حين تُذكر “الأموية” في سياق دمشق وسوريا، لا ينبغي التعامل معها كمعيار إثني أو انتماء ديني أو طائفي ضيق، بل كصفة حضارية لحقبة عظيمة تشكّلت فيها هوية المنطقة والعالم كله بطرق عديدة، لدرجة أننا نلمس آثارها المؤسسية والمعمارية والثقافية والفكرية والايديولوجية إلى يومنا هذا.
ففي العهد الأموي، لم تكن دمشق مجرد عاصمة إقليمية أو مركز إداري، بل كانت العاصمة الإمبراطورية الأولى في التاريخ العربي-الإسلامي، وحاضنة أعظم امبراطورية متصلة الرقعة عرفها العالم حتى ذلك الحين، وفي هذا الفضاء الحضاري، كان “الآخر” شريكاً في الحكم والإدارة والعلم والتطوير؛ فبرز الأطباء، والمترجمون، والإداريون والمعماريون من مختلف الخلفيات ليعملوا معاً على تأسيس دولة الكفاءات والخبرات والعمل والابتكار. فمن لا يعرف عن سرجون بن منصور وابنه يوحنا الدمشقي اللذين أدارا دواوين دمشق؟
لم تقتصر عظمة سوريا الأموية على التنوع والشراكة، بل كانت إشعاعاً علمياً معمارياً صانعاً للتاريخ؛ فمن جوامعها وبيوتها وقصورها—التي شُيّدت بمهارة ودقة—إلى تنظيمها العمراني الذي أصبح نموذجاً يُحتذى به، تحولت سوريا إلى مركز للعالم ومصدر الهام الشعوب. وفي قلب هذا التحول، كان الجامع الأموي الشاهد الخالد على صهر الفنون الرومانية والعربية في قالب إسلامي وعربي فريد، بما يحمله من عظمة معمارية وهندسية غدت نموذجاً احتذت به الحواضر الإمبراطورية من قرطبة في الغرب إلى سمرقند في الشرق.
ومنها انطلقت حركة التغيير الذي أعاد ترتيب الخارطة العالمية، وجعل منها جزءا مهما من كتابة التاريخ الإنساني كما نعرفه اليوم. لأول مرة في التاريخ، أُزيلت الحدود الفاصلة بين حضارات الشرق القديم مثل فارس والهند، وحضارات حوض المتوسط (العربية والإغريقية والرومانية)، وأصبحت دمشق عاصمة الإمبراطورية الوحيدة التي تحكم هذا الفضاء الممتد.
والتغيير الذي أحدثه قرار “تعريب الدواوين” في عهد عبد الملك بن مروان مأسس اللغة العربية التي كان يستعملها أغلب السوريين.
فقد كانت استوطنت القبائل العربية المسيحية بادية الشام وأطراف مدنها منذ عصور قديمة، مثل قبائل كلب، وتنوخ، وغسان (الغساسنة الذين شكلوا قوة سياسية وعسكرية حليفة للرومان)، وطيء، ولخم. هؤلاء كانوا جزءاً أصيلاً من النسيج الديموغرافي السوري. قرار التعريب نقل العربية من لغة سوريا المحكية والتجارية إلى لغة الدولة الرسمية، لتُزيح بذلك اللغة اليونانية التي كانت قد احتكرت سجلات الضرائب والإدارة في الشام منذ العهد الروماني. هذا التحول الإداري والسياسي هو ما جعلها لغة عالمية للدبلوماسية والعلوم لاحقاً. هذا كله بدأ من دمشق ومع السوريين.
التمدد الأموي أدى أيضاً إلى إعادة تشكيل شامل لخرائط العالم الاقتصادية. فمن دمشق، أُديرت التجارة العالمية عبر شبكات ممتدة بين قارات ثلاث، وتوحدت النظم النقدية لأول مرة عبر ضرب “الدينار الذهبي” كأول عملة عالمية مستقلة تنهي التبعية للنقد البيزنطي والساساني.
