ليست الروايات الكبرى تلك التي تخلّف في أعماق قارئها رجفة خفيّة، وإنّما تلك التي تُحدِث في وعيه ارتطامًا لا يُسمَع له دويّ، ومن هذا الأفق الإبداعيّ تنبثق رواية “ارتطام لم يسمع له دويّ” للروائيّة الكويتيّة بثينة العيسى، الصادرة عن مكتبة آفاق، بوصفها نصًّا يتجاوز حدود الحكاية المباشرة، ليتحوّل إلى تأمّل روائيّ كثيف في أسئلة الإنسان الكبرى.
لا تنشغل الكاتبة بتسجيل الوقائع بقدر انشغالها بتقصّي التحوّلات التي تعصف بالذات حين تُلقى في مواجهة نفسها؛ فبنية النصّ لا تقوم على منطق الأحداث الخارجيّة بقدر ما تتكئ على دراما داخليّة تتنامى في أعمق المناطق غورًا في النفس، حيث لا تُقاس الهزائم والانتصارات بنتائجها الظاهرة، بل بمقدار ما يطرأ على الوعي من تشقّقات، وما يتولّد بفعل تلك التشقّقات من رؤى جديدة للعالم والذات والوجود.
وفي ضوء ذلك، فإنّ الرواية تُقرأ بوصفها رواية تتعقب المسار الوجودي لبطلتها فرح ناصر، وهي تَعْبُر من يقين التفوّق إلى قلق المعرفة، ومن البحث عن الاعتراف الخارجيّ إلى اكتشاف الذات؛ والمنحة العلمية التي حَصَلَتْ عليها للمشاركة في الأولمبياد العالمي للأحياء تُشكّل الحيلة السرديّة التي تسمح للنصّ بإخراجها من يقينها الثقافيّ الأوّل، وإلقائِها في فضاءٍ تتعرّض فيه أفكارها ومعتقداتها ومفاهيمها إلى اختبار مستمر.
وفي المقابل، يحتلّ ضاري موقعًا محوريًّا في البناء الدلاليّ، فهو سويديّ الجنسيّة، كويتيّ الأصل، يعيش اغترابًا مضاعفًا، وينتمي إلى وطن لا يعترف به، ويحمل ذاكرة مكان لم يعد يسكنه؛ ومن خلال هذا التوتّر الدائم بين الذاكرة والمنفى، تتحوّل شخصيّته إلى مرآة تكشف لفرح أسئلتها المؤجّلة، كما يرى هو فيها صورة الوطن الذي يفتقده.
ارتطام صامت
تنهض الرواية على ارتطام لم يسمع له دويّ في مفارقة عنوانية كثيفة؛ فالارتطام في دلالته المباشرة حدث عنيف، مفاجئ، وصاخب؛ غير أنّ الرواية تَكتُبُ ارتطامًا من نوع آخر، في تلك المنطقة الغائرة التي تنكسر فيها الذات من دون أن يسمع العالم صوت انكسارها؛ من هنا، لا يكون العنوان عتبة خارجيّة للنصّ فحسب، وإنّما مفتاحًا تأويليّا لبنيته كلّها؛ فالرواية لا تلاحق حدثًا مدوّيًّا، غير أنّها تتبع سلسلة من الانهيارات الدقيقة، والتحوّلات الخافتة، والاهتزازات الوجوديّة التي تصيب الانسان حين يُنتزع من يقينه الأوّل ويُلقى في فضاء اختبارات الذات أمام هشاشتها.
فضاء البداية…
المدينة بوصفها صدمة حسّيّة ووجوديّة
تفتتح بثينة العيسى روايتها بمشهد صيفيّ من أيّام آب/ أغسطس، لا يشبه الأيّام الصيفية التي اعتادت فرح على عنجهيتها الخانقة والمثقلة بالضوء والرمل والعطش في مسقط رأسها الكويت، هذه البداية ليست وصفًا مناخيًّا عابرًا؛ إنّها إعداد رمزيّ لدخول بطلتنا إلى عالم كاشف، قاس، لا يترك للذات ظلالًا تختبئ فيها؛ والشمس في هذا السياق، ليست جرمًا طبيعيًّا فحسب، بل عينًا رمزيّة تفضح، وتُعرّي، وتدفع بالنفس إلى مواجهة هشاشتها.
