لم يعد السؤال المطروح اليوم من يشكّل المعرفة، ومن يصنع الإعلام؟ بل أصبح: كيف تتشكّل هذه المعرفة، ومن هو الفاعل المؤثّر في إعادة إنتاجها. من هنا نقترب من الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد وسيلة تقنية، بل صار فاعلًا رئيسًا، وجزءًا لا يتجزأ من تركيبة التحولات التي حدثت في هذا العصر.
انطلاقًا من اهتمامنا بهذا الموضوع، طرحنا في “ضفة ثالثة” مجموعة أسئلة على الباحث الأردني رائد سمور، ليبرز رؤيته النقدية التي تجاوزت المقاربات التقليدية في قراءة التحولات الخوارزمية، من منظور إعلامي وفلسفي وحضاري. سنتناول في هذه المقابلة عددًا من القضايا، منها الهيمنة الرقمية، ومستقبل الجيل الطالع، وسوق العمل، واستعادة فكرة الإنسان وسط الثورة التقنية التي باتت تشكّل الوعي والإدراك.
ورائد سمور كاتب وباحث أردني مهتم بدراسات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والخوارزميات، وهو مؤسس ومدير مركز ريفلكت لدراسات التطور التقني وأثره في الإنسان، وعضو في رابطة الكتّاب الأردنيين. صدرت له مجموعة كبيرة من الدراسات والكتب، من أبرزها: “إدارة الأزمة في الإعلام الجديد“، و“أصداء رقمية”، و”هندسة الوعي في العصر الخوارزمي ــ استحضار غرامشي لفهم الهيمنة الجديد“، و“الأيديولوجيا الخوارزمية ــ من ألتوسير إلى الخوارزمية“، و“التقنية في قبضة ترامب“، و“رقيم السياسة ــ التحول الرقمي في الممارسات السياسية وإدارة القرار”.
هنا الجزء الثاني والأخير من هذا الحوار:
(*) نعيش اليوم وسط تحولات تاريخية لم تمر علينا من قبل، منذ الثورة الصناعية وكل التطورات في عالم الحوسبة والمعلوماتية. السؤال هو: إلى أين يمضي العالم؟
أعتقد أن الخطأ الأكبر هو أن ننظر إلى ما يحدث بوصفه مجرد تطور تقني. فالثورة الصناعية غيرت وسائل الإنتاج، والثورة الرقمية غيرت وسائل الاتصال، أما ما نعيشه اليوم فهو يعيد تشكيل الإنسان ذاته، طريقته في التفكير، والتعلم، والتذكر، واتخاذ القرار، وحتى إدراكه للواقع.
لهذا فإن السؤال ليس “إلى أين يتجه العالم؟”، بل هو “أي إنسان سيخرج من هذا العالم الجديد؟”.
لقد دخلنا مرحلة لم تعد فيها التكنولوجيا تحيط بالإنسان من الخارج، بل أصبحت تدخل إلى البنية الداخلية لإنتاج المعرفة والوعي. فالذكاء الاصطناعي لا يساعدنا على الكتابة فقط، بل يشارك في بناء الفكرة. والخوارزمية لا توزع المعلومات فقط، بل تعيد أيضًا ترتيب الواقع الذي نفهم من خلاله تلك المعلومات. ولهذا وصفت هذا التحول بأنه الانتقال من هندسة الأنظمة إلى هندسة الوعي، لأن موضوع التقنية لم يعد الآلة، بل العقل الإنساني ذاته.
وأعتقد أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف معظم المفاهيم التي بنينا عليها الحضارة الحديثة. فمفهوم العمل سيتغير، لأن جزءًا من الإنتاج الفكري سيصبح مشتركًا ما بين الإنسان والآلة. ومفهوم التعليم سيتغير، لأن حفظ المعلومات لن يكون هو القيمة الأساسية، بل القدرة على طرح الأسئلة، والتحليل، ما بين المعرفة والضجيج. وحتى مفهوم الحقيقة سيتعرض لاختبار غير مسبوق، لأن الإنسان لن يواجه نقصًا في المعلومات، بل فائضًا في الروايات والتفسيرات التي تنتجها منظومات ذكية متعددة.