وهنا يقع بعض السوريين—حتى ممن يملكون معرفة عميقة بالتاريخ ودراية بمحطاته—في فخ تحليلي لطيف الظاهر لكنه خاطئ المنهج. ينبع هذا الفخ من محاولات نَبيلة وجميلة لـتحقيق العدالة بين كافة العصور والحقبات التي مرت على سوريا، من خلال منح كل فترة تاريخية ذات الوزن والأهمية والثقل الحضاري، وكأن التاريخ مساحة لتوزيع الفرص والتكريم بالتساوي.
إن النظر إلى التاريخ بهذه العين المعيارية هو خطأ تحليلي جسيم من وجهة نظر علم التاريخ والعلوم السياسية: ليست كل العقود والعصور تصنع وجه العالم أو تترك ذات البصمة الهيكلية. فالتاريخ لا يسير بخط مستقيم، ولا تتساوى فيه العقود ولا الحواضر. هناك لحظات في عمر الأمم تكون فيها مجرد ممر أو هامش في أحداث العالم، وهناك لحظات أساسية فائقة (pivotal moments) تقف فيها تلك الأمم في قلب المسرح العالمي، لتصيغ المفاهيم وتحدد اتجاه الحضارة البشرية لقرون قادمة. العصر الأموي لم يكن مجرد “حقبة من بين الحقبات” في التاريخ السوري، بل كان اللحظة التي أصبحت فيها دمشق عصب العالم ومحوره الأساسي. وإن إنكار هذا الفارق بحجة العدالة التاريخية هو تفريط بالكتلة الحيوية للهوية السورية.
من حق أي شعب في هذا العالم أن يتذكر لحظات العظمة في تاريخه وأن يفتخر بكونه يوماً مركزاً للتاريخ وسائداً فيه. ومن الوهم الاعتقاد بأن شعوباً كأهل فرنسا أو بريطانيا قد تتخلى يوماً عن الاعتزاز بأوج امبراطورياتها التاريخية—رغم كل ما يُثار حولها من جدل نقد سياسي أو أخلاقي معاصر—لمجرد ترضية حساسية دول أخرى، أو مراعاة لموازنات إقليمية عابرة أو مجموعات داخلية غاضبة. لم يفعلوا ذلك ولن يفعلوا؛ لأن القطع المعرفي مع اللحظات الفائقة في التاريخ هو نوع من الانتحار الثقافي والتمزيق الإرادي للتسلسل الحضاري.
كذلك هو الحال بالنسبة للسوريين. فهذا الإرث الأموي لا ينبغي أن يبقى مجرد صفحات مطوية في كتب التاريخ والأرشيفات والأبحاث الجامعية، بل ينبغي أن يكون جدار حماية للهوية ومصدرًا للإلهام الحضاري لأجيال المستقبل. ليس على السوريين أن يعتذروا عن افتخارهم بدمشق الأموية، ولا أن يتنصّلوا من لحظةٍ أسهمت دمشق فيها في صياغة وجه العالم وثقافته. إن الاعتزاز بهذا الإرث ليس انغلاقًا عرقيًا، كما يقول بعض النقاد، ولا دعوةً إلى الاجترار الساذج لأمجاد غابرة؛ بل هو استعادة ضرورية لجزء مهم من الذات الحضارية، وتذكير لوجهائنا وواضعي السياسات وللشعوب على حد سواء بأن الهامش ليس المكان الوحيد، ولا الطبيعي، لسوريا، وأن القدر الحضاري لدمشق كان حقيقيًا وفاعلًا ومستمرًا. فليست كل طبقات التاريخ متساوية في وزنها وأثرها، وبعض اللحظات تتجاوز حدود زمانها ومكانها لتصبح جزءًا من تاريخ العالم نفسه. ودمشق الأموية واحدة من تلك اللحظات.
وأخيرًا، فإن التمسك بهذا التاريخ هو تذكير بأن الإنسان السوري، بمسيحييه ومسلميه—مع التذكير بأن أكثرية السوريين تحت الحكم الأموي كانوا مسيحيين—متى امتلك شروطه الحضارية، قادرٌ على أن يعود مجددًا ليشارك العالم ثقافته، ويقدّم له أجمل ما عنده من قيم الإبداع والإنسانية.
