قد يكون من عوامل تأخّر سقوط نظام الأسد لأكثر من عشر سنوات، الخلاف العَقَديّ بين السلفيّين الذين شكّلوا القوّة الضاربة للمعارضة آنذاك، والتقليديّين من أتباع المذاهب السنّيّة الأخرى ومعهم المتصوّفة، وهم الجمهور الأوسع في سوريا. وعندما كشف مفتي سوريا أسامة الرفاعي قبل أسابيع جانباً من هذه العلاقة الدقيقة والمضطربة، بين الجهتين، محاولاً ردم الفجوة وسدّ باب الفتنة، ارتفعت الاعتراضات والانتقادات من التيّار السلفيّ. لكنّه انفجار محدود ومؤقّت لشقاق قديم، وكان الرئيس أحمد الشرع قائد المرحلة قد تمكّن من تجاوزه قبيل عمليّة “ردع العدوان” أواخر 2024. فهل يكون فتيل انفجار أكبر وأعمق؟
من غير المستغرب أن تثير بعض تصريحات مفتي سوريا كلّ هذا الضجيج على وسائل التواصل الاجتماعيّ، من جانب السلفيّين مع سيل من الاتّهامات والتشكيكات بعقيدة الرجل، وأن تُستعاد مواقف سابقة له قبل سقوط النظام كان فيها معادياً بشدّة لقائد هيئة تحرير الشام، وذلك بهدف التشهير به. فالشيخ الرفاعي من موقعه العلميّ ومنصبه الرسميّ، يحاول تفكيك السرديّة السلفيّة، بتعليقات وردود هادئة، وهذا ما أثار الغضب لدى الطرف الآخر من المعادلة السنّيّة في سوريا.
كلّ هذا ليس سوى تنفيس عن بعض الاحتقان المكبوت منذ فرار بشّار الأسد، وقيام الدولة الجديدة، بقيادة السلفيّ “الجهاديّ” السابق أحمد الشرع. فالتحوّلات الهائلة التي أخضع الشرع نفسه لها، ورفاقه معه، بطريقة “الصدمة والترويع”، توازي إن لم تكن تضاهي الآثار الاستراتيجيّة للحملة العسكريّة الخاطفة التي أسقط بها النظام خلال 11 يوماً. وهذه التحوّلات لم تترك مجالاً أمام معارضيه داخل التيّار السلفيّ نفسه أيّ فرصة لالتقاط الأنفاس.
التّغيير من فوق
المفتي الرفاعي، في بيان توضيحيّ له في 21 أيلول الماضي، بشأن ما أدلى به أمام وفد إندونيسيّ عن “هيئة تحرير الشام” من أنّهم كانوا متطرّفين وتكفيريّين، قبل التحرير، يشرح الظروف والملابسات في مرحلة الثورة، فيقول إنّ تقارير مضطربة عن هيئة تحرير الشام والداخل السوريّ كانت تصل إليه خلال إقامته في إسطنبول، فكان ترقّب وتحفّظ. ولاحقاً تمّ اللقاء مع قيادات الهيئة برئاسة الشرع قبيل معركة “ردع العدوان”، وتبيّن من خلال ذلك زيف تلك الشائعات من دعاوى التطرّف والتكفير، مع إتاحة ممارسة الشعائر الدينيّة بحسب مذاهب أهل السنّة المعتمَدة.
عقب التحرير جرى التوافق مع الرئيس الشرع ومسؤولي الدولة على إنهاء عمل المجلس الإسلاميّ السوريّ بصيغته السابقة، وتأسيس مجلس الإفتاء الأعلى مظلّة جامعة لأهل السنّة والجماعة. وأضاف الرفاعي، في توضيح لاحق، أنّ هيئة تحرير الشام أجرت مراجعات، وتخلّت عن نهج التكفير والتشدّد والتطرّف المرتبط بمراحل سابقة، معتبراً أنّها نجحت في إعادة تقييم تجربتها وانطلقت لاحقاً نحو هدف تحرير سوريا من نظام الأسد. فالمسألة، إذاً، ليست مجرّد شائعات والتباسات أو سوء فهم وتواصل، بل هي مراجعات فكريّة حقيقيّة.
