضع الغاب السياسي، أي حُكم القوة المجردة. السيبة مدرك متداول في المغرب مقابل المخزن، أي الدولة ومجال سيطرتها. وهو في التداول اللغوي مألوف في كلمة تسيّب، نقيضاً للانضباط في أي مجال: المدارس، الجيوش، الإدارات. والفكرة المقترحة هنا هي أننا في مجال السياسة والحكم في حالة سيبة أو برية يسودها قانون الغاب، أي حكم الأقوى، «ينعدم فيه الأمن ويأكل فيه القوي الضعيف» (العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912، ص 97). وما يُعقِّد الأمر هو ما يبدو من أن «المخزن» من شروط إعادة إنتاج السيبة أو المجتمع اللاانضباطي، إن حاكينا صيغة لفوكو، على أن نفهم السيبة لا كمجال جغرافي بعيد عن سلطة الدولة، بل كمستوى مُستبطَن في تعاملها مع عموم المحكومين، أو كشرط لعدم الانضباط العام. العروي نفسه يقول «إن السيبة في حقيقة الأمر جزء لا يتجزأ من النظام، ولِدت من رحمه بطريقة شبه طبيعية» (الأصول…، ص 222). يتكلم على المغرب في القرن التاسع عشر، لكن تعليقه يصلح كبيان للوضع البنيوي للسيبة كجزء من النظام، يعاد إنتاجها بإعادة إنتاجه.

تقوم الدولة في مجالنا على استثناء النفس، نفسِ المستولين على الدولة، من أيِّ قواعد مطردة، أي على الاعتباط، أي كذلك على حكم الهوى والغريزة، «الملك الطبيعي»، وبالضبط على التَّسيُّب. الدولة تظهر عبر ذلك كمنبع للتسيّب والبرية، أو أن التسيّب هو قاعدة الدولة والمجتمع معاً: تسيّب الحاكمين، بمعنى استثنائهم لأنفسهم من الانضباط بقواعد معلومة، يُغذِّي تسيّب المحكومين، بمعنى خرق قواعد الدولة وضوابطها. نحصل على لا انضباطية شاملة، هي ما تُميزنا، دولاً ومجتمعات، لا عن الغرب الحديث وحده، بل كذلك عن شرق وجنوب شرق آسيا. وأقوى التسيّب هو بطبيعة الحال تسيّب الأقوياء، أصحاب السلطة، لكن اتساع تسيّب العموم هو أعم التسيّب، وهما معاً وجها البنية السائبة التي تجعل مجالنا من العالم مجال توحش.

السيبة الدينية

كان ابن خلدون قد قال إن العرب وغيرهم من «الأمم الوحشية» لا يستقيم أمرهم بغير دين. بعد ابن خلدون بأكثر من ستة قرون نستطيع القول إن الدين ذاته قد يصير قوة توحش، وقد رأينا ذلك عياناً بياناً في هذا القرن الحادي والعشرين، حتى إن هناك تنظيراً دينياً سياسياً حوله (إدارة التوحش لأبي بكر ناجي)، يستمرئ التوحش ويتكلم عليه كطور مرغوب، وإن يكن خطيراً، من أطوار تاريخ «الأمة» (المسلمين السنيين مفكراً فيهم كفاتحين لا كمؤمنين). وإنما لذلك لا يستقيم تشبيه الإخباريين المغاربة للسيبة بالجاهلية والوقوع خارج الأحكام الشرعية على ما أورد العروي كذلك (الأصول…، ص 96). رأينا في سورية سيبات دينيةً متعددةً، مُضافة إلى السيبة السياسية، تكفي للقول إن الأحكام الشرعية، بل ووجود «دولة»، لا ينفي شرط السيبة. الدولة تكاد تكون سيبة منظمة، وقد كانت في سورية وليبيا وعراق صدام كذلك، وانتهت ثلاثتها إلى سيبة غير منظمة. كانت الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش، سيبة وحشية، تفوّقت على نظام صدام في الانفلات والقسوة.

واليوم، الفزعة العشائرية جزء من الدولة في سورية، وتظهر الدولة هنا كشرط لإنتاج السيبة وليس لإلغائها. واليوم كما بالأمس القريب لا تُفهم العشيرة إلا كـ«منظمة شعبية»، تكوين اجتماعي لا يستمر إلا عبر الدولة ورعايتها له. وهو ما يعني بالمقابل أن الدولة مجتمعية وليست سياسية وقانونية، جهازُ غلبةٍ لبعض المجتمع على بعضه.

قد يلزم اليوم قلب أطروحة العظيم ابن خلدون، للقول إن التحضّر بمعنى محدّد: ضبط وحش السلطة، هو المدخل للتحضر الديني ذاته. أديان المتوحشين تجنح لأن تكون متوحشة مثلهم. وبالعكس، الدين يتحضّر بتحضّر المجتمع أو الطبقة التي تعتنقه، مثلما يقول نوربرت إلياس في الجزء الأول من العملية التحضيرية (The Civilizing Process, the History of Manners، ص 200).

