ملخص
حين نقرأ كتاب ستيفان زفايغ عن ميشيل دي مونتاني، الذي أنجزه كما نشير، في الأشهر الأخيرة من حياته، يصعب ألا نشعر بأن سيرة الكاتب الفرنسي أخذت تتحول، بصورة شبه غامضة، إلى سيرة ذاتية مقنعة للكاتب النمسوي نفسه، فزفايغ لم يكن يكتب عن مونتاني من موقع المؤرخ المحايد، بل كان يبحث فيه، في لحظة انهيار عالمه الأوروبي، عن نموذج لإنسان عرف كيف يحافظ على حريته الداخلية عندما ينهار العالم من حوله.
كان ذلك عام 1941، يوم انتحر ستيفان زفايغ يائساً بعدما أمضى حياته مناضلاً في سبيل السلام والتفاهم بين الشعوب، يتبين أنه قبل رحيله الطوعي مباشرة، حرص على أن ينجز سيرة أخيرة في سلسلة السير التي كتبها لكبار الفكر والتاريخ بلغته الجزلة ولكن دائماً انطلاقاً من فكر إنساني عميق.
وكان من الأمور ذات الدلالة أن تكون السيرة الأخيرة، سيرة الفيلسوف الفرنسي “مونتاني” الذي كان من المعروف أن زفايغ يقيم مع فكره حواراً دائماً. وهو قرر كتابة تلك السيرة كما سنعرف، بعدما انكب آخر أيامه على قراءة كتاب مونتاني “المقالات” الذي يعود إلى عصر النهضة ويشكل إحدى المساهمات الفرنسية الأساسية في ذلك العصر.
ولسوف يقول زفايغ في كتابه الذي سينشر بعد موته إن مونتاني كان بدوره ابناً لزمن مضطرب رأى بأم عينه موجة الحماسة للنزوع الإنساني، التي عايشها في زمنه، تتحطم على مذبح الحروب الدينية الدامية.
ومن هنا وجد كاتب القرن الـ20 لدى مفكر القرن الـ16، خير مثال على تلك المرآة التي يمكنها أن تعكس شكوكه ومعاركه في “الأزمنة الجديدة الكابية”، ولكن أيضاً “التجسيد الحي لذلك الإنسان الذي يظل واقفاً منتصب القامة وسط الفوضى التي تعم العالم”.
والحقيقة أن سيرة مونتاني، كما كتبها زفايغ، تبدو في نهاية المطاف نوعاً من وصية فكرية وإنسانية يتركها للخلف، ستبدو أقرب إلى أن تكون سيرة للكاتب النمسوي نفسه، وربما سيرة ثلاثية كما ستفيدنا السطور التالية في انطلاقها من “تلك الحكاية الرائعة على رغم كآبتها بالنسبة إلى كونها تتضمن وضع زفايغ حداً لحياته من خلالها”.
حكاية لم يروها أحد
الحكاية هي على أي حال، التالية التي نبادر لنذكر أنها ليست مؤكدة ولم يروها أحد، وذلك بالتحديد لأن بطلها لم يشعر في أيامه الأخيرة التي فصلت بين “حدوثها” وانتحاره، أنه في حاجة إلى روايتها، فأمام النص الأخير الذي كان هو محور الحكاية، لم ير زفايغ من المهم أن يعرف أحد بأنها يمكن أن تكون قد حدثت بالفعل.
والحكاية بسيطة: قبل أسابيع قليلة من انتحاره مع زوجته شارلوت في شقتهما في منفاهما البرازيلي، كان ذلك الكاتب الكبير قد أنجز السيرة الأخيرة التي كتبها بين أكثر من دزينة من السير الكبرى التي اشتغل عليها طوال حياته.
ومن الواضح أنها كانت سيرة لمثله الأعلى في الحياة والفكر، الفيلسوف الفرنسي ميشال دي مونتاني. وهو حين أنفق الأيام التالية منشغلاً بحماسة في إنجازه ذلك الكتاب الأخير، شعر، من دون ريب بقدر كبير من الرضا لسببين، أولهما أنه رأى نفسه من خلال ما كتب وكأنه يسجل سيرته الذاتية كما ينبغي أن تروى، ولكن ثانيهما، وكان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إليه، أنه رأى السيرة التي كتبها لصاحب كتاب “المقالات” أشبه بأن تكون في الوقت نفسه سيرة فكرية مواربة لفرنسي آخر، مفكر بدوره هو رومان رولان، وكان هذا الأخير أيضاً مثلاً أعلى له في الإنسانية والتسامح ونبذ العنف والكراهية بين البشر.
