تواصل نبتة زهرة النيل تمدُّدها في مجرى نهر العاصي شمال غربي سوريا، في معركة مفتوحة مع المزارعين والجهات المعنية، بعدما تحوّلت منذ دخولها البلاد عام 2005 من «تجربة زراعية» إلى واحدة من أخطر النباتات الغازية التي تستنزف الموارد المائية وتُعرقِل الري وتهدّد النظام البيئي للنهر.

وتشير بيانات مديرية الموارد المائية في إدلب إلى أن النبتة الواحدة تستهلك يومياً ما بين 3 و4 لترات من مياه النهر، فيما يصل وزن السجادة النباتية التي تغطي مساحة 100 متر مربع من سطح المياه إلى نحو 7 أطنان، ما يُشكّل ضغطاً إضافياً على أساسات الجسور والمنشآت المائية. كما تتميز بسرعة تكاثرها، إذ لا تحتاج سوى 12 يوماً لتغطية مساحة جديدة بعد إزالتها.

وقال المهندس مصطفى سماق، مدير مديرية الموارد المائية في إدلب، إن أبرز بؤر انتشار زهرة النيل تتركّز حالياً في ريف سلقين، حيث يستمر جريان نهر العاصي خلال فصل الصيف بفعل تغذية نبع عين الزرقاء، الأمر الذي يوفر بيئة مناسبة لتكاثرها. وأضاف أن جفاف مجرى النهر شمال النبع يحدّ من انتشارها في تلك المناطق.

وأوضح سماق أن الموسم المطري الماضي شهد وصول كميات كبيرة من النبات من منطقة سهل الغاب، جنوب بوابات سد القرقور، قبل أن تتجمع مستعمرات ضخمة قرب الحدود السورية – التركية. وأشار إلى أن حملات إزالة نُفِّذت بالتعاون بين وزارة الطوارئ والكوارث ومؤسسة e-clean، وأسفرت عن تنظيف المنطقة بشكل شبه كامل، كما ساهمت الحكومة التركية خلال الموسم الماضي في إزالة النبات من المناطق الحدودية.

وتتواصل حالياً حملات المكافحة في منطقة العلاني، قرب سد الصداقة، بمشاركة وزارة الطاقة والدفاع المدني وهيئة تطوير الغاب وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، إلا أن سماق يؤكد أن هذه الحملات تبقى موسمية، إذ تعود النبتة للانتشار سريعاً بعد انتهاء أعمال الإزالة.

ولا تقتصر آثار زهرة النيل على المجرى المائي، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية. ويقول المزارع محمد عارف من مدينة دركوش: «انسدّت قناة الري ثلاث مرات هذا الصيف. نقوم بإزالة زهرة النيل يدوياً، لكنها تعود خلال أسبوع، ما يؤخر وصول المياه إلى الأراضي وينعكس على موعد نضج المحصول».

من جهتها، تقول مريم سليمان، زوجة أحد المزارعين في مدينة حارم: «تخنق الزهرة النهر. نفقت الأسماك وظهرت الروائح الكريهة. كنا نعتمد على النهر في كل شيء، أما اليوم فأصبحنا نشتري المياه للري».

وتؤكد مديرية الموارد المائية أن معظم الشكاوى التي تتلقاها تتعلّق بانسداد عبارات الري وقنواته، وتأخر وصول المياه إلى المحاصيل الزراعية، الأمر الذي يزيد الأعباء على المزارعين ويُهدِّد الإنتاج الزراعي في المنطقة.

وترى المديرية أن المعالجة الفعّالة تتطلّب خطةً مشتركة على مستوى حوض نهر العاصي، بالتنسيق مع مديرية الموارد المائية في حماة وهيئة تطوير الغاب، تعتمد على الجمع بين المكافحة الميكانيكية والمكافحة الحيوية، بدلاً من الاكتفاء بحملات الإزالة الموسمية.

ويؤكد سماق أن الحلول المستدامة تبدأ بإدارة الأزمة على مستوى حوض النهر كاملاً، والتخطيط المبكر قبل تفاقم انتشار النبات، إلى جانب تعزيز المسؤولية الجماعية لدى المزارعين وإزالة أي بؤر جديدة فور ظهورها للحدِّ من توسعها.

وفيما يطرح البعض إمكانية الاستفادة من زهرة النيل كسماد أو علف، يُحذّر سماق من التسرّع في ذلك، موضحاً أن بعض الدراسات تشير إلى احتواء النبات على تراكيز مرتفعة من العناصر الثقيلة، ما يستدعي تجنّب استخدامها كسيلاج (علف) للحيوانات إلى حين توفر دراسات علمية أوسع تؤكد سلامته.