يشغل رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، أعلى منصب عسكري في الولايات المتحدة. وهو يقدم المشورة ويوصي، لكنه لا يستطيع أن يأمر الرئيس باتخاذ أي قرار.
ووفقاً لشبكة “سي إن إن” وصحيفة “وول ستريت جورنال“، أبلغ كين الرئيس أن مخزونات الذخائر بدأت تنخفض، وأن قائمة الأهداف المتاحة أصبحت محدودة، وأن استمرار الضربات بالوتيرة الحالية قد يترك الولايات المتحدة أمام نقص في الصواريخ الاعتراضية التي قد تحتاجها في أي مواجهة مستقبلية مع خصم أكبر.
لكن الكلمة الأخيرة في تحديد مدى أهمية هذه التوصيات تظل في يد الرئيس وحده.
وتفسر هذه الحقيقة، أكثر من أي تصريحات صدرت في واشنطن هذا الأسبوع، سبب توقف الضربات على إيران، ثم استئنافها.
تمتد سلسلة القيادة العسكرية من الرئيس إلى وزير الحرب، ثم إلى القيادات القتالية. أما الجنرال كين، بصرف النظر عن حضوره البارز في الإحاطات الإعلامية، فلا يوجد ضمن هذا التسلسل العملياتي المباشر. فدوره استشاري، وينقل الأوامر القانونية، لكنه لا يقود التشكيلات المقاتلة.
ويكتسب هذا التوضيح أهمية لأنه يعني أن أعلى مسؤول عسكري يرتدي الزي الرسمي في اجتماعات البيت الأبيض يقدم توصية ولا يصدر أمراً. وللرئيس أن يأخذ بها أو يتجاهلها.
وتفسر إليزابيث دنت، الباحثة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، التي شغلت سابقاً منصب مديرة شؤون الخليج والجزيرة العربية في مكتب وزير الحرب الأميركي، هذه الآلية لـ”الحرة”، قائلة: “يكون أمام الرئيس دائماً نطاق واسع من الخيارات. فالقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لا تقدم توصية عملياتية واحدة فقط، بل تعرض خيارات عدة. والرئيس من يحدد المسار الذي يريد اتباعه بناءً على توصيات كبار مستشاريه”.
وتضيف: “لكننا نعرف أن الرئيس ترامب قد يخالف أحياناً آراء عدد كبير من مستشاريه، وقد يختار مساراً لا يكون هو الموصى به”.
قبل الموافقة على الضربات
قبل أن تصل أي عملية عسكرية كبيرة إلى مكتب الرئيس، تمر عبر عملية مراجعة متعددة المستويات تشمل مختلف مؤسسات الحكومة. إذ تجري لجان السياسات الإقليمية تقييمات استخباراتية وقانونية، ثم تُرفع المقترحات إلى لجنة النواب، التي تضم نواب وزراء الوزارات المعنية ونائب رئيس هيئة الأركان المشتركة.
وبعد ذلك تنتقل إلى لجنة المسؤولين الرئيسيين، التي تضم وزيري الحرب والخارجية، ومدير الاستخبارات الوطنية، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ووزير العدل، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، برئاسة مستشار الأمن القومي. وفي نهاية المطاف، يتلقى الرئيس مجموعة من الخيارات المنقحة، وليس توصية واحدة فقط.
ويخضع كل هدف ضمن هذه الحزمة لما يعرف في الجيش الأميركي بـ”آلية تقدير الأضرار الجانبية“، وهي عملية معيارية تنظمها تعليمات رئيس هيئة الأركان المشتركة رقم 3160.01، وتُلزم المحللين بحساب نطاق الانفجار، والشظايا، واحتمال وقوع خسائر بين المدنيين قبل السماح بأي ضربة. وإذا تجاوز عدد الضحايا المتوقع الحد الذي وضعه الرئيس أو وزير الحرب، فإن طلب الموافقة يُرفع تلقائياً إلى مستوى أعلى في سلسلة القيادة.
وصُممت هذه الآلية لتكون صارمة بطبيعتها، وتفترض أن القرارات تمر عبر البنية نفسها في جميع المستويات.
عندما تنفد قائمة الأهداف
ذكرت شبكة “سي إن إن” وصحيفة “نيويورك تايمز” أن قائمة الأهداف التي تمت الموافقة عليها مسبقاً كانت “استُنفدت إلى حد كبير” بعد 13 ليلة من الضربات، ما أثار تساؤلات فورية.
وقال برنت سادلر، المسؤول السابق في البنتاغون، لقناة “فوكس بيزنس“، إن مشكلة نقص الذخائر معروفة منذ عام 2012، واصفاً إياها بأنها مشكلة هيكلية مستمرة تسبق النزاع الحالي.
وأضاف: “هذه قضية بالغة الأهمية لأي عمليات قتالية كبرى محتملة”، مشدداً على ضرورة اليقظة المستمرة بشأن المخزونات الحالية.
