بديهي أن تترك الحروب وراءها ندوباً عميقةً في النسيج الاجتماعي، فقبل كلّ شيء هناك خسائر بشرية كبيرة: أرواح تُزهق، وضحايا (من مقاتلين ومدنيين) يعانون جروحاً جسديةً ونفسيةً، تترك آثاراً قد لا تُمحى. كذلك تُدمَّر اقتصادات البلدان والبنى التحتية الأساسية، مثل الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس وغيرها من البنى، ما يؤدّي إلى صعوبات اقتصادية قد تستمرّ عقوداً، وتؤثّر مباشرةً في نموّ المجتمعات وتطوّرها، كذلك تتسبّب الحروب في تحرّكات جماعية للسكان، فغالباً ما يُجبر الأهالي على مغادرة منازلهم للهروب من العنف، ما يُحدث أزماتٍ إنسانيةً متنوّعةً وقاسيةً.
وعندما تتوقّف الحرب، من الطبيعي أن تتطلّع الشعوب إلى المستقبل، إذ يتوق الناس، قبل كلّ شيء، إلى السلام والاستقرار. يرغبون في العودة إلى حياة طبيعية، خالية من القلق والحرمان الناتجَيْن من الصراعات، لكن ما هي توقّعات المستقبل بعد حرب تشبه الحرب السورية، اختلطت فيها الصراعات الخارجية، وتدخّل دول عديدة، واقتتال بينيّ، حتّى أصبحت حرباً أهليةً بطرائق عدّة؟
سؤال المستقبل، وكيفية المضي في بناء دولة يعيش فيها سكّان البلاد، سؤال فائق التعقيد، ومربك، فهناك العقبات الاقتصادية، وهي كبيرة، وهناك قضية إعادة الإعمار، وتسهيل عودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم أو بيوت بديلة في مناطقهم التي هجّرتهم الحرب منها، وهذه تكلفتها باهظة. وتهدف سياسات إعادة الإعمار إلى إعادة التنمية أيضاً، وهذا يحتاج إلى إعادة بناء البنى التحتية الأساسية وإنعاش الاقتصاد، وتشمل مهام إعادة الإعمار الصعبة خلق فرص عمل، وإعادة تأهيل القطاعات الصناعية والزراعية، بالإضافة إلى تحديث أنظمة التعليم والصحّة. صحيح أنّ لكلّ حرب سياقاتها، لكنّ الحروب الأهلية، أكثر من أيّ صراع آخر، تكشف اختلالات ومشكلات هيكلية عديدة تعانيها المجتمعات، فهي تقع في مجتمعات متنوّعة جدّاً، وبالتالي لديها الإمكانية لجعل الواقع الاجتماعي أكثر وضوحاً. أمّا ما كشفته الحرب السورية، فيمكن القول إنّها مشكلات فائقة التعقيد والخطورة، وتشكّل عقبات صلدة في الطريق إلى المستقبل المنشود، تحتاج إلى دراية ووعي عام من أجل تفتيتها بحرفية وتمهيد الطريق إلى هذا المستقبل، وهذا لا يتمّ من دون ديناميات توجّه العلاقات بين الأفراد والمجموعات والمؤسّسات والدولة.
إنّ الأدوات الرقمية الجديدة تخلط الأوراق بمهارة وخبث لا حدود لهما
النزاعات المسلّحة تفتّت المجتمعات، وتُحدث انفصالاً عن معنى التاريخ، وانقطاعاً دلالياً في تطوّر المجتمعات الإنسانية، لأنّ الحرب تشكّل أزمةً كُبرى تؤثّر في الأفراد بوصفهم مواضيعَ اجتماعيةً، وفي قدرتهم على الإدراك وإضفاء المعنى. هي تقلّب المعايير الزمنية والجغرافية وتغمر المجتمعات البشرية في واقع جديد. ومن ثمّ، بطبيعتها، لا يمكن للحرب إلّا أن تثير العديد من التساؤلات وتغذّي النقاشات.
