وإذا وضعنا جانباً الولايات المتحدة، وهي القوة الخارجية الأكثر انخراطاً وتأثيراً في الحرب، نجد أن معظم الأطراف التي تمتلك قدرة مباشرة على تغيير الوقائع، فرض كلفة أو تحصيل منفعة، هي قوى غير عربية. تقع إيران في قلب الحرب وتملك أدوات عسكرية وشبكات نفوذ وقدرة على تهديد طرق الملاحة. إسرائيل هي من بادرت إلى الحرب، حرّضت على شنّها، وأشعلت فتيلها. تركيا وباكستان تتحرّكان، بوصفهما قوتين اقليميتين وازنتين، لاستغلال أي فرصةٍ للتكسّب منها. حتى روسيا والصين، ورغم حرصهما على عدم الانخراط المباشر، تحاولان انتزاع دور لهما في الصراع، سواء عبر طرح مبادرات دبلوماسية، أو بتقديم مساعدات (استخباراتية وعسكرية) لإيران، أو مساعدتها في كسر الحصار، بما يجعل لهما دالّة أو نفوذ عليها عندما يحين موعد التسوية الكبرى. في المقابل، نبدو نحن، معشر العرب، أصحاب الحضور الإعلامي الأكثر كثافة في الأزمة، في موقع من يتلقى نتائج الصراع دون أن يشارك في صنع مساره.
تقتضي الموضوعية والأمانة القول إن الدول العربية، الخليجية خصوصاً، دافعت عن نفسها بكفاءة واقتدار، فاجأت الكثيرين، خلال الحرب، وبذل بعضها جهودا كبيرة، وما زال، لوقفها، لكن هذه النجاحات، على أهميتها، شيء، والقدرة على المساهمة في تشكيل البيئة الاستراتيجية للصراع شيء آخر. وهنا، ربما، المشكلة التي ينبغي تعريفها بصراحة ووضوح. نمتلك قدرة هائلة على استهلاك السياسة إعلاميّاً، لكن قدرتنا على إنتاجها أقل بكثير. نحلل تحرّكات الآخرين، ونفسّر نياتهم، ونناقش مدى صواريخهم، ونحصي عدد طائراتهم، وننفق ساعات في البث التلفزيوني للحديث عن استراتيجياتهم، بينما السؤال الأصعب، قليل الحضور: أين استراتيجيتنا نحن؟ ليست هذه المفارقة جديدة، فمنذ عقود، صارت منطقتنا العربية من الأكثر في العالم إنتاجاً للخطاب السياسي. نعقد القمم والمؤتمرات ونصدر البيانات والمبادرات، ولدينا منظومة إعلامية ضخمة، تعمل من دون توقف، لكن الفجوة بين القول والقدرة على الفعل ما فتئت تتسع.
قد تتحوّل كثافة التغطية الإعلامية أحياناً إلى أداة لإخفاء هذه الفجوة. عندما لا نستطيع تغيير الحدث نُكثر الحديث عنه. وعندما لا نملك المبادرة ننشغل بتفسير مبادرات الآخرين. وعندما تكون القرارات المهمة تُؤخذ في واشنطن وطهران وتل أبيب، وإلى حد أقل، ربما، في بكين وموسكو وأنقرة، وإسلام أباد، قد تمنحنا الشاشات، التي تعمل ليل نهار، إحساساً بأننا موجودون في قلب صناعة القرار، لمجرّد أننا موجودون في قلب التغطية.
… خلاصة القول، ينبغي أن نعمل على جعل الإعلام انعكاساً للقوة، لا تعويضاً عن غيابها، أو غياب المشروعات والرؤى التي تسعى إلى بنائها. فالضجيج، مهما ارتفع، لا يغيّر شيئاً، وما يحدّد موقعنا بين الأمم ليس مقدار ما نقوله عن الأحداث، بل مقدار ما نستطيع فعله فيها.