لكن ماذا يعني ذلك من الناحية العسكرية؟
كانت دنت واضحة في تفسيرها إذ قالت: “قد يعني ذلك أن بعض قواعد بيانات الاستهداف أصبحت قديمة. وقد يعني أيضاً أننا لا نملك ما يكفي من المعلومات الاستخباراتية، سواء من مصادرنا الخاصة أو من شركائنا الإقليميين، لتحديد أهداف إضافية. لكنني لا أعتقد أن هناك أي سيناريو تكون فيه قائمة الأهداف قد استُنفدت بالكامل.”
وأضافت أن العمل على تطوير أهداف جديدة لا يتوقف، قائلة: “الأمر يعني فقط أن كثيراً من المواقع المعروفة لمنصات الصواريخ الباليستية أو صواريخ كروز أو منشآت الطائرات المسيّرة قد استُهدفت بالفعل. لكن كما رأينا، لا يزال الإيرانيون يحتفظون بهذه القدرات، وبالتالي سيتم تحديد أهداف جديدة.”
ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة، إذ إن استنفاد قائمة الأهداف التي تمت الموافقة عليها مسبقاً لا يعني عدم وجود أهداف أخرى، بل يعني أن المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها القائمة الحالية قد استُخدمت بالفعل، وأن هناك حاجة إلى جمع معلومات استخباراتية جديدة والتحقق منها قبل السماح قانونياً وعملياتياً بتنفيذ ضربات إضافية.
مسألة المخزونات العسكرية
ولا يبدو التخوف بشأن الصواريخ الاعتراضية نظرياً. إذ قدّر المحللان مارك كانسيان وكريس بارك، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، أن المخزون العالمي من صواريخ “باتريوت” انخفض إلى أقل من ألف صاروخ، بينما بلغ مخزون منظومة “ثاد” نحو 250 صاروخاً.
وتطرقت دنت مباشرة إلى قضية المخزونات، قائلة: “إن مخزوننا من الذخائر، ومخزون الصواريخ الاعتراضية، والأنظمة الدفاعية، كلها عوامل يجب على الولايات المتحدة أخذها في الاعتبار مع استمرار هذه الحملة. وهناك الكثير من التقارير الصحفية التي تشير إلى أن مخزونات الذخائر الأميركية منخفضة للغاية. وإذا كانت منخفضة بالنسبة للولايات المتحدة، فمن المرجح جداً أنها منخفضة أيضاً لدى كثير من شركائنا الإقليميين الذين يعتمدون على هذه الصواريخ الاعتراضية لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية من الصواريخ والطائرات المسيّرة.”
وأضافت: “لا أعتقد أن لدينا حتى الآن مؤشرات واضحة توضح الحجم الحقيقي لهذا التراجع في المخزونات.”
وعكست إجراءات البنتاغون الخاصة بالمشتريات هذه المخاوف، إذ أعلنت وزارة الحرب، بالتزامن مع فترة توقف الضربات، عن اتفاقيتين لمدة سبع سنوات مع شركتي لوكهيد مارتن و L3Harris لتوسيع القدرة الإنتاجية لمكونات الصواريخ الاعتراضية PAC-3 MSE ومنظومة THAAD.
وعندما سُئلت عما إذا كان من الممكن أن تكون الدبلوماسية والمخاوف المتعلقة بالمخزونات قد ساهمتا معا في قرار وقف الضربات، لم تستبعد دنت أيّاً من العاملين، وقالت: “هذا احتمال وارد بالتأكيد. لكنني لا أعتقد أننا رأينا أي مؤشرات علنية تؤكد ذلك. ومع ذلك، شهدنا محادثات غير معلنة، وفق ما نُقل إلى الإعلام، بين الإمارات وإيران، وبين باكستان وإيران، وقطر وإيران، وسلطنة عُمان وإيران. ونأمل أن تقود هذه المناقشات في مرحلة ما إلى نوع من الانفراج الدبلوماسي.”
ما الذي ينبغي مراقبته؟
وعندما سُئلت عن المؤشرات التي ينبغي متابعتها خلال الأيام المقبلة، قالت دنت إنه سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان الإيرانيون سيشنون هجوماً مضاداً رداً على الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة مؤخرا. وسيتعين أيضا أن نرى من سيستهدفون، وأي من الشركاء الإقليميين سيكون هدفاً لهم، وما إذا كانت الأهداف ستقتصر بشكل واضح على البنية التحتية العسكرية.
ولم تتوقع دنت حدوث انفراج دبلوماسي قريب، وقالت: “لا أتوقع أن ينتهي هذا الوضع في أي وقت قريب، وللأسف لا أرى فرصة دبلوماسية محددة في الوقت الراهن. لكنني سأراقب ما إذا كانت هناك دولة مستعدة وقادرة على وقف مسار التصعيد الذي ننزلق إليه حالياً. أما إذا كان ذلك سيأتي من الجانب الإيراني أو الأميركي، فما زال الأمر غير محسوم.”