الأقل حرية 

هذه التصورات الثلاث، التخلف (الاقتصادي والتكنولوجي) والتأخر (الوعي والسلوك) والتسيّب (السلطة والحكم)، هي ما تُقدِّم مجسماً ثلاثي الأبعاد لبؤس حال العرب المعاصرين منذ الاستقلال إلى اليوم. فإن كان لكاتب هذه السطور أن يخصَّ واحداً منها بكونه منبع َالسوءِ في أحوال العرب فهو السياسة الغريزية، أو «المُلك الطبيعي»، أو دولة الشوكة والغلبة، أو دولة السيبة، أو الدولة البرية. في الغرب يسمونه: الاستبداد الشرقي.

نحن في حالة طبيعة مؤبدة، تجمع بين دلالتي كلمة الطبيعة عند هوبس وابن خلدون، بين حرب الجميع ضد الجميع وبين حكم الهوى والغلبة والشوكة، مقابل الحكم المدني أو السياسة العقلية.

وقد يكون مما يَحول دون التحضُّر بُنى سياسية ونفسية، جمعية ومديدة، لم يجرِ تحديها وخلخلتُها. منها ما تقدَّم الكلام عليه من نقص التشكُّل. الثقافة والحضارة في النهاية أشكال وتشكيل، إنتاجٌ للأشكالِ الجديدةِ. السلطة لدينا أقرب إلى قوة خام بلا شكل، غول، ونحن من أدنى شعوب العالم حريةً، ولعلنا الأدنى بإطلاق والأعمق لا-حرية، بالنظر إلى تشابك لاهوتي سياسي في لا-حريتنا، لاهوتي يُغذِّي التبعية، وسياسي يَقمع الحرية. وتُفاقِم ذلك شروط تاريخية حديثة، منها دولةُ اليهود المعاصرة، ومنها منابعُ الطاقة في منطقتنا وما التقى فيها من دخول ريعية بلا جهد ومن طلب الحماية الأجنبية وعدم تولي مسؤولية الذات.

حصار ثلاثي

وبنظرةٍ عريضةٍ من جديد، يُمكِن تمثيلُ شرط اللاحرية العربي بطرق مقطوعة من ثلاث جهات لا يوجد غيرها، حالة حصار ثلاثي: قطع الطريق إلى العالم على يد القوى المسيطرة عالمياً، إمبراطورية الغرب، التي شكّلت العالم على صورتها ومِثالِها، والتي عبر رعاية إسرائيل تخفِّض الوجود المحتمل للعرب ما دون السيادة، وإلى سياسة تابعة. الغيتو النووي المُسمّى إسرائيل مركزي في قطع الطريق إلى العالم. لدينا هنا سيادة قوية، قادرة وعازمة على سحق أي طرف عربي قد يقاومها، وقصتها معيار للقصة المعقولة المقبولة عالمياً. يمثل على ذلك قمع الأكثر نشاطاً ممّن يحاولون أن يمثلوا أنفسهم، بخاصة فيما يتصل بالشأن الفلسطيني، وفي كل حال يهمش إمكان تمثيل الذات في بلدان الغرب، كما بقدر أكبر وأكبر في بلدان مثل الهند والصين، ومن قبل أوربا الشرقية، وروسيا. إسرائيل العالمية global Israel ليست أكبر من فلسطين، ولكن من العرب كلهم، وتكاد تطابق الغرب، الذي يمكن وصفه بالقوة والحضارة العالمية المعولِمة. وتتكفل تكنولوجيات التجسس بحرمان القوى العربية من الداخل فوق حرمانها من الخارج من النفاذ إلى العالم. والاستئثار التام بسلاح الطيران يقطع الطريق العمودي إلى الأجواء، بينما تتجاوز مساحة إسرائيل الجوية البلدان العربية كلها. وأخيراً فإن القانون الدولي، وهو ليس لمصلحة العرب، لكنه يُمكِن أن يشكّل حماية من نوع ما إن جرى احترامه، لا يجري احترامه لأن الخصوم هم الولايات المتحدة وإسرائيل، قوتان مارقتان ومستثناتان من القانون.

وفي المقام الثاني الطريق إلى المستقبل مقطوع من قبل قوى السيطرة السياسية في بلداننا لأنها إما أبدية ولا تتغير، أو هي دول عصائب وقبائل تتحلل إلى سيبات وبريات يسودها قانون الغاب في مواجهة التمردات الاجتماعية. أي أننا إما أن نعيش في حاضر أبدي، خارج التاريخ، أو في عماء حقوقي وسياسي وحضاري، خارج التاريخ كذلك.

وفي المقام الثالث الطريق مقطوع إلى العمق الروحي والنفسي، من قبل قوى السيطرة الدينية، الإسلاميون بعامة وبخاصة السلفيون. يتعلق الأمر هنا بالفقر الروحي والأخلاقي، بانقطاع الطريق إلى السماوات الداخلية من جهة، وما يُكمِل هذا الانقطاع مما نسميه الضمير الخارجي من جهة أخرى، أي الطاعة والانضباط بأوامر ونواهي سلطات دينية (مفتون، خطباء، أئمة…). وباختصار، بعدم وجود ذوات حرة. بلا سماء في أنفسنا، مقطوعين عنها ومحاصرين، لا يكاد يجري التعويض عن الضمور الروحي في مجالات أخرى: الأدب والفن والفلسفة والإنسانيات إلا بقدر محدود. وهو ما يؤسس لضعف الحرية والتفكير الحر والنضال التحرري في مجالنا.