إثارة الفتنة
عن استعمال الرفاعي مصطلح “الوهّابيّة” أمام الوفد الإندونيسيّ، قال إنّه استخدم اللغة التي يفهمها الوفد، مؤكّداً أنّه لا يستخدم هذا الوصف عادةً مراعاةً للسلفيّين، وأنّ هدف حديثه كان تصحيح صورة الثورة السوريّة والقيادة الجديدة لديهم. أمّا مناسبة الكلام فهي أنّ قطاعات من جمعيّة “نهضة العلماء” في إندونيسيا، وهي أكبر جماعة إسلاميّة في العالم، وتُعدّ بعشرات الملايين في إندونيسيا وخارجها، قد تأثّرت سابقاً برواية نظام الأسد التي صوّرت الثورة السوريّة على أنّها حركة يقودها “إرهابيّون وهّابيّون”، مؤكّداً أنّه سعى خلال لقاءاته مع وفود إندونيسيّة إلى تصحيح هذه الصورة. ونفى الرفاعي صحّة بيان منسوب إلى جهة تحمل اسم “سيف الشام” ادّعت عقد اجتماع مطوّل معه، مؤكّداً أنّه لا يعرف القائمين عليها ولم يلتقِ بهم، محذّراً من جهات قال إنّها تنتحل صفات دينيّة وفكريّة لإثارة الخلافات.
اعتبر الرفاعي أنّها “فلول النظام السابق” التي تحاول إثارة الصراع بين السلفيّين والأشاعرة وإحداث الفتنة، داعياً السوريّين إلى التعاون لحماية الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ والاجتماعيّ، ودعم تعافي البلاد. وفي سياق التوضيح، أكّد الرفاعي أنّ مدارس أهل السنّة والجماعة العَقَديّة (الأشاعرة- الماتريديّة-أهل الحديث) والفقهيّة المتمثّلة في المذاهب الأربعة يجمعها الإسلام تحت مصطلح أهل السنّة والجماعة. والسلفيّة جزء أصيل من نسيج سوريا العلميّ والدعويّ. هم منّا، ونحن منهم. أمّا ميثاق وحدة الخطاب الإسلاميّ، الصادر في شباط الماضي، فهو إطار جامع وملزم.
الاحتقان السّلفيّ
كلّ ما سبق لا ينفي وجود احتقان سلفيّ له مسوّغاته الحقيقيّة، ويتجاوز تصريحات الرفاعي، التي هي بنظرة متعمّقة لا تمسّ سوى القشرة الظاهريّة للإشكاليّة، فهو كان رئيس المجلس الإسلاميّ السوريّ، الذي نشأ عام 2014، أي خلال الثورة، وكان يضمّ قرابة 40 هيئة ورابطة إسلاميّة في الداخل والخارج، ومن ضمنها الهيئات الشرعيّة لأكبر الفصائل الإسلاميّة في سوريا، التي تقاتلت مع “جبهة النصرة”، ثمّ معها بعد أن تحوّلت إلى “هيئة تحرير الشام”.
في خضمّ تلك الاشتباكات الدامية، عام 2018، وصف المجلس الإسلاميّ السوريّ “الهيئة”، وقائدها “أبا محمّد الجولانيّ” ومن بقي معه بأنّهم “بغاة مارقون أو مرتزقة مأجورون أو أغبياء مغفّلون”. وطالب البيان بقتال “الهيئة” ومن معها حتّى يستسلموا ويحاكموا محاكمة عادلة. كما طالب جميع العناصر الذين “خُدعوا بشعارات الجولانيّ وأكاذيبه الانشقاق عنه فوراً والالتحاق بفصائل الجيش الحرّ أو إلقاء السلاح والاعتزال”. وعلى هذا، فليس الشرع فقط من راجع أفكاره ومواقفه، وتسامح مع خصومه السابقين، بل الشيخ أسامة الرفاعي نفسه راجع كذلك مواقفه من هيئة تحرير الشام قبيل التحرير، وتفهّم الظروف والدوافع كما المراجعات اللاحقة.
