محرر بموقع السفينة
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت سوريا قد بلغت قاع المأساة، ولا ما إذا كان حجم الخراب أكبر من قدرة السوريين على الاحتمال. فكل ذلك بات واضحًا، ولا يحتاج إلى مزيد من الشواهد. السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا هو هل نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بما أخطأنا فيه، والقدرة على منع توريث هذه الأخطاء لأجيال لم تختر الحرب، ولم تصنع الكارثة، لكنها وجدت نفسها تدفع أثمانها؟
إن سوريا لا تحتاج اليوم إلى من ينعى حاضرها، أو يعلن موتها، أو يكتفي بتعداد خسائرها. إنها تحتاج إلى خطاب صريح يتجاوز المكابرة وتبادل الاتهامات، ويضع الحقيقة فوق الحسابات الضيقة، وكرامة الإنسان فوق الشعارات، ومستقبل البلاد فوق مصالح الأفراد والجماعات.
لقد أخطأنا كثيرًا، سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا، وكانت كلفة الأخطاء فادحة في الأرواح والبيوت والذاكرة والثقة بين السوريين. لكن الاعتراف بالأخطاء ليس استسلامًا، ومراجعة الماضي ليست إدانة دائمة للمستقبل؛ بل هما الشرط الأول لأي نهوض حقيقي، وأي مصالحة لا تقوم على النسيان القسري أو تزييف الوقائع.
فالأوطان لا تُبنى بإنكار جراحها، ولا تستعيد عافيتها بإدامة الخصومات، ولا تحمي أبناءها حين تجعل من الماضي سجنًا لا يُغادر. إنها تبدأ من لحظة شجاعة، يقول فيها أبناؤها إن ما حدث لا يجوز أن يتكرر، وإن اختلافاتهم، مهما اتسعت، لا ينبغي أن تتحول إلى قدر أبدي من الدم والخراب والاقتلاع.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نمنح اليأس لغة جديدة، بل أن نفتح نافذة للأمل المسؤول؛ أمل لا يتجاهل حجم المأساة، ولا يبيع الأوهام، بل يستند إلى الحقيقة والمساءلة والعدالة، وإلى إيمان راسخ بأن السوريين يستحقون وطنًا يتسع لهم جميعًا، ويحفظ كرامتهم وحقهم في الاختلاف والحياة.
في «السفينة»، نؤمن بأن السؤال الحقيقي ليس كيف نعلن نهاية سوريا، بل كيف نمنع نهاية الأمل فيها. وكيف نحول الاعتراف بالأخطاء إلى بداية لمسار مختلف، لا يرث فيه الأبناء انقسامات الآباء، ولا يدفعون إلى الأبد ثمن قرارات لم يكونوا شركاء في صنعها.
فسوريا لا تحتاج اليوم إلى من يقول لها إنها ماتت؛ بل إلى من يمتلك الشجاعة ليقول: لقد أخطأنا كثيرًا، لكننا لن نسمح بأن يرث أبناؤنا أخطاءنا إلى الأبد.