لكن الأخطر من ذلك أن الصراع العالمي نفسه يتغير. في القرن الماضي كان التنافس على الأرض، ثم على الموارد، ثم على الطاقة، ثم على المعلومات. أما اليوم، فإن المنافسة الحقيقية أصبحت على إنتاج المعنى. من يملك القدرة على تشكيل تفسير الإنسان للعالم يملك قدرة هائلة على توجيه السلوك والاقتصاد والسياسة والثقافة معًا. ولهذا أرى أننا دخلنا ما أسميه اقتصاد المعنى، حيث أصبحت القيمة الأعلى ليست في امتلاك البيانات وحدها، بل في امتلاك القدرة على تنظيمها وتحويلها إلى وعي جماعي.
ومع ذلك، لا أؤمن بالنهايات الكارثية التي تتحدث عن سيطرة الآلة الكاملة، ولا بالتفاؤل الساذج الذي يرى في التكنولوجيا خلاصًا مطلقًا. فالتاريخ يعلمنا أن كل ثورة تقنية كانت تفتح آفاقًا جديدة، وفي الوقت نفسه تخلق أشكالًا جديدة من الهيمنة وعدم المساواة. والسؤال الحاسم دائمًا ليس “ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟”، بل “من يملكها؟ ومن يحدد أهدافها؟ ومن يضع القواعد التي تعمل وفقها؟”.
وفي تقديري، فإن العقود القادمة لن تشهد صراعًا ما بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل ما بين نموذجين للحضارة:
نموذج يجعل الإنسان شريكًا واعيًا في استخدام التكنولوجيا، ونموذج يحوّل الإنسان إلى مجرد عنصر داخل منظومة خوارزمية تدير اختياراته وسلوكه واستهلاكه.
لهذا، إذا ما سُئلتُ “العالم إلى أين؟”، فسأجيب: العالم لا يتجه إلى عصر الذكاء الاصطناعي، بل إلى عصر إعادة تعريف الإنسان. وكل الأمم التي ستكتفي باستهلاك هذه التحولات ستصبح موضوعًا للتاريخ، أما الأمم التي ستشارك في إنتاج المعرفة، وصياغة المفاهيم، وبناء النماذج الفكرية، فستكون هي التي تكتب تاريخ العصر الخوارزمي، لا التي تكتفي بقراءته.
(*) ما أثر الذكاء الاصطناعي في المعلوماتية والعلوم الإنسانية؟
أعتقد أننا نرتكب خطًا منهجيًا عندما نفصل ما بين المعلوماتية والعلوم الإنسانية. ففي القرن العشرين كانت الأولى تنتج الأدوات، وكانت الثانية تفسر الإنسان. أما اليوم فقد أصبح الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء المجالين، لأن الأداة نفسها أصبحت تتعامل مع اللغة، والمعرفة، والثقافة، والقيم، والقرار، أي مع المجال الذي كان يُعد حكرًا على العلوم الإنسانية.
ففي المعلوماتية، أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية من البرمجة الصريحة إلى التعلم من البيانات. لم تعد الأنظمة تُخبر الحاسوب بكل خطوة، بل أصبح الحاسوب يستنتج الأنماط ويبني نماذجه الخاصة. وهذا تحول تقني عميق سيعيد تشكيل البرمجيات، والأمن السيبراني، والطب، والهندسة، والاقتصاد، وجميع القطاعات تقريبًا.
لكن التحول الأكثر أهمية وقع في العلوم الإنسانية.
فعلى امتداد قرون، كان الباحث في الفلسفة، أو علم الاجتماع، أو الإعلام، أو الأدب، أو التاريخ، يعتمد على القراءة والتحليل والمقارنة بوصفها أدوات إنتاج المعرفة. أما اليوم، فقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه العملية نفسها؛ يقرأ، ويقارن، ويستخرج الأنماط، ويحلل الخطاب، ويولد الفرضيات الأولية، ويعيد تنظيم المادة العلمية خلال ثوانٍ.