المراجعات غير المعلنة كانت صادمة لأتباع أحمد الشرع أكثر من صدمتها لألدّ أعدائه، الذين ما زالوا يراهنون على انكشاف اللعبة، وانقلاب الرأي العامّ في الداخل، والمجتمع العربيّ والدوليّ على الحكم القائم. فما فعله “الجولانيّ” في السنوات الأخيرة يناقض سيرته السلفيّة على طول الخطّ، شكلاً ومضموناً. فليس أمراً هيّناً التخلّي مثلاً عن اللباس التقليديّ، للسلفيّين عموماً، وارتداء البدلات الرسميّة الغربيّة، مع ربطات العنق، مع ما يعتبرونه “تشبّهاً بالكفّار”.
تطبيع مع كل دول العالم
تسارعت الخطوات الدبلوماسيّة بعد سقوط النظام لتطبيع علاقات الدولة الجديدة مع كلّ دول العالم تقريباً، ومنها التي كانت العدوّ الشرس للثورة كروسيا. وفي العام الماضي، انضمّت سوريا بشكل رسميّ إلى التحالف الدوليّ ضدّ “داعش”. وهذا تجاوزٌ لمبدأ الولاء والبراء، أي الولاء للمؤمنين، والبراءة من الكافرين، وينسحب ذلك على العلاقات الودّيّة التي نسجها الشرع وما يزال يطوّرها مع زعماء الغرب والشرق دونما استثناء، ويحاول الرئيس السوريّ استيعاب مكوّنات الغالبيّة السنّيّة بمختلف تلاوينها الفكريّة والعقديّة حتّى لو كان بعضها مبتدعاً في الدين، بحسب رأي السلفيّين، وذلك تحت عنوان التكتّل الضروريّ درءاً لأيّ خطر، فضلاً عن مجمل الاختراقات الناجحة في بعض شرائح الأقليّات الدينيّة والعرقيّة.
على هذا، فإذا كانت الانتقادات الحادّة الأخيرة قد نالت من المفتي الرفاعي، من دون مسوّغ حقيقيّ، فإنّها سهام غير مباشرة إلى الشرع نفسه، وقد ارتكب، برأيهم، ما هو أفظع بكثير، من السماح لأشعريّ صوفيّ بالردّ العلميّ على المقولات السلفيّة الذائعة، مثل قوله بجواز الاحتفال بمولد النبيّ، وأنّه ليس بدعة، بعكس الرأي السلفيّ، ودعوته إلى حصر تعليم عقيدة التوحيد بالمختصّين، بل بأخصّ الخواصّ من الطلّاب، والاكتفاء بتعليم عوامّ الناس المبادئ العامّة دون الغوص في الاختلافات الدقيقة. وأخيراً، نُبش تصريح له يذكّر بمواقفه الحادّة قبل الثورة تجاه الجولانيّ ورفاقه، والتي ذهبت قبل ثماني سنوات تقريباً إلى أنّ التأخير في القضاء على هيئة تحرير الشام يصبّ في مصلحة النظام السوريّ السابق.
هل هذا الخلاف يفتح الباب أمام صراع أعنف؟
ثمّة أمران يعيقان هذا الاحتمال:
1- أنّ السلفيّين مع نفوذهم القويّ ليسوا أكثريّة، ولا حتّى في الجيش الجديد وأجهزة الأمن.
2- أنّ الرئيس أحمد الشرع يحظى بشعبيّة طاغية لدى الجمهور الواسع، ومن الأفضل للتيّار السلفيّ بقاء هذا الرئيس الذي يعرفونه جيّداً، على أن يأتي شخص آخر أبعد من هذا التيّار، ويجهلونه طبعاً.