وفي مفعوله المباشر يُشبِه هذا الحصار المثلث التعذيب من حيث أنه يقلل ويصغّر المحاصرين أو المعذبين، يجعل منهم أقلية سياسية دائمة. بلداننا من الأكثر تعذيباً في العالم على أي حال، والسلطة في مجالنا هي سلطة على الناس مثلما قلنا فوق، سلطة إكراه وليست سلطة إنجاز.

دون عالم خارجي ودون عوالم داخلية، ودون حياة سياسية، يعيش العرب المسلمون المعاصرون حالة بؤس عميق تجعل منهم البروليتاريا السياسية والروحية في عالم اليوم. الفقر الروحي يرد الناس، المسلمين العرب، إلى أجساد غليظة أو روبوتات ورعة. وفي عالمنا الضيق، المحاصر من جميع الاتجاهات، نعيش في اختناق مديد، محرومين من هواء الحرية ونورها.

فإن صحَّ هذا الطرح فإنه يحكم على القصتين الكئيبتين اللتين يرويهما العرب لأنفسهم عن وضعهم في العالم المعاصر، قصة التخلف وقصة الهزيمة، بأن تكونا طرحين جزئيَّين. التخلف لا يحيط بوضعنا الراهن المُتَّسم بالفقر الشامل، المادي والسياسي والثقافي والروحي، وبالضياع بالتالي، وبالتحلل. والهزيمة لا تحجب تصوُّر النصر المطلوب فقط، وإنما هي تتصوًّر أنه يُمكِن الانتصار بالسلاح على إسرائيل وحلفائها، وهذا غير صحيح. هناك انتصار حاسم يحتاج العرب إلى تحقيقه، الانتصار على أنفسهم، أو تغيير أنفسهم، وفتح الطرق بينهم وبين الروح والمستقبل والعالم.

ووفقاً لصورة الحصار أو قطع الطرق التي نحاول بها تمثيل أوضاعنا الراهنة، فإن أقوى عوامل التآكل العربي ذاتية، يُكمِّلها ويثبتها فعل أعداء خارجيين.

مسائل للعرب

يحوز التفكير في المسألة العربية معناه من الارتباط بأربع مسائل أخرى: المسألة الإسلامية، المسألة الإسرائيلية، المسألة الغربية، ومسألة العالم. يتكوَّن مستوى ذاتية للعرب، تركيب من الحرية والتنظيم، بالعمل على هذه المسائل، أي التشكّل كذات تاريخية تطرح على نفسها مسائلَ أو تستجيب بمرونة على ما فرضت نفسها عليها من مشكلات، وتعمل على إحراز قدرٍ من الوضوح بشأنها. المسألة العربية، بعبارة أخرى، هي التفكير بالذات، وبالمشكلات الكبرى المتصلة بوضع هذه الذات في التاريخ والعالم المعاصر.

تناول كاتب هذه السطور كلاً من المسألتين الإسلامية والإسرائيلية في مادتين سابقتين، وهما تبقيان مفتوحتين على مزيدٍ من التأمل والنقاش بطبيعة الحال. أمّا المسألة الغربية فحاضرة بقدر كبير في كتابات معظم المثقفين العرب في القرن الماضي وبقدرٍ ما هذا القرن. والنقطة التي يتعينُ الإلحاح عليها أن الغرب الحديث، رغم حالة الحصار، وبصورة ما بسببها، منّا وفينا، مكوّن أساسي لثقافتنا ومجتمعنا وسياستنا، ومصدر للتعددية في هذه النطاقات في المجال العربي. بل إن الشأن العربي المعاصر، في صيغة العروبة أو في صيغة القومية العربية، لا قوامَ له دون المكون الغربي الأساسي. لا بل إنه يصعب تصوّر الإسلام المعاصر ومسائله وانشغالاته وتعبيراته السياسية، وتشكُّل الإسلامية الواعي قليلاً أو كثيراً في صورة حركة قومية مُتطلِعة إلى السيادة، دون الغرب. الغربُ مسألة لنا ليس لأنه قوة أو قوى خارجية هناك، بل لأنه داخل فينا بكل صورة ممكنة، وبأشكال حميدة وخبيثة في آن.

ليس حظاً طيباً للعرب الحديثين أن يكونوا في علاقة غير ودية مع الغرب. عدا التجربة الاستعمارية، ثم إنشاء إسرائيل، هناك طبقة عميقة في هذا العداء تُحيل إلى الأزمنة الإمبراطورية العربية والإسلامية وصراع المجالين الإسلامي المسيحي، طبقة تنشّطت بفعل التجارب الأحدث. العداوة تُضعِف فرص التماهي بالمتقدمين ومحاكاتهم وتقليدهم والتمثل بهم، وبالعكس تُقوي فرص التعريض بالانبهار بالغرب، يُدان به من يتعلمون وفق المناهج الغربية، ويعملون على عقلنة وإصلاح أحوالنا بالاستناد إليها، ممّا يثابر الإسلاميون على استنفاره. وعبر ذلك صار الدينُ مرسىً للانفعالات العدائية، أساساً صلباً لنفي العالم وإرادة تدميره، فصار منبعاً للشقاء والتمزق، لا مصدراً للسكينة والالتئام. توافقت مخاصمة الغرب مع شيئين: تراجع القليل من الحرية الذي أُتيح قبل زمن الاستقلال وبعده بقليل أحياناً، وبالقدر نفسه تدهور حضاري أو انطلاق عمليات ترثيث اجتماعية وسياسية وثقافية، عكست نفسها في تدهور نوعية الحياة وفرار الناس من بلدانهم. ليس أن العلاقة سببية بين سوء العلاقة بالغرب وتدني حريتنا وتحضرنا، فحسن العلاقة بالغرب لم يتوافق بحرية وتحضر في العديد من بلداننا. يقتضي الأمر اختياراً وقراراً من أجل التحرر والتحضر على مستوى النخب الفاعلة، أن تكون هذه النخب متحررة ومتحضرة هي ذاتها، وهذا غائب.

