ليس ملفّ التفاوض المباشر مع إسرائيل ثمّ الاتّفاق المنبثق منه بين يدي رئيس الجمهوريّة جوزف عون فحسب، بل وشقّان آخران لا يقلّان أهميّة عن ذاك، هما السياسة الخارجيّة، وخصوصاً ما يتّصل بالعلاقة مع الولايات المتّحدة، والذهاب في القطيعة مع “الحزب” إلى الحدّ الأقصى. لا عقدة لدى عون في التعويل على الأميركيّين والاتّكال عليهم والوثوق بهم، وفي الوقت نفسه استمرار قطيعته مع “الحزب” إلى أن ينصاع لقرار الدولة.
أكثر من علامة تعمّد رئيس الجمهوريّة إظهارها في مقاربة علاقته بكلّ من ذيْنك الطرفين: تمسّكه بالمضيّ في التفاوض المباشر وإعلان سعيه إلى إنهاء العداء مع إسرائيل، مروراً بتفسيره الاتّفاق على أنّه إطار لا يحتاج، ما دام كذلك، إلى تصويت السلطتين الإجرائيّة والاشتراعيّة عليه، وصولاً، وليس آخر المطاف، إلى ما تردّد أخيراً عن أنّه لشهر خلا لم يمانع استقبال وفد “الحزب” شرط أن يخرج من عنده موافقاً على التخلّي عن سلاحه. أحدث ما يمكن أن يعبّر عن الدور الحاليّ للرئيس جوزف عون تبلّغه سقوط مرتفع عليّ الطاهر قبل كشف إسرائيل سيطرتها عليه من خلال رسائل هاتفيّة تبلّغها من جهات أميركيّة رسميّة، فيما “الحزب” لا يزال ملتزماً الصمت حتّى بعد تفجير الأنفاق.
عون يراهن على واشنطن والدّولة
يعكس هذا المسار، غير المتعرّج الواضح في وجهته، استنتاجاً أنّ عون يخوض ما يتجاوز رهاناً ملتبساً أو غامضاً أو حتّى خاسراً بمقدار ما يُظهر أنّه يقود معركة سياسيّة حقيقيّة. يفصح عن إصراره عليه، وإن يسلّم بصعوبات وعقبات في طريق هذه المعركة في الوقت الحاضر، يقيناً منه بدعم أميركيّ سلّم له بمرجعيّته الحصريّة في العلاقات الدوليّة للبنان من جهة، وبقصر واشنطن أيّ تفاهمات على رئيس الدولة دونما إغفال، تبعاً لحساسيّة المعادلة الداخليّة، دورَيْ رئيسَي المجلس نبيه برّي والحكومة نوّاف سلام من جهة أخرى.
أكثر ما بات يعبّر عن هذه الوجهة ملاحظة انحسار الحركة الدبلوماسيّة شبه اليوميّة حيال القيادات السياسيّة بعدما اعتاد السفراء التنقّل بينها والوقوف على خاطرها. أخيراً بات الدبلوماسيّون الدوليّون والعرب يحصرون مناقشاتهم السياسيّة بعون، في موازاة تواصلهم مع برّي وسلام على نحو يعيد الاعتبار إلى فكرة “الدولة”، أوّلاً على أنّها هي المعبّر عن سياساتها، والخروج ممّا ساد في العقود الأخيرة إبّان الوجود السوريّ وبعده من أنّ أيّ سياسة خارجيّة للبنان تديرها التوازنات الداخليّة ومعادلاتها لا دبلوماسيّة السلطة. لم تكن هذه في كلّ حال سوى صورة عن تلك.
عون ووراثة نموذج الرّئيس المرجعيّ
ربّما يبدو الواقع المستجدّ الآن، المستمرّ منذ انتخاب عون قبل أكثر من سنة ونصف سنة، بجعل الأفرقاء جميعاً يدورون في فلك رئيس الجمهوريّة، يصلح للاعتقاد بصواب تعميم قاعدة بات يتبنّاها الأميركيّون أخيراً ويدين لهم بها انتخاب عون. على أنّها مستعارة من تجربة سوريّة سابقة تعود إلى عام 1998، عشيّة انتخاب الرئيس إميل لحّود وغداة شقّ الطريق أمام بشّار الأسد لتسهيل خلافته والده الرئيس حافظ الأسد.
عام 2004 كشف الأسد الابن عن سرّ 1998 الممهّد لانتخاب لحّود، لكن قبلذاك عن مغزى تقويض الحرس القديم داخل سوريا. ممّا رواه لوزير لبنانيّ حاليّ شغل سابقاً منصباً دبلوماسيّاً رفيعاً طلب الاجتماع به، كي يقودهما الحديث إلى أن يقول له الرئيس السوريّ السابق: “حكمنا لبنان مدّة طويلة بالتلاعب بالنخبة السياسيّة التي برع فيها أبو جمال (عبدالحليم خدّام) وأبو حازم (حكمت الشهابيّ) وأبو يعرب (غازي كنعان). عندما تسلّمت أنا ملفّ لبنان قلت إنّ عليّ إعادة إنتاج النظام اللبنانيّ بحيث يصبح على رأسه عسكريّ يسهل التفاهم معه. حينذاك انتهت الطبقة السياسيّة وأصبح ثمّة مرجع واحد نخاطب به لبنان هو رئيسه”.
