
أدرك القيادي في حزب الله، محمود القماطي، أكثر من غيره “خطورة” الإجراءات اللبنانية الرسمية، التي تستهدف الحد من دخول الإيرانيين إلى لبنان، والمترافقة مع منع الطيران الإيراني من المجيء إلى لبنان، ورفض أوراق اعتماد السفير الإيراني المعيّن. ولذا، وعلى عادة هذا الحزب في مخاطبة الآخرين، أكانوا دولة أو جماعات أو أفراداً، هدد في حال لم تتراجع السلطة اللبنانية عن تلك الإجراءات، قائلاً: “لا يبقى طيران يهبط في بيروت ولا سفير يبقى في لبنان“.
بعد هذا التهديد، وإثر لقاء الرئيسين دونالد ترامب وجوزاف عون، أتى القرار الأميركي باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، المحظورة منذ 1985.
لا نحتاج جهداً لإدراك الصلة بين الواقعتين. فقبل 41 عاماً، وفي لحظة الإعلان الرسمي عن ولادة حزب الله، كان مطار بيروت مسرحاً لخطف الطائرات الأميركية، فيما كان خطف الأجانب في شوارع بيروت الغربية في ذروته، تتويجاً لمسار ابتدأ عام 1983 بتفجير السفارة الأميركية، لحقه تفجير مقريّ المارينز الأميركي والمظليين الفرنسيين. وصاحب كل هذا تجديد للحرب الأهلية أشد دموية وظلامية عدمية.
ومذاك الحين، وإلى يومنا هذا، كان السلاح المتعدد الاستخدامات في الداخل وعند الحدود، يأخذ لبنان في أوقات الهدنة كما في أوقات الحرب إلى حيث لا يشاء معظم سكانه، وبالتحديد بعيداً عن السلم وعن العالم.
والقماطي كما جميع قادة حزب الله، يستشعرون عن حق خطر سقوط ما أسسوه بالقوة والعنف والتهديد، أو بالمال والأيديولوجيا والتعبئة المذهبية. وهم في كل مرة تحسسوا خطراً مشابهاً، عمدوا إلى “قلب البلد والحكومة” (حسب قول القماطي نفسه). وهذا أمر مشهود منذ تسعينات القرن الماضي، حين منعوا انتشار الجيش اللبناني جنوباً تمهيداً لانسحاب إسرائيلي كان مزمعاً، بنيّة إسرائيلية لفصل مسار لبنان عن الجولان. ثم تكرر الأمر في تموز 2006، استجلاباً لحرب تقوّض الحركة الاستقلالية اللبنانية، وما لا يحصى من اغتيالات وقمصان سود وصدامات مسلحة وتلويح بحرب أهلية أو استدعاء إسرائيل لحرب أخرى، وإسقاط حكومات ومنع انتخابات وإقفال مجلس النواب، وقمع احتجاجات.. إلى لائحة بآلاف الصفحات من أعمال هدم منهجي للمؤسسات والأجهزة والإدارات، وتخريب الاقتصاد وإفساد طبقات بأسرها من سياسيين ورجال أعمال وتجار ومقاولين وقضاة وإعلاميين، على نحو أغرق البلد في منظومة كاملة من الفجور السياسي والمالي، وأبعده عن العالم وعزله إلى أن بات خرباً وفقيراً وفاسداً بالمعنى الأخلاقي والقيمي. وقد تولى الحزب حماية هكذا بيئة وهكذا اقتصاد وهكذا سلطة طوال أكثر من عقدين.
حينها، كانت الطائرات الإيرانية تهبط في مطار بيروت ساعة تشاء، محملة بما تشاء (والجميع يعرف ما كانت تشحنه). وكان السفير الإيراني آمراً ناهياً، يقول ويفعل ما يشاء. أما المطار نفسه فكان “تابعاً” للضاحية الجنوبية وامتداداً أمنياً وإدارياً ولوجيستياً لها. ويقال الأمر نفسه في المرافئ وفي المعابر.
أما وأن الحال مهدد بالتغيّر، فإننا نصدق غضب القماطي وتهديده، ونصدق السخط والغيظ اللذين أصابا الحزب لمجرد رفع رئيس الحكومة نواف سلام العلم اللبناني في قرية جنوبية، دخلها هو والجيش محرراً. ونصدق أكثر الرغبة العميقة لدى الحزب بأن تخرب إسرائيل (إن لم يستطع هو بيديه) أي اتفاق برعاية أميركية، وأي تفاوض قد يجلب مكسباً للدولة اللبنانية وسيادتها مهما كان صغيراً.
إننا صدق كثيراً القيادي محمود القماطي في طموحه العدمي: “لا يبقى طيران يهبط في بيروت ولا سفير يبقى في لبنان“.
وعليه، وبعكس التفاؤل الوطني السائد الآن، يتوجب “تحسس رقابنا” مما قد يقدم عليه الحزب، ولو بدا أمراً انتحارياً و”إلى آخر شيعي”، لمنع لبنان من أخذ مسار ربما يفضي إلى بداية التعافي ونهاية الحروب.