وهنا لا تكمن الثورة في السرعة، بل في تغير طبيعة العمل العلمي. لقد أصبح الباحث يعمل داخل بيئة معرفية تشاركه في جمع المادة وتحليلها، ولم يعد يعمل في عزلة كما كان يفعل الباحث التقليدي.
غير أنني أرى أن هذا التحول يفرض على العلوم الإنسانية تحديًا أكبر من مجرد تعلم استخدام أدوات جديدة. فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي تأسست عليها هذه العلوم. فما معنى المؤلف عندما تشارك الخوارزمية في إنتاج النص؟ وما معنى القراءة عندما يسبقها التلخيص الآلي؟ وما معنى الذاكرة عندما تصبح المعرفة موزعة بين العقل البشري والمنصات الذكية؟ وما معنى الإبداع عندما تستطيع الآلة محاكاة معظم أشكاله؟
هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة فلسفية تمس جوهر الإنسان.
ولهذا أعتقد أن العلوم الإنسانية لن تتراجع أمام الذكاء الاصطناعي، بل ستصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. فكلما ازدادت قدرة الآلات على إنتاج المعلومات، ازدادت حاجة الإنسان إلى من يفسر معنى تلك المعلومات، ويكشف آثارها الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والسياسية والأمنية. إن الأزمة المقبلة لن تكون أزمة نقص في المعرفة، بل أزمة فهم لهذه المعرفة.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى الانتقال من تدريس الذكاء الاصطناعي بوصفه تخصصًا تقنيًا، إلى دراسته بوصفه ظاهرة حضارية متعدّدة الأبعاد. فلا يكفي أن نعرف كيف نبني النماذج، بل يجب أن نفهم كيف تعيد هذه النماذج تشكيل المجتمع، والهوية، والثقافة، والسلطة، والوعي.
وفي تقديري، فإن أكبر أثر للذكاء الاصطناعي لن يكون في تطوير الحواسيب، بل في إعادة تعريف العلوم الإنسانية نفسها. لقد انتقلنا من مرحلة كانت المعلوماتية تخدم الإنسان، إلى مرحلة أصبحت فيها المعلوماتية تشارك في تشكيل الإنسان. وهذا هو التحول الذي سيعيد رسم العلاقة بين التقنية والثقافة خلال العقود القادمة.
ولهذا، فإن المستقبل لن يكون للمتخصص في المعلوماتية وحده، ولا للمتخصص في العلوم الإنسانية وحده، بل لذلك الباحث القادر على الجمع بينهما، لأن معركة المستقبل لن تُحسم في مختبرات البرمجة وحدها، ولا في قاعات الفلسفة وحدها، وإنما في المنطقة التي يلتقي فيها الكود بالوعي، والخوارزمية بالإنسان.
(*) هل زاحمت الخوارزميات الإنسان فعلًا من حيث النقد والتحليل وعملية التعلم العميق؟
أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالخوارزميات لم تزاحم الإنسان في النقد بالمعنى الفلسفي، لكنها زاحمته في كثير من الأدوات التي كان يستخدمها للوصول إلى النقد.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم أن يحلل آلاف الصفحات في دقائق، ويقارن ما بين المدارس الفكرية، ويكشف الأنماط، ويستخرج التناقضات، ويقترح فرضيات، ويعيد صياغة الحجج بلغة متماسكة. وهذه قدرات ستغير بلا شك طبيعة البحث العلمي والعمل الفكري.
لكن النقد الحقيقي لا يبدأ عند تحليل النص، بل يبدأ عند مساءلة الإطار الذي أُنتج فيه النص نفسه.
فهنالك فرق ما بين أن تسأل “ماذا يقول النص؟”، وأن تسأل “لماذا كُتب بهذه الطريقة؟ ومن المستفيد من هذا الخطاب؟ وما الافتراضات التي يخفيها؟ وما الذي لم يقله؟”.
هذه الأسئلة لا تزال تنتمي إلى الإنسان، لأنها تتطلب وعيًا بالتاريخ، والسلطة، والثقافة، والقيم، والخبرة الإنسانية، وهي أمور لا تختزل في أنماط إحصائية، أو علاقات احتمالية.