تلك الرواية قادت في السنوات التالية إلى مزيد من إحكام السوريّين قبضتهم على لبنان وإلى أحداث لم يتوقّعها أحد. لكن في المقابل أتاحت منذ عام 1998 حصر انتخاب الرئيس بمن يشغل قيادة الجيش وحده: بعد اميل لحود جاء ميشال سليمان ثم من بعده ميشال عون (وإن بعد انقطاع طويل عن اليرزة) ثمّ أخيراً جوزف عون.
عون يواجه “الحزب” بمنطق الرّئيس المرجعيّة
لاستعارة هذه الواقعة الآن بُعد مختلف، إذ يأخذ الأميركيّون بتلك القاعدة. على أهميّة دعمهم الرئيس الحاليّ عندما كان قائداً للجيش وتسهيل انتخابه رئيساً للجمهوريّة، بيد أنّهم بذلك أعفوا أنفسهم من التعامل مع الطبقة السياسيّة اللبنانيّة الحاليّة، المفترض أنّها الحاكمة في موازاة السلطة من خلال التوازنات السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة. ربّما تشير الطريقة التي يقارب بها عون معضلة “الحزب” والمواجهة التي يخوضها ضدّه، إلى مغزى الدور الذي يضطلع به كرئيس للجمهوريّة:
1 ـ منذ اليوم الأوّل لانتخابه، تصرّف على أنّ مهمّته إنهاء سلاح “الحزب” في لبنان. ليس الوصول إلى جلسة الانتخاب في 9 كانون الثاني 2025 إلّا جزءاً لا يتجزّأ من اّتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، ثمّ سقوط النظام السوريّ في 8 كانون الأوّل. لكنّ الانتخاب كان أيضاً، بتزكية قائد الجيش عربيّاً ودوليّاً، جزءاً مكمّلاً لمرحلة ما بعد وقف النار، وهي نزع سلاح “الحزب”، وأتت حكومة سلام كي تؤكّده لمهمّتها.
2 ـ خلافاً للرئيسين إميل لحّود وميشال عون، وكانا حليفين وطيدين لـ”الحزب”، داراه الرئيس ميشال سليمان حتّى السنة الأخيرة من ولايته، آخذاً في الاعتبار انبثاق انتخابه من موافقة “الحزب”، زائداً ما أعطاه اتّفاق الدوحة لـ”الحزب”، وهو الثلث+1 في مجلس الوزراء، وزائداً تحالفه مع التيّار الوطنيّ الحرّ ذي الكتلة المسيحيّة الكبرى في البرلمان آنذاك، وزائداً قبضة “الحزب” على طائفته ومقدرته على تحريكها في الشارع متى شاء، وزائداً أخيراً سلاحه وترسانته. إلى أن فتق الرتق في الأوّل من آذار 2014 عندما تكلّم سليمان في احتفال في جامعة الكسليك عن “المعادلة الخشبيّة”، وكان كتب العبارة بنفسه وفاجأ بها المحيطين به في مرحلة كانت حكومة الرئيس تمّام سلام تعدّ بيانها الوزاريّ ويشترط “الحزب” أن تُذكر فيه معادلة “جيش وشعب ومقاومة”. مذّاك أصبح الرئيس السابق عدوّاً له بعدما ردّ عليه بعد ساعات بما سمّاه “المعادلة الذهبيّة”.
كرّس عون قطيعته مع “الحزب” منذ الأسابيع الأولى بعد خطاب القسم. الذروة في قرارات 5 و7 آب 2025، ثمّ رأس جبل الجليد في قرار 2 آذار 2026 حين عدّ مجلس الوزراء الجناح العسكريّ لـ”الحزب” غير قانونيّ ومحظور. ما يصل إلى الرئيس أنّ “الحزب” يشترط للقائه التراجع سلفاً عن تلك القرارات وأخصّها في 2 آذار. وما يذهب منه أنّ “الحزب” أخلّ بتعهّداته غير المباشرة له من طريق رئيس البرلمان أنّه لن يورّط لبنان في حرب جديدة مع إسرائيل.
3 ـ قد تكون المرّة الأولى أنّ ثمّة رئيساً للجمهوريّة ليس مسكوناً بهاجس الحاجة إلى “الحزب” ولا القلق والخوف منه. مع أنّ “الحزب” يحرص مداورة وعبر وسطاء على تذكير عون بدوره إبّان قيادته اليرزة حيال “المقاومة” وتقاسمهما مواجهة الإرهاب عام 2017 ودعمه لها، اعتبر الرئيس أنّ مرحلة ما بعد وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 أباحت حدّاً فاصلاً بين الحقبة الممتدّة منذ عام 2008 وما انتهت إليه “المقاومة” كوظيفة وطنيّة ما إن أدخلت نفسها في إسنادَيْ غزّة (2023) وإيران (2026).
