بات من الثابت، استناداً إلى شهادات وتصريحات متواترة أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، أنّ مصر كانت من الدول القليلة في الإقليم التي حذّرت من انفجار وشيك، وإن بقي مقدار ما عرفته مسبقاً عن توقيت هجوم طوفان الأقصى وحجمه موضع روايات متباينة. لكنّ الزلزال الذي أطلقه يحيى السنوار ومحمّد الضيف، القياديّان في حركة حماس، كان بمثابة رصاصة الرحمة على سلام إقليميّ هشّ كان يُبنى فوق صراع فلسطينيّ مؤجّل، ثمّ أخذت ارتداداته تتّسع من غزّة إلى جنوب لبنان فسوريا وإيران ومضيق هرمز والخليج، وصولاً إلى طرق التجارة والطاقة والاقتصاد العالميّ.
كانت مصر، طوال هذه السنوات، كمن يعاند الموج في بحر متلاطم من الأزمات التي لم تبدأ غداة السابع من أكتوبر، لكنّه سرّع تراكمها وتشابكها حتّى تحوّلت إلى ما يشبه القوس الملتهب حول الجغرافيا المصريّة: من ليبيا غرباً إلى السودان جنوباً، فالصومال وإثيوبيا والبحر الأحمر شرقاً، وصولاً إلى غزّة، وهي الأكثر التصاقاً بالأمن المصريّ وبمعاهدة السلام مع إسرائيل. وفوق الصراعات المسلّحة، تتقاطع حول مصر منافسات اقتصاديّة وطاقويّة وممرّات تجاريّة تمتدّ من الصين والمحيط الهندي إلى الخليج وشرق المتوسّط وأوروبا.
مع ذلك، حافظت مصر إلى حدّ بعيد على استقرارها وأمنها الداخليّ، ونجحت في منع معظم ارتدادات الخارج من التحوّل إلى أزمات أمنيّة في الداخل، فيما حاولت بالتوازي تثبيت اقتصاد أنهكته الأزمات الإقليميّة نفسها.
عملتيها إزّاي يا مصر؟
لا يشكّل النهج الذي اتّبعه الرئيس عبدالفتّاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم قطيعة كاملة مع تقاليد السياسة الخارجيّة المصريّة التي أرساها الرئيس الراحل أنور السادات بعد انتقاله في حرب 52 وتوقيعه معاهدة السلام مع اسرائيل استعادت مصر كل شبر من أرضها وكرّس جوانب منها الرئيس الراحل حسني مبارك. اختلفت الأدوات والظروف والشركاء، لكن بقيت عناصر أساسيّة: الانفتاح على مراكز القوّة المختلفة، عدم الارتهان لطرف واحد، والأهمّ الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم مصريّاً قدر الإمكان، بعيداً عن التحالفات العسكريّة الملزمة.
لم يكن هذا القرار، تاريخيّاً، نتاج إرادة الرئيس وحده كما توحي الصورة الشائعة عن مركزيّة الحكم في مصر. فقد ظلّت المؤسّسة العسكريّة والمخابرات العامّة والخارجيّة، بأوزان متفاوتة من عهد إلى آخر، جزءاً من بنية صناعة السياسة الخارجيّة والأمن القوميّ. ومع السيسي، القادم أصلاً من المؤسّسة العسكريّة، أصبحت هذه الاستمراريّة أكثر وضوحاً: رئيس قويّ في قمّة النظام، لكن داخل دولة تمتلك مؤسّسات أمن قوميّ متراكمة وذاكرة استراتيجيّة تتجاوز عمر الرئيس نفسه.
هل ما أنقذ مصر حتّى الآن نموذج قابل للاستمرار، أم إرث من الحذر الاستراتيجيّ نجح في بيئة إقليميّة لم تعد موجودة؟
إرث الحذر
لم تقف مصر تاريخيّاً موقف المتفرّج على صراعات الإقليم، لكنّ الحذر من الانجرار إلى حروب الآخرين، ورفع عتبة استخدام القوّة خارج الحدود، والحفاظ على حرّيّة القرار، شكّلت ثوابت في المنهج المصريّ. فقرار الرئيس الراحل محمّد حسني مبارك دخول حرب تحرير الكويت عام 1991 جاء ضمن تحالف عربيّ ودوليّ واسع وشرعيّة أمميّة واضحة أبقت حدود التدخّل عند تحرير الكويت من دون الانتقال إلى قتال العراقيّين على أرضهم أو إسقاط النظام في بغداد.
على النقيض من ذلك، مثّل موقف الرئيس الراحل محمّد مرسي من الحرب السوريّة، وخصوصاً في أسابيعه الأخيرة في الحكم، خروجاً مقلقاً للمؤسّسة العسكريّة عن هذه الضوابط. فقطع العلاقات مع دمشق والخطاب الذي رافق مؤتمر “نصرة سوريا”، وما تضمّنه من دعوات ذات طابع جهاديّ، عزّزت داخل المؤسّسة العسكريّة مخاوف من إدخال مصر في صراعات عابرة للحدود ذات صبغة أيديولوجيّة. وتضع بعض الروايات الصحافيّة هذه الوقائع ضمن التراكم الذي عمّق الصدام بين الجيش والرئاسة عشيّة إطاحة مرسي.