الغرب منا وفينا بمعنى أنه لا سبيل إلى فك أحوال الحصار الموصوفة فوق، دون العمل على تجاوز شكل الارتباط الراهن، المريض، المُعوِّق، والعمل مع غيرنا على إصلاح العالم الذي أوصلته القيادة الغربية إلى طريق مسدود.

مسألة العالم

أمّا مسألة العالم فتُحيل إلى الواقعة الحديثة جداً، عمرها قرنان بالكاد، لوجود مترسخ لعالم واحد متشابك، هو مصلحة عامة للبشر، لنا مثل غيرنا أو أكثر، وإن كان نظامه مستوجباً للإصلاح في كل حال من أحواله. ليس هناك وجه لأن نعتبر العالم شأن الغرب، فنظام العالم قد أقامه الغرب فعلاً، وهو يعكس صورته أكثر من غيره، لكنه يبدو اليوم في تأزم متزايد شامل، ويتعين على العرب مثل غيرهم المساهمة في إصلاح أحواله، بقدر ما إنه يتوجب عليهم المشاركة وتحمل المسؤولية عن أدوائه وأسوائه، وبعضها مما جنت أيدينا.

إلا أن نظرتنا إلى العالم تتراوح ما بين السلبية والتشكك، والاختزال إلى الغرب، وفي شكله المعتدي والمستعمر حصراً، هذا حين لا نشكك في وجود العالم أصلاً ونجاعة التفكير في ظاهرة العالم. هذا ضال. العالم موجود والأدلة على وجوده كثيرة: الإرهاب- إرهابنا، اللجوء، المشكلة البيئية، تكنولوجيا الاتصالات، وباء كورونا. مفهوم السوليبسيزم، أنا وحدي موجود في العالم، ليس من ظواهر التفكير الفلسفي الأوروبي في زمن صعود البرجوازية والفردانية، بل هو قبل ذلك من ظواهر تفكير الجماعات والثقافات والأديان بذاتها، وهو حال الغرب بقدر كبير، لكنه كذلك حال المسلمين والعرب. يلزم في كل حال كسر القوقعة الأنا- وحدية هذه، أو ما يؤديها العروي في الفلسفة والتاريخ بعبارة أبسط: الذاتية، بالمطارق، وتناول جرعة كبيرة من موضوعية العالم وعالميته.

السؤال الجدير بالإثارة ليس ما إذا كان العالم موجوداً، بل: هل نحن موجودون؟ وهو سؤال طرحه بالفعل إدوارد سعيد، وأضاف: أين دليلنا على أننا موجودون؟ (كتابه: بعد السماء السابعة). سؤال سعيد أوثق صلة بفلسطين، إلا أنه ما من شك في أنه ما كان ليمانع في اعتبار سؤاله عربياً كذلك.

الأشياء لا توجد إلا معولمة اليوم. ليس الغرب، العالم المعوْلِم، وحده هو ما يوجد في صيغة الشمال العالمي، ولا البلدان الأقل تطوراً والأكثر عرضة للاستغلال وفشل الدول هي ظاهرة معولمة يتواتر أن يطلق عليها الجنوب العالمي، بل إن قضايانا الخاصة قضايا معولمة: فلسطين العالمية المنتشرة في كل مكان، بشرياً وكقضية، وسورية العالمية المنتشرة بدورها على نطاق واسع في العالم وإن بحضور أقل كقضية. وبالطبع الإسلام العالمي، الذي يجمع بين الانتشار الواسع وكونه شاغلاً عالمياً بصور مختلفة. الفرق أننا أقرب إلى عالم معولَم، متشكل بالعولمة وليس مشكِّلاً لها.

ويُثير هذا الشرط الجديد سؤال الرسوخ في العالم الذي يمكن التفكير فيه بارتباط مع سؤال الرسوخ في العلم الذي كان الإسلام المحمدي إجابة عليه بإدراج العرب في الأفق الإبراهيمي. أفق اليوم أوسع بما لا يقاس، ومستوجب للملاقاة بقدر أكبر. وظاهرٌ أننا لسنا راسخين في العالم، وأن الرسوخ في علمنا القديم لا يُرسِخنا في العالم الحديث، بل بالعكس، يخلعنا، ويجعل منا طائفة غريبة منفرة.

ومن جديد، التفكير في المسألة العربية هو انشغال بهذه المسائل التي تُشكِّل إحداثيات ممكنة للوعي الذاتي العربي، المرغوب تطويره اليوم من أجل مطابقة الوجود في العالم. العرب بدورهم ظاهرة عالمية، وبمعنى قوي للكلمة، يتجاوز الانتشار البشري إلى التمثيلات التي يغلب عليها ما هو سلبي، إلى دور منابع الطاقة في تطور الرأسمالية وصراعات جيوسياسية في القرن العشرين، إلى المسألة الإسرائيلية، العالمية والمعولمة (بفتح وكسر اللام معاً) بقدر كبير.

