نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
قراءة في أسباب وكيفية المذبحة الأكثر هولاً في تاريخ إيران المعاصر في صيف عام 1988
في الذكرى السنوية لمجزرة السجناء السياسيين، تُعد دراسة أسباب وجذور تشكل هذه الجريمة ضرورة تاريخية وقانونية.
تظهر الوثائق المتاحة أن مجزرة السجناء السياسيين في صيف عام 1988 كانت عملية ممنهجة ومنسقة ومُخَطَّطاً لها مسبقاً. وقد بدأت الإجراءات التنفيذية لهذه الجريمة تحت عنوان “مشروع فرز وتصنيف السجناء” منذ خريف وشتاء عام 1987.
خريف وشتاء 1987؛ بداية مشروع تصنيف السجناء
بدأت العمليات التنفيذية للمجزرة في النصف الثاني من عام 1987. ومنذ أواخر خريف العام نفسه، قامت لجان خاصة تضم محققين من وزارة الاستخبارات ومعاوني المدعي العام في بعض السجون بتوزيع استبيانات تفصيلية أو إجراء جلسات تحقيق قصيرة وإلزامية.
تضمنت هذه الاستبيانات أربعة أسئلة رئيسية:
1. ما اسمك وتهمتك الدقيقة؟
2. ما مدة عقوبتك وكم المتبقي منها؟
3. ما موقفك الحالي تجاه المنظمة أو المجموعة التي تنتمي إليها؟
4. هل أنت مستعد لإجراء مقابلة تلفزيونية وإعلان الندم؟
السجناء الذين أصروا على موقفهم وذكروا تهمتهم بعبارة “مجاهد“، وُضعوا في قائمة “المتمسكين بالموقف“. وفرت هذه الاستبيانات الركيزة الأساسية لـ “قوائم الموت” للهيئات القضائية والاستخباراتية.
التنقلات المنظمة للسجناء
لتنفيذ الإعدامات الجماعية سرّاً، كان النقل الميداني للسجناء وقطع التواصل الإخباري بين العنابر أمراً حيوياً. في شتاء 1987 وربيع 1988، تغيرت البنية الجغرافية للسجون على النحو التالي:
1. النقل إلى إيفين: نُقل السجناء المقاومون ذوو الأحكام الطويلة (مثل السجن المؤبد أو 20 عاماً) من سجن جوهردشت إلى العنابر الأمنية في إيفين.
2. التغييرات في جوهردشت: نُقل أكثر من 100 سجين من “ملي كش” (أولئك الذين انتهت مدة محكوميتهم ولم يُطلق سراحهم) إلى جوهردشت. كما تم تجميع السجناء الأقل خطورة في العنبر رقم 1، ليكون وجودهم في حال إجراء تفتيش دولي شهادة على نفي الإبادة الجماعية؛ رغم أنه في 9 أغسطس/آب، تم إعدام العديد منهم أيضاً.
3. التشتيت في المدن الصغيرة: في المدن الصغيرة وبسبب الروابط الاجتماعية القوية، تم إرسال السجناء المحليين إلى مراكز المحافظات أو المدن المجاورة لوقف متابعة العائلات وإرباكها.
التغييرات الهيكلية في السلطة القضائية ومؤسسة السجون
تطلب التحضير لتنفيذ الإعدامات بنية مطيعة. في 25 مايو/أيار 1988، تم تعيين الملا إسماعيل شوشتري رئيساً لمؤسسة السجون في البلاد. ولعب دوراً محورياً في التنسيق اللوجستي، وقطع الاتصالات، وإلغاء الإجازات، وتهيئة مناخ السجون، ثم أصبح بنفسه أحد الأعضاء المنسقين لـ “لجنة الموت” في تهران.
وفي الوقت نفسه، زادت الاجتماعات الاستثنائية للمجلس الأعلى للقضاء برئاسة الملا عبد الكريم موسوي أردبيلي. كما أدى الترويج للمواقف المتشددة في وسائل الإعلام الحكومية إلى تهيئة المناخ القضائي والعام لتصفية واسعة النطاق.
التحذيرات وإقامة الحجة المسبقة
تظهر الأدلة أن معاوني المدعي العام والمحققين كانوا على علم بالتخطيط للإعدامات قبل أشهر من أغسطس/آب 1988:
– ربيع 1988 (إيفين): أعلن المحققون صراحة خلال إعادة إعداد الملفات: “هذا الإجراء لإقامة الحجة؛ إما التعاون الكامل أو الحسم النهائي“.
