
انتقلت الولايات المتحدة الأميركية إلى مستوىً جديد من الضغط على لبنان، عنوانه الجانب المالي هذه المرة، الذي على ما يبدو بالنسبة إلى واشنطن، فهو يوازي الجانب العسكري. يتركز الإهتمام الأميركي في هذه المرحلة على كيفية مكافحة تمويل حزب الله ومنعه من إعادة بناء قدراته. الضغوط ستتسارع بعد تقرير وكالة رويترز عن حصول حزب الله على مبلغ 200 مليون دولار سيخصّصها لتقديم دفعات ومساعدات للعائلات التي تدمرت منازلها في الحرب الإسرائيلية على الجنوب. عمل حزب الله مسبقاً على التمهيد لهذا الخبر، خصوصاً على لسان النائب حسن فضل لله الذي كان قبل فترة بزيارة إلى إيران، وبعد عودته أعلن أن الحزب يستعد لتقديم مساعدات للناس وأن المبلغ سيصعق الولايات المتحدة الأميركية. ما إن تسرب خبر رويترز حتى سارعت واشنطن إلى الرد على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية، الذي أكد أن “حزب الله” يسعى إلى ترويج روايات عبر مصادر مجهولة الهوية لأسباب تخدم مصالحه، مشدداً على أن بإمكانه الادعاء بما يشاء، “غير أن الأموال التي يتحدث عنها غير موجودة”.
“قصص مفبركة”
وقال المتحدث إنَّ الحزب “تعرض لضربات قاسية وتسبب في معاناة مئات الآلاف من اللبنانيين الأبرياء”، معتبراً أنه يحاول حالياً حفظ ماء الوجه من خلال “قصص مفبركة” تتحدث عن تدفقات مالية قادمة من إيران. وأضاف أن صادرات النفط الإيرانية تواجه حصاراً، فيما تشهد العملة الإيرانية تراجعاً حاداً، وأن النظام الإيراني بات يعيش حالة من القلق والترقب. وأكد أن الولايات المتحدة ستواصل تشديد الخناق على الموارد المالية لـِ “حزب الله” من خلال العقوبات، بالتوازي مع دعمها لقدرة الحكومة اللبنانية الشرعية على إعادة إعمار المناطق الجنوبية. وأشار المتحدث إلى أن “حزب الله لم يجلب إلى لبنان سوى المعاناة”، متهماً إياه بخوض حرب نيابة عن طهران تسببت في أضرار بمليارات الدولارات. وأضاف أنه حتى لو كانت تلك المساعدات المالية المزعومة حقيقية، فإنها “لن تكون كافية لمعالجة حجم الخسائر“.وختم بالقول إنه في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، “لن يتمكن حزب الله من استعادة عافيته أو إعادة بناء بنيته التحتية الإرهابية”.
واشنطن و”التباطؤ” اللبناني
الردّ الأميركي بشكل رسمي على تقرير رويترز، يشير بوضوح إلى أن واشنطن مهتمة بهذا الملف، وأنها لن تكون متساهلة مع لبنان لجهة الإجراءات التي ستفرضها بحق المعرقلين. ووفق ما تقول مصادر ديبلوماسية فإن واشنطن تبدي انزعاجاً من التباطؤ اللبناني في تطبيق ما يلزم، سواء في ملف سحب السلاح، أو في ملف إغلاق المؤسسات المالية وشركات الصرافة التي يستفيد منها الحزب. في التقييم الأميركي، أن لبنان يحاول أن يلعب لعبة كسب الوقت من دون تطبيق القرارات التي اتخذها، وأن واشنطن لن تتساهل مع هذا الأمر. وفي هذا السياق، يفترض تفعيل آليات تنسيق عديدة بين واشنطن وبيروت لأجل تحقيق ما يلزم، من دون إغفال التلويح الأميركي باستخدام سلاح العقوبات مجدداً، على المستوى المالي أو حتى على مستوى مسؤولين تعتبرهم أميركا أنهم يعرقلون تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. ضمن إطار خطة التفعيل، يبحث لبنان اتخاذ المزيد من الإجراءات على أبواب جولة التفاوض العسكرية التي يفترض أن تعقد في فلوريدا، بما في ذلك إعادة تعزيز انتشار الجيش في النبطية ومحيطها وبسط سيطرته الكاملة على المنطقة، كما أن لبنان سيطرح في المفاوضات مسألة انسحاب إسرائيل من بعض النقاط، ونشر الجيش في النبطية الفوقا، وحتى في محيط قلعة الشقيف.
عقوبات جديدة
تضع المواقف الأميركية الكثير من التحدي أمام الدولة اللبنانية، التي وفق المعلومات جرت مطالبتها من قبل الولايات المتحدة الأميركية بضرورة تشديد الإجراءات لمنع حزب الله من تهريب الأموال أو الاستفادة من أي مساعدات تقدمها الدولة اللبنانية، مع تركيز الضغط الأميركي على شركات الصيرفة، والمؤسسات المالية التابعة للحزب، إلى جانب معلومات تتحدث عن رفض أميركي لتمويل الدولة اللبنانية لمجلس الجنوب باعتبار أنه سيفيد حزب الله. في هذا السياق، يتجدد الحديث عن احتمال فرض عقوبات أميركية جديدة على لبنان ولا سيما على بعض المسؤولين والشخصيات أو بعض المؤسسات المالية وشركات الصرافة.
التفكيك الكامل
جانب آخر من الضغوط يتركز على المطالبة بضرورة إقفال بنك صادرات إيران في لبنان إلى جانب استكمال الإجراءات لإغلاق القرض الحسن. علماً أن أي مساعدات سيقدمها حزب الله لناسه ستكون من خلال القرض الحسن وهو ما سيضاعف التحدي أمام الدولة اللبنانية، التي كانت قد بدأت باتخاذ إجراءات ضد القرض الحسن لكنها لم تستكمل. ووفق المعلومات، فإن تنسيقاً مفتوحاً بين الخزانة الأميركية والإدارات اللبنانية الرسمية للبحث في كيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته من خلال الأموال التي يحصل عليها. ووفق المعلومات، إن الولايات المتحدة تضع شروطاً واضحة على لبنان وهي ضرورة تفكيك حزب الله بكل مؤسساته وليس فقط بجسمه العسكري. في المقابل، فإن الحزب لا يزال يراهن على التطورات الإقليمية لتنعكس على الواقع الداخلي فتتوقف الضغوط التي يتعرض لها، كما يراهن على متغيرات يمكن أن تفرضها الانتخابات الأميركية والإسرائيلية.