أما في ما يتعلق بالتعلم العميق، فأرى أن هنالك التباسًا كبيرًا في استخدام المصطلح. فما يسمى في علوم الحاسوب بالتعلم العميق (Deep Learning) هو في جوهره قدرة رياضية على اكتشاف الأنماط داخل كميات هائلة من البيانات عبر الشبكات العصبية الاصطناعية. أما التعلم العميق الإنساني فهو شيء مختلف تمامًا، إنه القدرة على تحويل المعرفة إلى حكمة، والمعلومة إلى موقف، والخبرة إلى بصيرة.
قد تتعلم الخوارزمية من مليارات الجمل، لكنها لا تعرف معنى أن تعيش جملة واحدة.
وقد تحلل آلاف الروايات، لكنها لا تعرف معنى الفقد الذي كتب رواية عظيمة، ولا معنى المنفى الذي صنع شاعرًا، ولا معنى الهزيمة التي غيرت مسار فيلسوف.
ولهذا فإنني لا أعتقد أن الخوارزميات زاحمت الإنسان في جوهر النقد، وإنما زاحمته في الأعمال التمهيدية التي تسبق النقد. لقد أصبحت شريكًا في جمع المعرفة، وتصنيفها، وتحليلها الأولي، لكنها لم تصبح صاحبة الموقف الفلسفي منها.
بل إنني أرى أن هذه المرحلة تفرض على الإنسان مسؤولية أكبر. فكلما ازدادت قدرة الخوارزميات على إنتاج التحليلات، ازدادت قيمة الباحث القادر على إنتاج السؤال الجديد. فالآلة تستطيع أن تجيب عن كثير من الأسئلة، لكنها لا تعرف أي الأسئلة تستحق أن تُطرح أصلًا.
ومن هنا أميز دائمًا ما بين الذكاء الحسابي والوعي النقدي. الأول يستطيع أن يحسب الاحتمالات، أما الثاني فيستطيع أن يشكك في المسلمات التي بُنيت عليها تلك الاحتمالات. الأول يبحث عن أفضل إجابة، أما الثاني فقد يكتشف أن السؤال نفسه خاطئ.
لذلك، لا أرى المستقبل صراعًا ما بين الإنسان والخوارزمية، بل ما بين نوعين من البشر: من يكتفي باستهلاك ما تنتجه الخوارزميات؟ ومن يستخدمها لتوسيع أفقه النقدي من دون أن يتخلى عن استقلاله الفكري؟
وفي تقديري، فإن أعظم قيمة سيحتاجها الإنسان في العصر الخوارزمي لن تكون سرعة الوصول إلى المعرفة، لأن الآلة تتفوق عليه في ذلك، وإنما القدرة على إنتاج معنى جديد، وطرح سؤال لم يخطر بعد في ذاكرة الخوارزمية. فالتاريخ لا يتقدم بكثرة الإجابات، بل بجرأة الأسئلة.
(*) بالنظر إلى مستقبل الجيل الطالع، ما الذي يمكن أن نتنبأ به؟
أعتقد أن الجيل القادم لن يعيش مجرد تطور تقني، بل سيولد داخل بيئة حضارية مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة. نحن تعلمنا استخدام التكنولوجيا بعد أن تشكل وعينا، أما هم فسيتشكل وعيهم داخل التكنولوجيا منذ اللحظة الأولى.
ولهذا فإن التحدي الأكبر لن يكون في تعليمهم استخدام الذكاء الاصطناعي، لأنهم سيتعلمونه بصورة طبيعية كما تعلمت الأجيال السابقة استخدام الهاتف والإنترنت. التحدي الحقيقي سيكون في المحافظة على استقلالهم الفكري داخل بيئة أصبحت الخوارزميات تشارك في تشكيل اهتماماتهم، وذاكرتهم، وصداقاتهم، وقراراتهم، وحتى طموحاتهم.
إنني لا أخشى أن يعرف الجيل القادم أكثر منا، فهو سيعرف بالتأكيد. لكنني أخشى أن يطرح أسئلة أقل منا. فالذكاء الاصطناعي سيقدم له إجابات جاهزة، وسيختصر عليه طريق البحث، لكن اختصار الطريق قد يحرمه أحيانًا من بناء القدرة على الشك، والمراجعة، والاكتشاف. وأخطر ما قد يحدث لأي حضارة هو أن تمتلك إجابات أكثر مما تمتلك أسئلة.