ليست مسألة قومية

فإن كان ما تَقدم قريباً من الصواب، فإن المسألة العربية ليست مسألة قومية، ليست متولِدة عن عدم حل المسألة العربية بوصفها مسألة حق تقرير مصير وسيادة، مثلما يقول عزمي بشارة الذي يبدو أنه يقدم برهاناً دائرياً: هناك استثناء ديمقراطي عربي بسبب عدم حل المسألة القومية العربية، ولا يبدو أن هناك حلاً غير ديمقراطي لهذه المسألة. لا يخرج القارئ بفكرة واضحة من الكتاب، وعنوانه المسألة العربية، بأثر قول شيئين متعاكسين في الوقت نفسه. وهو ما يفاقمه أن الكتاب الذي أُلِّف في أجواء ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق يساجل بانفعال مع أفكار لا تُقتبس من مصادر معلومة ولا يُسمي أصحابها، وهو ما أحل «التلطيش» محل النقاش الواضح.

وما لتناول بشارة من ميزة إيجابية مبدئية، تتمثل في تصوّره بأن تقويض الرابط العربي يرد مجتمعاتنا إلى مسلمين ومسيحيين، سنيين وشيعة وعلويين ودروز وغيرهم، يُهدَر بافتراض أنه ما من حل غير قومي عربي للطائفية في بلداننا. التحييد الجزئي للطائفية في مرحلة «المد القومي» لم يتحقق بإحلال الانتماء العربي محل الانتماءات الأهلية، بل بفعل كون الانتماء العربي ذاته عنصراً في مشروع تقدمي وتحرري، واعد بالعدالة والحرية، مثلما بدا بين خمسينات وسبعينات القرن العشرين. على علّاتها، القومية العربية في صيغتها الناصرية أو البعثية لم تكن مجرد تسييس للرابط الإثني العربي المتصور، بل مشروع تحرر مناهض للاستعمار ومقاوم لإسرائيل، وفي الوقت نفسه مسعى للتقدم الاجتماعي، علماني مبدئياً، ومتجه نحو اشتراكية من نوع ما (إصلاح زراعي، نشر التعليم، تأميم شركات أجنبية…)، مع قدر من تحرر النساء. الرابطة العربية بحد ذاتها ليست الحل، بل ما ارتبطت به من وعود تحررية، أي من قصة جديدة محتملة. منذ سبعينات القرن العشرين انفكت العلاقة بين العروبة والتحرر، وصار العرب إثنية متخيلة، والقومية العربية إيديولوجية مشرعة لسيبات يديرها قَتَلة مثل صدام حسين وحافظ الأسد. تهافت القومية العربية يعود إلى أن الدول التي تجسدت فيها والأكثريات التي ظهرت في حقبتها تبخرت بسهولة بفعل تكشّف عجز تلك السيبات عن الإقناع بتحرريتها وعدالتها.

فإذا صح ذلك فإنه يمكن لمشروع للتقدم الاجتماعي، أي لدولة تقدمية وتحررية ومسؤولة اجتماعياً، تعمل على الخروج من السيبة في أي من بلداننا القائمة، أن يحل المشكلة ويشكّل أكثرية اجتماعية جديدة غير وراثية. ليس فقط أنه ما من مانع مبدئي في أن تعالج وتحل مشكلات الطائفية في بلداننا القائمة، بل نقدر أنها لا يمكن أن تحل إلا فيها، وهو ما يوجب إصلاحا جذرياً لدولنا القائمة لتصير دول قانون ومواطنين.

ما بعد قومية بالأحرى

قد يمكن وصف المسألة العربية بأنها ما بعد قومية، منشغلة بالتحضّر والنهضة، وبالعروبة كإطار لغوي وثقافي. الكلام على ما بعد قومي يبدو ملتبساً وغامضاً. هو كذلك بالفعل. فهو يعني في آن لا قومي، ثم ما يأتي زمنياً بعد طور قومي، أي أنه مر بالقومي، الذي يبقى حاضراً بصورة ما في الذاكرة. تعبيرات من نوع من المحيط إلى الخليج لم تكن تدل على مجال فقط، وإنما كذلك على إرادة ومشروع، ثم ربما على انقلاب إرادة ومشروع على نفسيهما، كما في صيغة لمحمود درويش: من المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط، كان يعدون الجنازة وانتخاب المقصلة!

وبالدلالة الإيجابية يعني ما بعد قومي ما تقدم ذكره من تحضر ونهوض ثقافي مأمولين، ومن أولوية الحرية. المسألة العربية مسألة تحرّر وتحضر، خروج من السيبة والبداوة السياسية والملك الطبيعي.

وهو ما يزكيه كذلك المشهد السياسي العربي طوال تاريخنا المعاصر، حيث لا يقتصر الأمر على أن العرب لا يتوحدون، بل على أنهم كذلك لا ينفصلون، على ما تشهد قممهم المتواترة العقيمة، بل وما تشهد عليه خلافاتهم المتواترة بدورها التي تقول هي ذاتها إن العرب دائرة تقارب لأنهم دائرة نزاع. فالنزاع يجري بين المتقاربين إلى درجة أنه يكاد يصعب التمييز بينهم. نرجسية الفروق الصغيرة التي تكلم عليها فرويد تضيء هذا الشرط. وما يمكن ترتيبه على هذا الواقع المديد هو الحاجة الحيوية لإخراج العلاقات بين الأطراف العربية من السياسة (والسيادة) إلى دوائر الثقافة والاجتماع، وربما الاقتصاد.