إنّ مقارنة فرح ليوم صيفيّ في أبسالا بيوم صيفيّ كويتيّ وضعها منذ البداية في وضعية اقتلاع من بيئتها، ولغتها الأولى، فالمكان الجديد يُربكها، واختلاف اللهجات، والأطعمة، والأجساد، والملامح، والقاعات، والقوانين، والنظرات، كلّها تتحوّل إلى أدوات تفكيك تدريجيّ لصورتها، عن ذاتها؛ وما بدا لها في البدء رحلة إلى مسابقة علميّة، تَحوَّل سريعًا إلى رحلةٍ نحو العتمة في باطنها العميق.
فهنا تكتب بثينة المدينة بوصفها قوّة سرديّة تحاصر شخصيّة فرح، وتُربك إيقاعها، وتضعها أمام تحليقها الأوّل خارج جغرافيا الوطن، مما جعلها تتكوّر على نفسها “مثل نطفة نسيت أن تنمو، كما الأشياء المنسية أبدًا، التافهة أبدًا، كما الأصفار أبديّة الاستدارة، تدور حول نفسها… تبحث عن قيمة” (ص17). ومن هنا يبدأ أول ارتطام صامت، لكنّه يترك داخلها صدعًا أوليًّا سيكبر كلّما تقدّمنا في السرد أكثر.
بين العبقرية والهشاشة
تُقدّم الروايةُ فرح بوصفها شخصيّة متوتّرة تتأرجح بين صورتين: صورة الفتاة العبقريّة التي يُنتظر منها التفوق، وصورتها الهشّة التي تخاف، وترتبك، وتشتهي الاعتراف، وتعجز عن الإفصاح عن ضعفها، وتهمس في أعماقها: “أبدو بينهم كعشبة ضارّة، الجميع، ربّما لا يراني إلا برميل نفط وبلادة” (ص 17)، فهي بذلك الاعتراف ليست بطلة ملحميّة واثقة، لا ضحيّة كاملة، إنّها ذاتٌ قلقة، شديدة الحساسيّة، تصطدم بالعالم لأنّها لا تعرف كيف تتصالح مع داخلها.
أمّا من الناحية النفسيّة، فتبدو أنّها أسيرة لفكرة العبقريّة، فهي لا تريد النجاح فقط، بل تريد أن يكون النجاح دليلًا على قيمتها، فالرواية تفرّق بين النجاح بوصفه إنجازًا، والنجاح بوصفه تعويضًا عن نقص داخليّ، الأمر الذي يشي بأنّ فرح لا تنافس الآخرين فحسب، بل تنافس صورتها عن نفسها، لذلك يصبح كلّ اختبار تهديدًا وجوديًّا، وكلّ احتمال للفشل احتمالًا لانهيار الصورة التي بنتها حول ذاتها.
هنا تكشف الرواية عن نقد عميق لفكرة التفوّق حين تتحوّل إلى قيد؛ فالذكاء، الذي يفترض أن يكون طاقة تحرّر، يصبح عبئًا حين يُختزل الإنسان فيه؛ ففرح لا يُسمح لها بأن تكون فتاة عادية، ولا ضعيفة، ولا خائفة؛ عليها دائمًا أن تثبت أنها تستحقّ؛ بهذا المعنى، تنجز الرواية انتقالًا مهمًّا من سؤال الذكاء إلى سؤال الحكمة، وإدراك أنّ أعلى درجات المعرفة، لا تكمن في امتلاك الإجابة، بل في احتمال السؤال.
الحب بوصفه معرفة لا امتلاكًا
أما (ضاري)، المرشد البدوي الحاذق، الذي يعيش في المنفى (السويد) مجردًا من أي أوراق ثبوتية تنسبه إلى مسقط رأسه (الكويت)، والذي ابتعثته السفارة ليرافق فرح في فترة مكوثها في أبسالا([1])، فقد احتل موقعًا مركزيًا في البناء الدلالي للرواية؛ فهو ليس مجرد شخصيّة عاطفيّة، ولا وظيفيّة داخل السرد، كما أنّ علاقته بفرح تقوم على انعكاس هشاشتين متقابلتين؛ فكما ترى فرح في ضاري صورةً للمنفى، يرى هو فيها صورةً للوطن، فتغدو العلاقة بينهما علاقة مرايا متبادلة، يكشف كلٌّ منهما في الآخر انعكاس نقصه واغترابه؛ وبذلك، تكتسب شخصية ضاري كثافة دلاليّة تتجاوز وظيفتها الرمزيّة المباشرة، لتغدو واحدة من أكثر شخصيّات الرواية التباسًا وإنسانيّة، بما تحمله من توتّر دائم بين الوطن والمنفى، والذاكرة والفقد.