كما أتوقع أن تتغير معايير النجاح جذريًا. ففي الماضي كان امتلاك المعلومة يمنح صاحبه ميزة، أما في المستقبل فستصبح المعلومة متاحة للجميع تقريبًا. وستنتقل القيمة إلى القدرة على تفسيرها، وربطها، ونقدها، وتحويلها إلى معرفة، ثم إلى قرار. ولهذا فإن التعليم الذي يقوم على الحفظ والتلقين سيصبح أقل قدرة على إعداد الإنسان للمستقبل.
وأعتقد أيضًا أن سوق العمل ستشهد تحولًا غير مسبوق. فالوظائف الروتينية، سواء كانت يدوية، أو ذهنية، ستكون الأكثر عرضة للأتمتة. أما الإنسان الذي يمتلك التفكير النقدي، والقدرة على الابتكار، والعمل متعدد التخصصات، وفهم الإنسان قبل فهم الآلة، فسيكون الأكثر قدرة على التكيف مع المستقبل.
لكنْ هنالك جانب آخر يقلقني أكثر من الجانب المهني، وهو الجانب الثقافي. أخشى أن يكبر جيل يتعامل مع الخوارزمية بوصفها المرجعية الأولى للحقيقة، وأن تنتقل الثقة تدريجيًا من الإنسان إلى النظام، ومن الحوار إلى التوصية، ومن التجربة إلى التنبؤ. عندها، لن تكون المشكلة في قوة الذكاء الاصطناعي، بل في ضعف المناعة الفكرية لدى الإنسان.
ولهذا فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على تعليم الأبناء البرمجة، أو استخدام النماذج الذكية، بل على تعليمهم الفلسفة، والمنطق، والأدب، والتاريخ، وأخلاقيات المعرفة. فهذه العلوم لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت أدوات لحماية الإنسان من أن يفقد استقلاله المعرفي داخل البيئة الخوارزمية.
وفي تقديري، فإن العالم لن ينقسم مستقبلًا إلى دول متقدمة وأخرى نامية بالمعنى التقليدي، بل إلى مجتمعات تنتج المعرفة، وأخرى تستهلكها، إلى مجتمعات تصمم الخوارزميات، وأخرى تعيش داخلها من دون أن تفهمها، إلى أجيال تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع حريتها، وأخرى تسمح له بأن يعيد تعريفها.
ولهذا، إذا أردت أن أقدم نصيحة واحدة للجيل القادم، فلن أقول لهم: تعلموا الذكاء الاصطناعي، بل سأقول: تعلموا كيف تحافظون على إنسانيتكم وأنتم تستخدمونه.
لأن المستقبل لن يكون للأكثر ذكاءً من الناحية التقنية، بل للأكثر قدرة على أن يبقى إنسانًا في عصر أصبحت فيه الخوارزميات شريكًا دائمًا في التفكير.
(*) هل ترى أن التكنولوجيات المعاصرة خطر على الإنسان، أم أنها مساعد ومنقذ له؟
أعتقد أن هذا السؤال صيغ بطريقة توحي بأن علينا أن نختار ما بين موقفين متناقضين: إما أن نرى في التكنولوجيا خلاصًا، أو تهديدًا. بينما التاريخ يعلمنا أن التكنولوجيا لم تكن يومًا خيرًا مطلقًا، أو شرًا مطلقًا، بل كانت دائمًا مرآة للمجتمع الذي ينتجها، وللقيم التي تحكم استخدامها.
فالطباعة نشرت المعرفة، لكنها نشرت أيضًا الدعاية. والإنترنت فتح أبواب العلم، لكنه فتح أبواب التضليل كذلك. والذكاء الاصطناعي اليوم قادر على تسريع الاكتشاف العلمي، وتحسين الرعاية الصحية، وتطوير التعليم، ومساعدة الباحثين، لكنه في الوقت نفسه قادر على إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة، والمراقبة، والتلاعب، وإعادة تشكيل الوعي.