فإذا كان العرب هم الأقل حرية والأعمق لا حرية في العالم المعاصر، فإن تغيير هذا الشرط هو المدخل إلى معالجة المسألة العربية. والتحدي هنا ديني سياسي، يواجه الحصارين في حاضر مؤبد بلا تغير (و/ أو في سيبة متوحشة)، وفي أجساد غليظة بلا روح، أي الحرمان من المستقبل ومن السماء الداخلية. وهو إن كان متصلاً كذلك بمقاومة الإكراهات الخارجية المتصلة بالكولونيالية المتمادية في المجال العربي بفعل الواقعة الإسرائيلية العدوانية المدعومة والمرعية من مستعمرينا السابقين، وفتح الطريق إلى العالم، فإن التركيز الحصري على هذا البعد الإمبريالي يغيّب حقيقة أننا غير أحرار من الداخل، ضامرون روحياً، يستجيب أكثرنا لما حولهم بطريقة رد الفعل التي تعني غياب البنية الداخلية أو البيت الداخلي، أو الذات الحرة. الكيدية في تفاعلاتنا تقول إن منطق رد الفعل يتحكم بنا، بل منطق المنعكسات الشرطية. وهذا أدنى أنواع المنطق.

وإنما بأثر هذا الحصار الذاتي، العرب المعاصرون بلا قصة فوق كونهم بلا قوة. الانشغال بالمسألة العربية هو محاولة لفهم هذا الواقع.

تحرر الروح

المسائل صعبة وغامضة، ولها دورة حياة تتجاوز حياة الأفراد أمداً وتعقيداً. وفي مواجهتها قد يكون الأنسب تطوير استعداداتنا للتحير وتعليق الحكم، وتجنب الوصفات السهلة. ولعلنا عبر ذلك نطور أهليتنا على استيعابها شيئاً فشيئاً، وبالتالي على التكوّن كذوات حرة فاعلة. المسألة العربية محلولة حين نكتسب هذا الشكل، شكل الذوات الحرة الفاعلة. ومشكلتا التحرر والتحضر محلولتان سلفاً حين نأخذ بالتشكل كأفراد عاقلين أحرار منتجين. أعني بأعداد أكبر، ليس نخبة محدودة ولا أفراداً موهوبين أو «فلتات».

وما يرجح أولوية التحضر والنهوض حتى من مدخل السياسة العملية اليوم هو واقع مختبر مراراً منذ هزيمتنا المشينة في 1967 على الأقل. إذ لا يمكن أن يفوز العرب بالمعركة بسلاح الغير وتكنولوجيا الغير وعلوم الغير. هذا قاله عبد الله العروي منذ سبعينات القرن العشرين (في أزمة المثقفين العرب). وهو يبقى صحيحاً حتى لو لم يكن الغير من أسياد التكنولوجيا والعلم والسلاح معادين للعرب أو غير ودودين حيالهم، مع احتضانهم إسرائيل بالمقابل بحب ودلال. فالمسألة هي أن تكون محاربة عدو مجاهر جزء من صراع أوسع للتحكم بوسائل القوة في العالم المعاصر، ومنها العلم والتكنولوجيا والسلاح، ومنها اقتصاد ينتج ودخول تتحسن ونظم تعليم تتطور ومؤسسات سياسية تستوعب النشاط السياسي للملايين وعشرات الملايين في كل بلد. أي من جديد النهوض والتحضر. ولا يقتصر الأمر على أن مواجهة عدو منتج للعلم والتكنولوجيا والسلاح، حسن التنظيم، ويتمتع مواطنوه بحقوق وحريات ودخول تتحسن، توافق مع تحطم مجتمعاتنا وانتكاسات كبيرة في وعينا، بل وتحول مواجهة العدو إياه إلى خطة للسيطرة السياسية والإيديولوجية في بلداننا، توافقت بدورها مع عبوديات سياسية وإذلال عام. هنا ثمة فشل في مواجهة الذات والعمل على إصلاح أمرها، والتذرع بالعدو لحراسة دوام أوضاع غير صالحة. ومن يفعلون مثل ذلك هم أعداء أنفسهم، أعدى عليها من أعداء آخرين.

ولنقم الآن بتمرين خيالي ونفترض أننا بمعجزة ما حررنا فلسطين في هذه اللحظة رغم كل شيء. هل سيكون ذلك بالفعل مكسباً عظيماً للفلسطينيين؟ أم ربما يبدأ تنازع على إلحاق فلسطين بأحد محاورنا السياسية أو الدينية أو الطائفية وتمزيق مجتمعها، وما يلزم من أجل ذلك من اعتقالات وتعذيب واغتيالات ومجازر؟ وليترك التحرير طعم الرماد في الأفواه. هذا مرة أخرى للقول إن المشكلة الكبيرة ليست في وجود العدو وقوته حصراً، وإنما هي في شكل وجودنا السيء والمتهافت. الوجود المعدوم الروح. مساحاتنا الروحية هي الأوْلى بالتحرير من قيود الجمود والتقليد والطقسية، لأننا بذلك وحده نصير قابلين للحرية. وليس أوطاننا وأراضينا المحتلة غير أصنام حين لا نكون أحراراً، وأكثر من ذلك حين تصير ذريعة لتجميد أوضاعنا السياسية والدينية والاجتماعية مثلما هو جار اليوم وطوال الوقت.