الوطن: من الجغرافيا إلى السؤال الوجودي
من أهمّ لحظات الرواية تلك التي يتحوّل فيها الوطن إلى سؤال؛ فلا يعود الوطن مجرّد مكان، أو جنسيّة، أو حدود، بل يصبح سؤالًا عن الأصل والمعنى والذاكرة؛ فحين يُسأل ضاري بصورة مباشرة، أو ضمنية، عن وطنه، لا يكون السؤال بريئًا، إنه سؤال عن الجذر: من أين تأتي؟ ماذا تحمل في داخلك؟ ما الذي تكوّنت منه؟ وما الذي تنتمي إليه حين تتفكك كل الانتماءات الظاهرة؟
تتفوق الرواية هنا لأنّها لا تقدّم جوابًا خطابيًّا مباشرًا، ولا تحوّل الوطن إلى شعار، بل تجعله جرحًا معرفيًا، فالوطن بالنسبة لضاري سؤال موجع؛ يكتشفه عبر الارتباك والحنين والفقد والمقارنة؛ لتعيده فرح الى حقيقته الأولى، حين تصارحه: “عبثًا تجعلني أصدّق بأنّك لا تموت كلّ يوم ألف مرّة مختنقًا بالهواء النقيّ لأبسالا، لأن قيظ الكويت شيء من تكوينك… يضحك عليك العالم وتبكي في داخلك… انتصارك الأوحد أنْ لا أحد غيرك يسمع هذا البكاء” (ص88)؛ فالوطن في الرواية ليس خريطة على ورق، بل طبقات متراكمة من الذاكرة.
الوداع بوصفه اكتمالًا لا خسارة
لا تمنح الرواية قارئها نهاية سهلة، ولا تقدم خاتمة مغلقة، ولا انتصارًا رومانسيًّا كاملًا، ولا حلًّا نهائيًّا لكلّ الأسئلة المؤجّلة، بل تختار نهاية قائمة على الحركة، والدموع، والمسافة، والوداع؛ ممّا يجعلها نهاية ملائمة تمامًا لفلسفة النصّ؛ فالرواية لا تريد أن تقول إنّ فرح وصَلت، بل إنّها بدأت تتحسّس إدراكها لمعنى الطريق.
فالوداع في النهاية ليس خسارة كاملة. إنّه علامة نضج، فبعض الشخصيّات لا تأتي لكي تبقى، بل لكي توقظ فينا منطقة كانت نائمة؛ وضاري، في هذا المعنى، لا يغادر النصّ بوصفه فقدًا فقط، بل بوصفه أثرًا، فقد ترك لدى فرح ما لا يمكن أن يمحوه الرّحيل.
الرواية بوصفها سيرة تشكُّل
نجحت بثينة العيسى في تشكيل نصّ ينتقل من وهم السيطرة إلى حكمة الاعتراف، ومن الحبّ حين يتحوّل من رغبة إلى معرفة، ومن الوطن حين يكفّ عن كونه جغرافيا، فيصبح سؤالًا ملحًا؛ وعن النجاح حين يفقد بريقه أمام المعنى، عبر لغتها المشحونة، والمتوترة، والقادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع التحوّلات الكبرى، وبناء رواية ذات طابع فلسفيّ عميق من دون أن تتخلّى عن حرارة السرد.
وفي النهاية، لا تخرج فرح من الرواية فائزة في الأولمبياد بالمعنى التقليديّ، بل خارجةً من جلدها القديم، وهذه هي البطولة الحقيقيّة في النصّ، أن ينجو الإنسان من صورته عن نفسه، وأن يفهم أنّ الحياة ليست سباقًا نحو المركز الأوّل، بل رحلة موجعة نحو الذات، الصدق، وإدراك أنّ ما لا يسمعه الآخرون بعد كلّ ارتطام، قد يكون أعمق ما يمكن أن يحدث لنا!
* باحثة ومحاضرة أكاديمية فلسطينية.
هامش:
(1) أبسالا مدينة سويدية.