أعاد السيسي منذ وصوله إلى الحكم ترتيب الأولويّات الراسخة في مؤسّسات الدولة المصريّة، وشكّل، من وجهة نظر نظامه، مقصلة لمشروع الإخوان المسلمين وتمدّدهم في الإقليم، متحمّلاً عن دول عربيّة كانت ترى في صعود الجماعة تهديداً لها جزءاً كبيراً من كلفة المواجهة، ودافعاً لسنوات ثمناً باهظاً من رصيده وصورة مصر في الخارج.
لكنّ استعادة الحذر لم تعنِ الحياد. لم تقف القاهرة متفرّجة أمام تهاوي الأمن على حدودها الغربيّة، فتدخّلت مبكراً في الصراع الليبيّ إلى جانب خليفة حفتر، ووصل تدخّلها إلى استخدام القوّة المباشرة ورسم سرت والجفرة خطّاً أحمر. وفي السودان، انحازت بوضوح إلى الدولة ومؤسّساتها والجيش بقيادة عبدالفتّاح البرهان في مواجهة قوّات الدعم السريع، من دون أن تنتقل إلى حرب مفتوحة لحسم الصراع لمصلحته.
ينتقد البعض عدم وصول التدخّل المصريّ في هاتين الساحتين إلى حدود الحسم. في المقابل، تطرح دوائر مصريّة قريبة من المؤسّسة العسكريّة سؤالاً مختلفاً: ما الذي كان يمكن لمصر أن تفعله في صراعات دخلتها رؤوس أموال عربيّة وأجنبيّة ضخمة، وتدفّقت إليها مصادر تسليح مفتوحة، وتقاطعت فيها مصالح دول إقليميّة ودوليّة، من دون أن تنزلق هي نفسها إلى مغامرة عسكريّة مفتوحة وغير محسوبة العواقب؟ ومَن هي القوّة العربيّة أو الإقليميّة أو العظمى التي تمكّنت أصلاً من حسم أيّ من الصراعات التي اندلعت في العقدين الأخيرين بشكل واضح ومستدام لمصلحتها؟
اختارت مصر إدارة المخاطر الآتية من خارج حدودها أكثر ممّا اختارت خوض الحروب لإزالة مصادرها. وقد يكون هذا هو جوهر النموذج المصريّ حتّى الآن: التدخّل بما يكفي لمنع الخطر من الوصول إلى الداخل، من دون التدخّل إلى الحدّ الذي يجعل مصير الصراع ومآلاته جزءاً من مصير مصر نفسها.
امتحان “مسافة السّكّة”
كان هذا المنهج، في نظر كثيرين، أحد أسباب نجاح مصر في حماية نفسها من حرائق الإقليم، وربّما كان هو نفسه ما استجلب عليها الانتقادات بالجملة عندما اندلعت الحرب على إيران وسقطت الصواريخ على دول الخليج مختبرة للمرّة الثانية وعد “مسافة السكّة” الذي أطلقه الرئيس عبدالفتّاح السيسي عام 2015 تعبيراً عن استعداد مصر للوقوف إلى جانب دول الخليج التي ساندت النظام الجديد بعد سقوط حكم الإخوان. لم يترك السيسي يومها مجالاً كبيراً للالتباس في الدافع، إذ وضع أمن الخليج ضمن ثوابت الأمن القوميّ المصريّ وربط التزام بلاده تجاه دوله صراحة بـ “ردّ الجميل”.
جاء الاختبار الأوّل سريعاً مع عمليّة “عاصفة الحزم” في اليمن. شاركت مصر في التحالف، ولا سيما في تأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكنّها أحجمت عن التورّط البرّيّ الواسع في حرب الحوثيّين. وبحسب العارفين بآليّات صناعة القرار في القاهرة، لم يكن ذلك تراجعاً عن اعتبار أمن الخليج جزءاً من الأمن القوميّ المصريّ بقدر ما كان ترجمة عمليّة لفهم المؤسّسة العسكريّة لمعنى الالتزام نفسه: مصر تقرّر متى تتدخّل، وكيف تتدخّل، وإلى أيّ مدى.
ثمّ جاءت حرب 2026 لتكشف مجدّداً حدود هذه “السكّة” وشروطها. ففي السنوات الفاصلة تبدّلت موازين القوى والمصالح، وتعاقبت الخصومات والمصالحات، حتّى بدا الإقليم مختلفاً إلى حدّ بعيد عن عالم 2015، حين كانت الولايات المتّحدة تدشّن الاتّفاق النوويّ مع إيران وتعيد ترتيب انخراطها في الشرق الأوسط، فيما لم يكن كثيرون يتوقّعون أن يصل النظام الدوليّ إلى هذا القدر من التصدّع، أو أن يمتدّ الصدع إلى داخل المنظومة الخليجيّة نفسها.
غداً الحلقة الثانية : مسافة السّكّة المصريّة… ذهاباً وإياباً.