ولهذا، فإنني لا أرى الخطر في التكنولوجيا ذاتها، بل في انتقالها من أداة نستخدمها إلى بيئة نعيش داخلها.
لقد كان الإنسان في المراحل السابقة قادرًا على الابتعاد عن الأداة متى شاء، أما اليوم فإن الخوارزميات أصبحت تحيط به في كل لحظة، في هاتفه، وسيارته، وعمله، وتعليمه، وإعلامه، وعلاقاته الاجتماعية. إنها لم تعد مجرد تقنية، بل أصبحت البنية التي تتحرك داخلها تفاصيل الحياة اليومية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل التكنولوجيا خطر؟ بل: متى تتحول التكنولوجيا إلى سلطة؟
في اللحظة التي تبدأ فيها المنظومة التقنية بتحديد ما نراه، وما لا نراه، وما نصدقه، وما نشك فيه، وما نتذكره، وما ننساه، فإننا لا نكون أمام تطور تقني فحسب، بل أمام تحول في طبيعة السلطة نفسها. لقد انتقلنا من سلطة تتحكم في تدفق المعلومات إلى سلطة تشارك في إنتاج المعنى الذي نفهم به العالم.
لكنني، في المقابل، أرفض الخطاب الذي يدعو إلى الخوف من التكنولوجيا، أو الانسحاب منها. فالانسحاب ليس حلًا، كما أن الانبهار ليس حلًا. المطلوب هو بناء علاقة نقدية معها، علاقة تجعل الإنسان سيد التقنية لا تابعًا لها، ومستخدمًا واعيًا لا مستهلكًا سلبيًا.
وأعتقد أن المجتمعات التي ستنجح في المستقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تمتلك أفضل منظومة أخلاقية وقانونية وثقافية لإدارته. فالتحدي لم يعد هندسيًا فقط، بل أصبح فلسفيًا وسياسيًا وإنسانيًا.
ولهذا فإنني أقول دائمًا إن المعركة المقبلة لن تكون ما بين الإنسان والآلة، بل ما بين الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع حريته، والإنسان الذي يسمح للذكاء الاصطناعي بأن يعيد تعريف حريته.
وفي تقديري، فإن التكنولوجيا ستظل أعظم إنجازات الحضارة الإنسانية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أخطر أدواتها إذا فقد الإنسان قدرته على مساءلتها. فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل عندما يتخلى الإنسان عن مسؤوليته في التفكير، والنقد، واتخاذ القرار.
لذلك، لا أسأل إن كانت التكنولوجيا ستنقذ الإنسان أو تهدده، بل أسأل سؤالًا آخر أراه أكثر إلحاحًا: هل سينجح الإنسان في أن يبقى صاحب القرار داخل العالم الذي صنعته تقنياته؟ لأن مستقبل الحضارة لن تحدده قوة الخوارزميات وحدها، بل قدرة الإنسان على ألا يفقد إنسانيته وهو يطورها.
(*) ألا يوجد تشابه بين جمهور القرن التاسع عشر والجمهور الرقمي؟
نعم، يوجد تشابه، لكنه تشابه في البنية النفسية أكثر منه في الوسائل. ولهذا أعتقد أن كثيرًا من النظريات الكلاسيكية ما زالت صالحة إذا قرأناها في ضوء البيئة الخوارزمية الجديدة، لا إذا اكتفينا بتكرارها كما كُتبت قبل أكثر من قرن.
جمهور القرن التاسع عشر، كما وصفه غوستاف لوبون، كان يتحول داخل الحشد ككيان عاطفي تقل فيه النزعة النقدية، وتزداد فيه قابلية التقليد، والعدوى، والانفعال، والاستجابة للرموز والخطابات المبسطة. وكان هذا التحول يحتاج إلى تجمع مادي في شارع، أو ساحة، أو ميدان.
