ملخص
يعد ملف عودة النازحين إلى مناطقهم أحد الملفات المعقدة في اتفاق الدمج بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، الذي يعمل على ضمان عدم إبقاء أي نازح بعيداً من مكانه الأصلي. لكن المخاوف والظروف الميدانية الأمنية والاقتصادية والمعيشية، وقبلها السكن، تشكل تحدياً للنجاح في تنفيذ هذا الملف المعقد، وبخاصة أن أول قافلة لعودة نازحي “رأس العين” (سري كانيه) يجري التحضير لها لتبدأ غداً.
عشية بدء عودة الدفعة الأولى من النازحين من مدينة رأس العين (سري كانيه) الواقعة شمال غربي محافظة الحسكة على الحدود التركية – السورية، إلى منازلهم وقراهم التي هجروها قبل سبعة أعوام تقريباً، وذك عقب تحضيرات من قبل اللجنة المكلفة إعادة النازحين، والمؤلفة من شخصيات أمنية وحكومية ومن “الإدارة الذاتية” التي انتهت من تسيير عودة أكثر من 8700 عائلة في تسع قوافل خلال الأشهر الماضية
تسارعت الأحداث والتحضيرات خلال الأسبوع الماضي، من قبل فريق التنسيق، وعُقدت اجتماعات عدة، وأُجريت زيارات تمهيدية لإعادة النازحين إلى أماكنهم الأصلية، بمن فيهم العائلات التي تقيم داخل منازل النازحين في “رأس العين”، والتي ستعود إلى مناطقها التي كانت خاضعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، لا سيما في أحياء مدينة الحسكة. ويشكل هؤلاء النازحون بحسب مصادر مطلعة نحو 700 عائلة موزعة داخل المدينة، التقت الأطراف الحكومية أفرادها وأعلمتهم بإمكانية عودتهم وضرورة إخلاء المنازل التي يشغلونها تمهيداً لعودة أصحابها إليها.
على المقلب الآخر في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء تعمل لجنة مهجري “رأس العين” على تبليغ الأسر التي جرى قبول أسمائها بالاستعداد للعودة، إذ كان مقرراً أن تسير قافلة مكونة من 647 عائلة من أماكن نزوحها في الحسكة وريفها، إلى ريف “رأس العين” ومركز المدينة، لكنها تأجلت إلى غد الإثنين، بداعي عدم اكتمال التحضيرات اللوجيستية، ومن بينها تأمين شاحنات لنقل أمتعة النازحين وكذلك الحافلات المخصصة لنقلهم، في حين تخلل ذلك زيارة عدد من العائلات والوجهاء بمعية الحكومة والسلطات الأمنية، حي غويران في مدينة الحسكة، الذي نزحت منه العائلات التي تسكن “رأس العين” الآن.
وأثار تعديل موعد الرحلة، وانتقادات أخرى من قبل النازحين من بينها تحديد مبلغ ألف دولار لكل عائلة تدفعها “الإدارة الذاتية” بحسب مصادر، استياءً بين النازحين، لا سيما أولئك الذين تقررت عودتهم من خلال القوائم الإسمية، مما دفع بالعشرات منهم إلى الاحتجاج صباح أمس السبت أمام مبنى المحافظة، مطالبين بتأمين طريق العودة وتهيئة الظروف وتعديل مبلغ المساعدة المالية، وهو ما جرى الاستجابة له، وفق مسؤولين في لجنة المهجرين، ليرتفع إلى ألفي دولار أميركي.
دمار ومخاوف
لكن نازحة تسكن أحد المخيمات تدعى يازي حسه، تقول إنه لو أُعطيت أضعاف هذا المبلغ فلن يكفي لإعادة إعمار منزلها المدمر أو حتى جعله قابلاً للسكن بالحد الأدنى، مضيفة أن منزلها الواقع في قرية العريشة بين “رأس العين” وبلدة تل تمر، والتي كانت على خط التماس بين “قوات سوريا الديمقراطية” و”الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، الذي كان مؤلفاً من عدة غرف أصبح ركاماً بالكامل جراء القصف والاشتباكات، وأنها لا تدري ماذا تفعل عندما تُدعى عائلتها المكونة من خمسة أشخاص للعودة، وبخاصة أن القرية مدمرة بالكامل ومعظم منازلها إما لحقها دمار كامل أو متضررة بصورة كبيرة، ناهيك بانعدام البنية التحتية في القرية، من عدم توافر خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي. وتطالب يازي بمنح الناس مهلة مع تقديم الدعم لتجهيز منازلهم حتى تكون صالحة للسكن، “ولو بغرفة واحدة”.
