أعلنت السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، توقيع اتفاقية دفاع مشترك في مكة، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
تهدف الاتفاقية، بحسب البيان المشترك، إلى تعزيز الردع الجماعي وتوسيع التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحداها يعد هجوما عليها جميعا.
لكن مصر، التي شاركت خلال الأشهر الماضية في سلسلة اجتماعات مع الدول الثلاث بشأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وأمن المنطقة، لم تكن طرفا في الاتفاق الدفاعي الجديد.
ويأتي ذلك بعد تعرض سفينة تغويز في ميناء دمياط على البحر المتوسط لهجوم بطائرات مسيرة، لم تعلن السلطات حتى الآن الجهة المسؤولة عنه.
وكانت القاهرة قد استضافت في 21 يونيو اجتماعا لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ناقش التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى وقف الحرب بين واشنطن وطهران. وسبق ذلك ثلاثة اجتماعات للمجموعة نفسها في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا، كان آخرها في 17 أبريل.
ولم تصدر مصر، حتى كتابة هذا التقرير، تعليقا رسميا على اتفاق مكة.
وقال الكاتب، المحلل السياسي المصري جمال رائف لـ”الحرة” إن القاهرة لا تملك الدوافع نفسها التي تدفع السعودية إلى الانخراط في ترتيبات دفاعية من هذا النوع.
وأضاف أن السعودية باتت أكثر تعرضا لتداعيات الصراع الإقليمي، وهو ما يدفعها، بحسب رائف، إلى تعزيز قدرتها على الردع عبر شراكات دفاعية أوسع.
ويضع الدستور المصري قيودا على عمل القوات المسلحة خارج البلاد. فالمادة 152 تنص على أن الرئيس لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات في مهمة قتالية خارج الحدود إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين.
ولا يحول ذلك، بحد ذاته، دون انضمام مصر إلى اتفاق دفاعي، لكنه يجعل أي التزام قد يترتب عليه إرسال قوات إلى الخارج خاضعا لإجراءات دستورية وسياسية.
وفي مايو، أعلنت الإمارات تمركز مفرزة من المقاتلات المصرية في أبوظبي، وتفقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإماراتي محمد بن زايد القوات المتمركزة هناك، في مؤشر على استمرار التعاون العسكري بين البلدين.
وقال اللواء أركان حرب أسامة كبير، المستشار بكلية القادة والأركان، لـ”الحرة” إن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على قدراتها العسكرية الذاتية، ولا تميل إلى توسيع مشاركتها في الصراعات الإقليمية، خصوصا مع الأدوار الدبلوماسية التي تؤديها في ملفات من بينها إيران.
ولا يرى الكاتب والمحلل السياسي فيصل الشمري أن غياب مصر يعني استبعادها من الترتيبات الإقليمية. وقال لـ”الحرة” إن القاهرة ما زالت جزءا من إطار تشاوري يضم السعودية وتركيا وباكستان، بينما جاء اتفاق مكة نتيجة مسار دفاعي منفصل بين الدول الثلاث.
وأضاف أنه لا توجد حتى الآن معلومات معلنة تفيد بأن مصر دُعيت إلى الانضمام ورفضت، أو تحدد ما إذا كان الاتفاق يسمح بانضمام أعضاء جدد.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب التوقيع، إن الاتفاقية مفتوحة أمام “الدول الشقيقة” الراغبة في المشاركة، وهو ما يبقي احتمال توسعها قائما، من دون أن تعلن القاهرة أو الدول الموقعة أي محادثات بشأن انضمام مصر.
ويرى طه عودة أوغلو، الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، أن غياب مصر في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة رفضها الاتفاق، لكنه أشار إلى أن أي توسع محتمل سيعتمد على تطور الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ويأتي اتفاق مكة في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات أمنية، خصوصا من الحوثيين في اليمن والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، إلى جانب الاضطراب المستمر في طرق الملاحة الإقليمية.
وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات على سفن مرتبطة بالسعودية، فيما غيرت سفن أخرى مساراتها تجنبا للمخاطر في البحر الأحمر وباب المندب.
وقال الشمري إن الاتفاق، رغم عدم إعلانه موجها ضد دولة بعينها، يصعب فصله عن تلك التهديدات وعن التصعيد مع الجماعات المرتبطة بإيران.
لكنه حذر من تفسير بند الدفاع المشترك باعتباره التزاما آليا بالحرب.
وقال إن اعتبار الهجوم على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا “لا يعني بالضرورة أن أول صاروخ حوثي سيؤدي تلقائيا إلى دخول الجيش التركي في حرب داخل اليمن”، مضيفا أن الاستجابة قد تبدأ بالتعاون الاستخباراتي أو الدفاع الجوي أو الدعم اللوجستي، بحسب طبيعة الهجوم وقرار الدول الثلاث.
ويجمع الاتفاق السعودية مع شريكين يملكان ثقلا عسكريا مختلفا. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، فيما تمتلك باكستان أسلحة نووية وتربطها بالرياض علاقات عسكرية تعود إلى عقود.
لكن البيانات الرسمية لا تتحدث عن مظلة نووية، ولا تحدد شكل الرد العسكري المطلوب من كل دولة إذا تعرضت أخرى لهجوم.
كما قالت السعودية إن الاتفاق لا يستهدف بناء محور عسكري أو تكتل مذهبي، ولا يرتبط بسباق تسلح أو مساع نووية، وإنه لا يأتي على حساب علاقاتها الخليجية والعربية والدولية.
بالنسبة إلى أنقرة، يأتي الاتفاق ضمن توسع علاقاتها الدفاعية مع السعودية ودول الخليج.
وقالت بورجو أوزجليك، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأمن تركيا في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن الاتفاق لا ينبغي النظر إليه باعتباره دليلا على تراجع الدور الأميركي في المنطقة، بل يمكن أن ينسجم مع توجه واشنطن إلى دفع شركائها لتحمل جانب أكبر من أعباء الأمن الإقليمي.
وأشارت إلى أن الاتفاق جاء بعد أشهر من مشاورات إقليمية شاركت فيها الدول الثلاث إلى جانب مصر.
وقال عودة أوغلو إن تركيا تنظر باهتمام متزايد إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، لكنه استبعد أن يعني الاتفاق نشر قوات تركية في اليمن.
وتمنح المشاركة التركية الاتفاق بعدا إضافيا بسبب عضوية أنقرة في حلف شمال الأطلسي وخبرتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية.
لكن ذلك لا يغير السؤال الذي يحيط بغياب القاهرة. فمصر كانت حاضرة في المسار السياسي الذي جمع الدول الأربع خلال الأشهر الماضية، لكنها لم تنتقل مع الدول الثلاث الأخرى إلى اتفاق الدفاع المشترك.
وحتى الآن، لا يوجد تفسير مصري رسمي لذلك، ولا دليل معلن على أن القاهرة رفضت عرضا بالانضمام.