أما اليوم، فإن الحشد لم يعد يحتاج إلى مكان يجتمع فيه، لأن الخوارزمية قامت بالمهمة. لقد أصبح في إمكانها أن تجمع ملايين الأشخاص حول فكرة واحدة، أو صورة واحدة، أو وسم واحد، خلال دقائق، من دون أن يغادر أحدهم منزله. انتقلنا من الحشد الفيزيائي إلى الحشد الخوارزمي.
لكن هنا يبدأ الاختلاف الجوهري.
كان جمهور لوبون يتعرض للرسالة نفسها في الوقت نفسه تقريبًا، ولذلك كان يتشكل بوصفه كتلة واحدة. أما الجمهور الرقمي، فهو يعيش مفارقة غير مسبوقة؛ فكل فرد يظن أنه يرى عالمًا خاصًا به، بينما تقوم الخوارزمية ببناء هذا العالم وفق بياناته وسلوكه. نحن لا نعيش داخل جمهور واحد، بل داخل ملايين الجماهير الشخصية التي تُدار بخوارزميات مختلفة، ثم تتقاطع عند لحظات معينة لتصنع موجات جماعية من الرأي العام.
ولهذا، فإنني أرى أن الخوارزمية لم تُلغِ أفكار لوبون، بل أعادت إنتاجها على مستوى أكثر تعقيدًا. فالعدوى النفسية ما زالت موجودة، لكنها أصبحت عدوى خوارزمية. والإيحاء ما زال قائمًا، لكنه لم يعد يصدر من خطيب يقف فوق منصة، بل من نظام توصية يعرف نقاط ضعف كل مستخدم، ويعرف أي رسالة ستكون أكثر تأثيرًا فيه.
بل إنني أعتقد أننا تجاوزنا مرحلة “سيكولوجية الجماهير” إلى مرحلة يمكن تسميتها بالهندسة الخوارزمية للجماهير. ففي الماضي كانت الجماهير تتكون ثم يحاول السياسي، أو الإعلامي، التأثير فيها، أما اليوم فإن المنصة تستطيع أن تسهم في تكوين الجمهور نفسه، وأن تعيد تقسيمه، وتوجيهه، وإعادة تشكيله بصورة مستمرة وفق أهداف اقتصادية، أو سياسية، أو ثقافية، أو أمنية.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد: كيف يؤثر الجمهور في الأحداث، بل: كيف أصبحت الخوارزمية تشارك في صناعة الجمهور الذي سيؤثر في الأحداث؟
ولهذا، فإنني أرى أن القرن الحادي والعشرين لم يُسقط أفكار لوبون، بل كشف حدودها التاريخية. لقد كان يفسر جمهورًا يتشكل في الساحات، أما نحن فأصبحنا أمام جمهور يتشكل داخل الشيفرة البرمجية. وهذا يعني أن علم نفس الجماهير وحده لم يعد كافيًا، بل أصبحنا في حاجة إلى علم جديد يدرس العلاقة ما بين الإنسان، والخوارزمية، وإنتاج الوعي الجمعي.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يميز الجمهور الرقمي ليس أنه أكثر انفعالًا من جمهور القرن التاسع عشر، بل أنه يعيش داخل بيئة قادرة على قياس انفعاله لحظة بلحظة، والتعلم منه، ثم إعادة تصميم الرسائل التي ستؤثر فيه لاحقًا. وهنا لم تعد الخوارزمية مجرد وسيط ينقل الرسالة، بل أصبحت شريكًا في إنتاج الجمهور نفسه، وفي إعادة تشكيل وعيه بصورة مستمرة.
(*) إلى أي مدى ما زالت أفكار غوستاف لوبون صالحة اليوم؟
في تقديري، لم تعد أهمية غوستاف لوبون في أنه قدم إجابات نهائية، بل في أنه طرح السؤال الصحيح في الوقت المناسب: كيف يتحول الإنسان عندما يصبح جزءًا من جمهور؟ وهذا السؤال ما زال حاضرًا، لكنه انتقل من الساحة العامة إلى الفضاء الخوارزمي.
لقد أدرك لوبون أن الجمهور لا يفكر بالطريقة التي يفكر بها الفرد منفردًا، فالعاطفة تتقدم على العقل، والإيحاء يتقدم على البرهان، والتكرار يصنع القناعة، والرموز تؤثر أكثر من الحجج المنطقية. وهذه الملاحظات لا تزال صحيحة إلى حد بعيد، بل ربما أصبحت أكثر حضورًا في البيئة الرقمية.