وهكذا سنفترض أن زفايغ قد أمضى آخر أيامه راضياً عن نفسه وعن الحياة التي عاشها، لينتحر وزوجته في نوع من الاحتجاج على استشراء النازية الهتلرية، وتفاقم الحرب العالمية الثانية، ودمار أوروبا التي اعتبرها موطنه الفكري وآخر أمل للإنسانية في استنباط حلول لتأزم العقل في هذا العالم.
تقنيع السيرة الذاتية
حين نقرأ كتاب ستيفان زفايغ عن ميشيل دي مونتاني، الذي أنجزه كما نشير، في الأشهر الأخيرة من حياته، يصعب ألا نشعر بأن سيرة الكاتب الفرنسي أخذت تتحول، بصورة شبه غامضة، إلى سيرة ذاتية مقنعة للكاتب النمسوي نفسه، فزفايغ لم يكن يكتب عن مونتاني من موقع المؤرخ المحايد، بل كان يبحث فيه، في لحظة انهيار عالمه الأوروبي، عن نموذج لإنسان عرف كيف يحافظ على حريته الداخلية عندما ينهار العالم من حوله.
ونعرف أن مونتاني قد عاش في فرنسا القرن الـ16، وسط الحروب الدينية والعنف السياسي والانقسام الاجتماعي، أما زفايغ فعاش انهيار أوروبا التي أحبها: الحربان العالميتان، وصعود النازية، وسقوط الإمبراطوريات، والمنفى، واقتلاع الإنسان الأوروبي من عالمه الثقافي الذي كان يراه وطناً روحياً، ومن هنا تبدو شخصية مونتاني بالنسبة إليه أكثر من موضوع أدبي: إنها احتمال للخلاص.
كان مونتاني، في نظر زفايغ، قد اكتشف أن الإنسان لا يستطيع دائماً تغيير العالم، لكنه يستطيع أن يحافظ على استقلال حكمه عليه، وعلى قدرته على الشك والتأمل والانسحاب من ضجيج التاريخ، وهذا بالضبط ما كان زفايغ يبحث عنه في أعوامه الأخيرة، لقد فقد وطنه، وأصبح لاجئاً، وشهد أوروبا التي عرفها تتحول إلى عالم من التعصب والقومية والعنف، لذلك كان انجذابه إلى مونتاني انجذاباً إلى فكرة “الحرية الداخلية”: أن يبقى الإنسان نفسه، حتى عندما يفقد كل ما يحيط به، وهو الدرس نفسه الذي كان تقاسمه مع رومان رولان إبان تراسلهما وتلاقيهما خلال الحرب العالمية السابقة.
سيرة الشخص الآخر
لكن المفارقة القاسية أن زفايغ، بعدما فرغ تقريباً من كتابه عن مونتاني، لم يستطع أن يطبق على نفسه الدرس الذي استخلصه من بطله، ففي فبراير (شباط) 1942، انتحر في بتروبوليس بالبرازيل مع زوجته لوته، وبذلك بات من الممكن القول إن الظرف الذي جعل نصه عن مونتاني، آخر ما كتب إنما جعل تلك السيرة، بأثر رجعي، أشبه برسالة أخيرة كتبها زفايغ إلى نفسه ولم يستطع الالتزام بها، ربما كان مونتاني بالنسبة إليه نموذجاً، ولكنه كان أيضاً مرآة تكشف حدود احتماله الشخصي.
فمونتاني، على رغم الحروب والمآسي التي أحاطت به، استطاع أن يجد ملاذاً في الكتابة وفي عالمه الداخلي، أما زفايغ فقد شعر بأن العالم الذي منح حياته معناها قد انتهى بالفعل، لم يكن الأمر مجرد خوف من النازية أو من الحرب، بل إحساساً بأن أوروبا التي كان ينتمي إليها ثقافياً وحضارياً قد ماتت. ومن هنا يمكن فهم المفارقة المؤلمة: كتب زفايغ عن مونتاني لكي يتعلم منه كيف يعيش بعد انهيار العالم، لكنه أنهى حياته لأنه لم يعد قادراً على تصديق إمكان الحياة بعد انهيار ذلك العالم.
ولعل قيمة الكتاب اليوم تكمن تحديداً في هذه المفارقة، فبينما كان زفايغ يحاول أن يمنح مونتاني صورته عن الإنسان الحر، كان، من حيث لا يدري، يكتب أيضاً وثيقة عن نفسه: عن مثقف فقد وطنه، ثم فقد العالم الذي كان يجعل وجوده الثقافي ممكناً. ولهذا تبدو سيرة مونتاني، في ضوء انتحار مؤلفها بعد أسابيع من إنجازها، وكأنها السيرة التي كتبها زفايغ عن نفسه من خلال شخص آخر.