المسألة العربية موضوعها التفكير في هذا الوجود السيء المتهافت، والعمل على نقله إلى وجود أجود وأقوم، وجود روحي متحرر.

فلسفة

يعتقد هشام جعيط أن العرب أمة فلسفية إلى جانب كل من اليونانيين القدماء والألمان الحديثين (قال ذلك في كتاب حواري حرره كارم يحيى: هشام جعيط، حوار في الفكر والتاريخ والسيرة). هذا كلام مشجع بالنظر إلى قلة من يقال من أشياء إيجابية عن العرب اليوم، بما في ذلك من مثقفيهم. وهو مشجع أكثر حين يأتي من رجل عارف رصين مثل جعيط. لكن دون ميل إلى «المناقصة» من طرف كاتب هذه السطور، أعني توبيخ النفس والانتقاص من شأنها، وهو ميل شائع كفاية في أوساطنا مثلما كانت المزايدة يوماً، لا يبدو كلام جعيط مقنعاً. الفلسفة اليوم موزعة بين الأمم، ولا تزال «نافقة الأسواق» (بعبارة ابن خلدون) في «العدْوة الشمالية» (أوروبا) أكثر من غيرها، «رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة». وللعرب فيها نصيب يتحسن، لكنه لا يزال محدوداً، ولا يكاد يكون لقومنا إسهام مميز في فلسفة العالم، مساءلته وصنع معناه. كان مجايل لجعيط، محمد عابد الجابري، يقول إن الحضارة العربية حضارة فقه؛ أي أننا أمة فقه لا فلسفة، ضبط وتحكّم لا روح وحرية (القليل من الضبط والتحكّم كذلك في الواقع). ومنطلق هذه الحضارة أو «الأمة»، الواقع الأكثر حقيقية من غيره، هو الكتاب والميراث النبوي، يُشرحان وتُستخرج منها قواعد للعبادات والسلوك، يسكن إليها ويسكن فيها المؤمنون، يحتمون بها من عوادي الزمن. بنية الدليل الذي يثبت الحقائق في ثقافتنا الموروثة نقلية وسمعية، ليست بصرية، والبرهان ليس أن ترى رأي العين، بل أن تسمع عبر سلسلة نقل غير «جريحة». لهذا عواقب خطيرة منها أن الحقيقة تأتينا من الماضي، وأن آذاننا أهم من أعيننا و«أشرف»، ومنها أن الله يسمع ولا يرى، وأن فنون التصوير محرمة، ولعله يتصل بها أننا «سَمّيعة» ولسنا مشاهدون، نطرب للسمع والجمال الصوتي، أكثر من الجمال الطبيعي والفني والبشري. أهم نسائنا في القرن العشرين مغنية، أم كلثوم، هي كذلك أحد أكبر رواة سيرتنا بأغانيها.

أما «كتاب» الفلسفة فهو العالم والحياة (والموت) فيه، والدين نفسه موضوع محتمل من مواضيعها، وهي إقبال على العالم لا انسحاب منه.

ومؤلف الشخصية العربية والمصير العربي الإسلامي، جعيط، لا يكاد، على أي حال، يثني بين المثقفين العرب المعاصرين على غير عبد الله العروي، الذي ينفي من جهته أنه فيلسوف، بل يقول كلاماً غير طيب بحق الفلسفة. أو كان يقول. فهو أكثر إيجابية حيالها في كتابه الفكري الأخير: الفلسفة والتاريخ. بوصفها تفكيراً جذرياً على غير نسق سابق، أي حر ومضاد للتبعية، وبما هي تساؤل عن المناهج وابتكار للمفاهيم، يمكن للفلسفة أن تكون من أهم سبل نهضة العرب فكرياً وروحياً، وهو ما يصادق عليه مسار معظم من شغلتهم قضية النهضة في تاريخنا الحديث، وأهم مفكرينا المعاصرين، فضلاً عن الأبرز بين المفكرين القدامى. فإذا كان التاريخ مُحَكّماً، فإن النهضة لا تتحقق بالدين، بل بالفكر الحر والنظر الحر، ومنه النظر الأكثر جذرية الذي هو التفلسف. جعيط يقول إنه منذ هيغل حلت فلسفة الدين محل الدين، ربما. الأكيد أن الفيلسوف الألماني اعتبر الفلسفة شكلاً للروح أرفع من الدين.

وعلى أي حال نحن اليوم في وضع فلسفي وليس ديني، هذا إذا كانت حالة الحصار والفقر الشامل وضروب المعاناة الإنسانية الرهيبة، وإذا كانت الحيرة والشعور بأننا في لحظة صفر مجدداً، وإن كانت تجربة الأقاصي، معرّفات محتملة للوضع الفلسفي. حروب الإسلام والحرب الأهلية في دين الإسلام، والكراهيات والشماتات الدينية، تزكي الاعتقاد بأننا في وضع فلسفي، يمكن للدين أن يكون أحد موضوعاته الأساسية، فهو لم يعد يستطيع أن يكون ذاتاً، أو يؤسس لذاتية تاريخية. القصة القديمة صنعت هوية؛ تلزم قصة جديدة، إنتاج جديد للمعنى، من أجل ظهور الذات.