لكن ما تغير جذريًا هو الوسيط.
ففي زمن لوبون، كان الجمهور يحتاج إلى قائد، أو خطيب، أو صحيفة، أو حدث جماهيري يجمعه في مكان واحد. أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزمية تؤدي جزءًا كبيرًا من هذا الدور، ولكن بطريقة أكثر هدوءًا، وأكثر تعقيدًا. إنها لا تخاطب الجمهور بوصفه كتلة واحدة، بل تخاطب كل فرد بشكل مفرد، ثم تعيد جمع هذه الاستجابات الفردية لتنتج رأيًا عامًا يبدو تلقائيًا، وهو في الحقيقة نتاج هندسة خوارزمية دقيقة.
ولهذا، فإنني أرى أن ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد سيكولوجية الجماهير كما وصفها لوبون، بل أصبح سيكولوجية الجماهير الخوارزمية. فالعدوى النفسية لم تعد تنتقل فقط من إنسان إلى آخر، وإنما أصبحت تنتقل عبر أنظمة التوصية، وآليات الانتشار، والخوارزميات التي تضخم المحتوى الأكثر قدرة على إثارة الانفعال، بصرف النظر عن قيمته المعرفية، أو الأخلاقية.
لكنني أختلف مع لوبون في نقطة جوهرية.
كان يعتقد أن الجمهور ظاهرة استثنائية تنشأ عند اجتماع الأفراد، ثم تنتهي بانفضاضهم وتفرقهم. أما اليوم، فإن الإنسان يعيش داخل جمهور رقمي بصورة شبه دائمة. لقد أصبحت المنصات تُنتج حالة جماهيرية مستمرة تتجدد مع كل إشعار، وكل وسم، وكل مقطع فيديو، وكل موجة تفاعل. لم يعد الجمهور حدثًا عابرًا، بل أصبح بيئة دائمة يعيش داخلها الإنسان.
ومن هنا، أعتقد أن أفكار لوبون تحتاج إلى تطوير، لا إلى استبدال. فإذا كان لوبون قد درس سيكولوجية الحشد، فإننا في حاجة اليوم إلى دراسة هندسة الحشد؛ أي الآليات الخوارزمية التي لا تكتفي بوصف سلوك الجمهور، بل تشارك في إنتاجه وإعادة تشكيله وتوجيهه في الزمن الحقيقي.
ولهذا كنت قد دعوت في عدد من أبحاثي إلى الانتقال من دراسة الجمهور بوصفه متلقيًا، إلى دراسته بوصفه نتاجًا لتفاعل ثلاث قوى: الإنسان، والخوارزمية، والمنصة. فالرأي العام لم يعد يتشكل فقط من خلال الحوار ما بين البشر، بل أصبح يتشكل أيضًا من خلال البنية الرقمية التي تحدد ما يُرى، وما يُهمَل، وما يُعاد تكراره حتى يكتسب سلطة الحقيقة.
وفي تقديري، لو كان غوستاف لوبون حيًا اليوم، لما اكتفى بدراسة الجماهير في الشوارع والميادين، بل لكان أول من يدرس الخوارزميات. لأنه سيكتشف أن القائد الكاريزمي الذي تحدث عنه لم يعد دائمًا شخصًا يقف على منصة، بل قد يكون نظام توصية يعمل في صمت، يعرف كيف يجذب الانتباه، وكيف يصنع العدوى، وكيف يعيد تشكيل الوعي الجمعي من دون أن يرفع صوته، أو يكشف عن نفسه.
وهنا، في رأيي، تكمن المهمة الجديدة لعلم الإعلام والاتصال:
“أن ينتقل من دراسة سيكولوجية الجمهور إلى دراسة الهندسة الخوارزمية للجمهور، لأن من يفهم كيفية صناعة الجمهور في العصر الخوارزمي، يفهم مستقبل السلطة، والثقافة، والرأي العام، بل ومستقبل الإنسان ذاته”.