تطمينات الفريق الرئاسي
من جهته، قال عضو الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ ملف الدمج ما بين الحكومة و”قوات سوريا الديمقراطية”، البرلماني الكردي مصطفى عبدي، في تصريح لـ”اندبندنت عربية”، إن “أحد أبرز أسباب تأخر العودة لنازحي رأس العين هو استمرار عمل الفرق المتخصصة بنزع الألغام الموجودة على الطرق الرئيسة والقرى التي تعد مناطق تماس، وذلك قد يستغرق بعض الوقت في مناطق عدة”، معلقاً على مخاوف النازحين حيال العودة بسبب احتمال حدوث اعتقالات، بأن المسؤول الأمني في المحافظة زار قبل أيام مدينة رأس العين وأفاد بأنه لا توجد اي اعتقالات.
وشدد على وجود السلطات المحلية المتمثلة بقوى الأمن والقضاء والمحاكم، ومطمئناً إلى أنه “لن يحدث أي اعتداء على أي شخص يعود إلى المدينة وكذلك الأمر بالنسبة إلى العائدين إلى الحسكة”.
وأشار عبدي إلى أن “المنظمات الإنسانية ستقدم المساعدات الإنسانية العينية والمادية للسكان العائدين إلى منازلهم في مختلف المناطق”.
مناشدات للمساعدة
وبدورها، أصدرت ثمانية أحزاب كردية تُعرف بأحزاب “اللقاء التشاوري” نداءً إنسانياً وحقوقياً عاجلاً إلى المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات المعنية بشؤون اللاجئين والنازحين برهم صالح، طالبت فيه بتقديم مساعدات عاجلة للمهجرين العائدين إلى مناطقهم الأصلية في عفرين ورأس العين وتل أبيض، معتبرة أن عودتهم إلى ديارهم التي نزحوا منها بسبب العنف والحروب يعد حقاً إنسانياً، وأساس الاستقرار في البلاد، وأن خطوة العودة تستوجب دعماً دولياً عاجلاً. وأضافت الأحزاب الكردية أن “العائدين يواجهون أوضاعاً إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، نتيجة تضرر قسم كبير من المنازل وتخريب البنية التحتية وغياب الخدمات الأساس وفقدان مصادر الرزق، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وبدء العام الدراسي”، وفق البيان.
وناشدت الأحزاب الكردية إطلاق برامج استجابة عاجلة تشمل ترميم وإعادة تأهيل المنازل المتضررة وتجهيزها للسكن الآمن، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والخدمات الأساس، وكذلك توفير مستلزمات الإيواء والتدفئة قبل حلول فصل الشتاء، إضافة إلى تقديم المساعدات الغذائية والمعيشية للأسر الأكثر احتياجاً، مُختتمة بيانها بأن “نجاح العودة لا يُقاس بمجرد وصول الأهالي إلى مناطقهم، وإنما بتمكينهم من العيش بأمن وكرامة وضمان حصولهم على الخدمات الأساس وحماية حقوقهم وممتلكاتهم، وفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة”.
من جهتها، طالبت كل من “رابطة دار للضحايا” و”شبكة آسو” الحكومة السورية ومسؤولي “الإدارة الذاتية” والشخصيات الفاعلة في ملف عودة النازحين، بتقديم تعهد علني أمام وسائل الإعلام، وفي بيانات رسمية، بضمان حماية المهجرين العائدين، والتعهد بمحاسبة كل من يتعدى عليهم أو يرهبهم، بما يضمن الاستقرار ويمنع العمليات الانتقامية، ويسهم في ترسيخ السلم الأهلي.