ويبدو بالفعل أن هناك اهتماماً أكبر من ذي قبل بالفلسفة، ولعله لم يسبق أن وُجِد هذا العدد من أفراد مستقلين، ذوات حرة مفكرة، في المنافي بخاصة. خاصية الزمن العربي الراهن هو أنه زمن منفى.

جعيط نفسه يقول في مقابلة أجريت معه عام 2018: العالم العربي في حالة مخاض لا يمكن أن ندرك مستقبله.

لا ميتافيزيقا 

مقدمة ابن خلدون التي أحلنا إليها قبل قليل هي أهم كتاب عربي بعد القرآن، وفي الآن نفسه كتاب غير رفيق بالعرب، بل هو شديد القسوة، ويحدث أن يحال إليه من أجل أحكام ماهوية عليهم، في سياقات سياسات الهوية وحروبها. المقدمة ليست كتاباً فلسفياً، والتراث الفلسفي المكتوب بالعربية من «فيلسوف العرب» الكندي، إلى الفارابي وابن سينا، إلى ابن رشد، لا يبدو متمفصلاً بقوة مع مشكلات المجال العربي أو مطابقاً لها مثل المقدمة. ولعله يُستخلص من أفضلية القرآن والمقدمة (ونضيف: ألف ليلة وليلة) مبدأ توجيهي إن خير علم العرب أو «من في حكمهم» كي نحاكي لغة ابن خلدون يتصل بالإنسان وموقعه بين الله والتاريخ والعالم. أو مثلما قلنا قبل قليل: بين الروح والمستقبل والعالم. العروي وجعيط أقرب إلى استمرار لابن خلدون منهما لابن رشد، فيلسوفان زاهدان في الفلسفة، وبخاصة في الميتافيزيقا التي ركن إليها فلاسفتنا القدامى.

لكن لماذا ليس العرب أمة شعر، ما دام الشعر ديوانهم، وما داموا قد عبّروا عن أنفسهم شعرياً قبل أن يعبروا دينياً وفلسفياً، وما دام الشعر فنهم الأصيل الذي لا يبدو أنهم تأثروا بأحد فيه؟ ثم ما دام قد ظهر بينهم شعراء عظام، قبل الإسلام وبعده، واليوم؟

ربما كان العرب أمة الشعر في الماضي ما قبل الإسلامي، وهو ماضٍ يُستعاد في سيرة عدد كبير من الشبان العرب الذين يصيرون شعراء فيما بعد أو لا يصيرون. لكن بعد الإسلام لم يعد الشعر هو ديوان العرب وسجلهم التاريخي أو الحقل الذي يجتذب أبرز نابهيهم. الدين وعلومه حلوا محله. والأكيد على أي حال أننا لسنا في وضع شعري، ربما في وضع روائي عبر عنه أحد أبرز شعرائنا، محمود درويش، الذي أسِف أنه لا يستطيع كتابة الرواية. أو في تصوري في وضع فلسفي، يسائل العرب عن معناهم، ويضمر أنه قد لا يكون لهم معنى، إلا إذا أعادوا اختراع أنفسهم وتحملوا مسؤولية وجودهم في عالم في أزمة، يفقد معناه أكثر وأكثر.

لملمة

فلنلملم القصة التي حاولنا روايتها. خرج العرب إلى العالم بعد أن انفتحت لهم السماء، أي بعد تجربة روحية، تمخضت عن دين كوني. عززت فجأةٌ ثانية، الفتوح، الفجأة الأولى، الدعوة، وأغنت عن تمأسسها. الخلافة كانت مأسسة للفتح كثيراً وللدين قليلاً، وهذا ظاهر منذ انتقل الحكم إلى الأمويين. والعرب لم يُظهِروا إلا نادراً كفاءة سياسية مميزة، فلم يكن لخروجيهما العالمي والروحي مستقبل سياسي معادل. وهم خرجوا من سياسة الملك الوسيع الذي أقاموه خلال قرنين. هذا سريع جداً قياساً إلى كونية القصة وسعة الملك الذي أقاموه.

اليوم العرب في حالة حصار عالمي وسياسي وروحي. النظام العالمي القائم والنظام السياسي المحلي ونظامهم الديني هي قيود على الحرية والعدالة معاً، وفي شكلهما الراهن الأخيران قيدان حضاريان كذلك.

كانت القومية العربية قصة قصيرة، قصيرة جداً، جمعت ضدها الخصوم ولم تنصر نفسها.

العمل على كسر الحصار هو ما يلزم من أجل قصة جديدة للعرب. هذا العمل نسميه التحضّر والنهضة والتحرر الفكري، أو ظهور الذات الحرة. كانت نهضتنا السابقة، قبل قرن ونصف سريعة وقصيرة. كان يلزم وقت أطول. الأشياء العظيمة لا تُنجز بسرعة، تحتاج وقتاً طويلاً.

كسر الحصار يأتي بأثر النهضة والتحضر، وليس بالفجأة التي وَسَمت قصتنا المؤسِّسة.