لكن ماذا عن النقاشات من دون تنقية الوعي الجمعي وبناء وعي يؤدّي إلى آراء عامّة متقاربة حول الأمور الأساسية التي تخدم بناء الدولة القادرة على خدمة الوطن والمواطنين؟ كيف لهذه النقاشات أن تكون منتجةً ورافعةً للعمل من أجل البناء، من دون بناء إنسان وعقل جدلي متحرّر من إرث الماضي وسردياته المتكلّسة التي ما زالت تتحكّم في الوعي الجمعي للجماعات المتنافرة في مجتمع متعدّد إلى درجة فائقة، عانى الاستبداد بأشكاله كلّها، فترسّخت تلك السرديات المعيقة؟ كيف لنقاشات منتجة لقيم العيش المشترك في دولة حديثة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية، من دون تمييز ديني أو إثني أو جندري، دولة المؤسّسات والقانون، أن تحظى بموقع مهم في العقول في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ إنّ الأدوات الرقمية الجديدة تخلط الأوراق بمهارة وخبث لا حدود لهما، هذه الأدوات التي أصبحت في متناول الأفراد والجماعات والمؤسّسات، بل تستخدمها الحكومات والأحزاب أيضاً، فكيف يمكن تنقية الوعي الجمعي في ظلّ الخوارزميات الموجّهة والجيوش الإلكترونية المدجّجة بالعقائد والأفكار السامّة؟ أين مسؤولية الحكومات في ضبط هذا الأمر، والسيطرة على الخطاب المحرّض والمثير للفتن
في مجتمع كالمجتمع السوري الذي يعاني انقسامات عميقة، يحتاج قبل أيّ شيء إلى مواجهة تلك الانقسامات ودرء تعمّقها، فالمتابع للمشهد يرى الأحداث التي تتكرّر على نحوٍ يومي تقريباً، وعلى امتداد المناطق كلّها، من مواجهات بين السكّان تغذّيها تلك الشروخ الثقافية والسرديات التاريخية بحمولتها العنصرية كلّها، وبمغالطاتها أيضاً، إضافةً إلى الجنوح نحو فرض شمولية على جميع مكوّنات الشعب، إن كان بواسطة حملات دعوية (مؤسّسة الذهبي على سبيل المثال)، أو بمحاولة السيطرة على الحياة العامّة وضبطها وفق رؤى محدَّدة قد تتعارض مع نظرة عديد الفئات إلى نفسها وطرائق حياتها وفق خصوصيّاتها الثقافية.
الحروب الأهلية، أكثر من أيّ صراع آخر، تكشف اختلالات ومشكلات هيكلية عديدة تعانيها المجتمعات
“ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم”. هذا القول الذي يُنسب إلى كارل ماركس، وفيه ما يستدعي الوقوف والتأمّل في الحالة السورية. فحماية الوجود الاجتماعي لمكوّنات الشعب تُعدّ من العتبات الأساسية لدخول مرحلة البناء ووقف تفاقم الشروخ والانقسامات المجتمعية. وهذا، بقدر ما يحتاج إلى قوانين مدروسة ونافذة ومحمية، يحتاج إلى موقف واضح وشفّاف وصارم من الحكومة، ما زالت سورية تفتقده. فمعظم الجرائم التي ارتُكبت (وما زالت تُرتكب) بحقّ مجموعات سكّانية بهُويّات متنوّعة، بين دينية وطائفية وقومية، بل واجتماعية، لم تُجرِ محاكمات شفافّة بحقّ مرتكبيها. كذلك، فإنّ خطاب الكراهية، وضبط الخطاب الإعلامي، وتأطير دور المؤثّرين الذي تعتمده السلطة على نحوٍ لافت، وإصلاح المناهج والمؤسّسات التعليمية، ما تزال دون المستوى اللازم لتنقية الوعي الجمعي والسعي إلى تنظيم المجتمع بطريقة يستطيع معها فتح مسارات لتلاقي الآراء حول القضايا الأساسية التي يحتاج إليها البناء. بل إنّ فسح المجال للنُّخب الثقافية والمجتمعية للتأثير في الوعي العام أمر ضروري، خصوصاً أنّ تفشّي ظاهرة الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي يغيّر الأمور، فكلّ مواطن يمكنه التعبير عن رأيه فوراً أو نشر أفكار مختلفة. هذا يشجّع على ظهور ما أطلق عليه بعض الدارسين الاجتماعيين اسم “الفقاعات المعلوماتية”، أي الميل إلى الاطلاع فقط على محتوى يتوافق مع آرائهم الخاصّة، ممّا يزيد تعقيد تكوين الرأي العام في عصر الرقمنة.
أكثر ما تحتاج إليه سورية اليوم تنقية الوعي العام، بالتوازي مع تأمين الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة لكلّ مواطنيها، فلا يبقى الجوع يأكل العقول والأدمغة، ما يستنزف الطاقات، ويحوّلها من مكنونات واعدة بالإبداع والابتكار إلى قنابل موقوتة تشعل فتيلها الكراهية ومحاولات المحو.