– اللجنة المشتركة: قال المحققون لمسعود مقبلي (سجين سياسي من أنصار مجاهدين خلق): “نحن قادمون للحسم النهائي“.
– سجن تبريز (مايو/أيار 1988): أعلن عابديني، الحاكم الشرعي آنذاك، في عنبر السجناء: “قريباً سيتم الحسم النهائي بشأنكم جميعاً“.
بدء الإعدامات والأصداء الدولية
صيغت المقدمات الإدارية والميدانية للجريمة في الغرف المغلقة بوزارة الاستخبارات والسلطة القضائية. في 19 يوليو/تموز 1988، وبعد يوم واحد من قبول القرار 598 لوقف إطلاق النار، بدأت الإعدامات بإطلاق النار على غلام رضا كاشاني أقدم ومجموعة آخرين في إيفين. كان روح الله الخميني يهدف إلى إعادة بناء توازن قوى النظام بعد التراجع عن الشعارات الحربية.
في 16 يوليو/تموز 2020، أشارت مورغان أورتاغوس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، إلى 19 يوليو/تموز باعتباره الذكرى السنوية لبدء عمل لجان الموت، وطالبت بتحقيقات دولية مستقلة ومساءلة مرتكبي هذه الإعدامات خارج نطاق القضاء.
المسؤولية المباشرة للخميني ودحض الشبهات
تتعارض بعض الادعاءات القائلة بعدم دراية الخميني أو عدم إصداره أمراً مباشراً مع الوثائق التاريخية المؤكدة:
1. فتوى الإعدام الصريحة: صرح الخميني في فتواه: “إن الكافرين والمنافقين المصرين على موقفهم في السجون عبر البلاد يعتبرون محاربين ومحكوماً عليهم بالإعدام… وعلى السادة المكلفين بتشخيص الموضوع ألا يترددوا أو يشكوا“.
2. الرد على استفتاء موسوي أردبيلي: أكد الخميني في رده على الإبهامات التنفيذية: “في جميع الحالات المذكورة أعلاه، كل من كان في أي مرحلة مصراً على النفاق فحكمه الإعدام. أبيدوا أعداء الإسلام بسرعة“.
3. رسالة 6 أغسطس/آب 1988: كتب الخميني رداً على احتجاجات آية الله حسين علي منتظري (الخليفة الرسمي للخميني قبل عزله من منصبه بسبب احتجاجه على أحكام الإعدام التعسفية ومجزرة عام 1988): “المسؤولية الشرعية للحكم المذكور تقع عليّ، فلا تقلق“.
التثبيت الهيكلي لـ “نظام الإعدام“
لم تقتصر تداعيات هذا الأمر على صيف عام 1988؛ إذ أمر الخميني بإعادة النظر في الدستور، ملغياً شرط المرجعية ومستحدثاً السلطة المطلقة للولي الفقيه. وبناءً عليه، في المادة 186 من قانون العقوبات الإسلامي، اعْتُبِرَ تأييد المنظمات المعارضة – حتى دون المشاركة في أعمال مسلحة – في حال العلم بالمواقف، في حكم المحاربة. وأقر مسؤولون قضائيون آنذاك مثل محمد يزدي وعلي رازيني بأن هذا الحكم يدين تشكيلات الجماعات المعارضة بأكملها بشكل جماعي.
إدانة حميد نوري في المحكمة السويدية؛ خطوة في مسار التقاضي وإحقاق الحق
في 14 يوليو/تموز 2022، أصدرت محكمة ستوكهولم في السويد، بعد 92 جلسة محاكمة، حكمة بالسجن المؤبد على حميد نوري (عباسي)، أحد المتورطين في الإعدامات بسجن جوهردشت، بتهمة “ارتكاب جرائم حرب والقتل العمد“.
واستناداً إلى مبدأ “الولاية القضائية العالمية” وبناءً على شهادة 34 شاكياً و26 شاهداً، أكدت المحكمة أن إعدامات عام 1988 تمت بناءً على فتوى الخميني ووفق إجراءات تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُدان فيها أحد المنفذين المباشرين لمجزرة عام 1988 أمام محكمة دولية مختصة؛ وهو حدث جاء ثمرة لأكثر من ثلاثة عقود من جهود حركة المطالبة بالعدالة للضحايا.