
محمد الربيعي… جريدة المدى
أنا من المتحمسين لإمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وأثمن بثقة الإنجازات الهائلة التي يحققها في مجالات الطب والهندسة واللوجستيات والإدارة. بل أقر بأن هذه الثورة الرقمية تحمل وعوداً حقيقية بتجاوز العوائق العملية التي طالما أثقلت كاهل التطور والتنمية. غير أن المشكلة ليست في الأدوات ذاتها، بل في السياق الذي نوظفها فيه والجهاز المعرفي الذي نستقبلها به، فبقدر ما تشكل هذه التقنية قفزة نوعية للبشرية، بقدر ما قد تتحول في واقعنا العربي غير المكتمل الجاهزية إلى حجر عثرة يوسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم، لا سيما في المجالات الجوهرية: التعليم، والتعلم، والابتكار.
1 – وهم المعرفة وضياع التمايز المعرفي
المعضلة الجوهرية ان الذكاء الاصطناعي، في غياب المناخ النقدي، لا يوسع هامش الفكر الحر بقدر ما يمحو التمايز الضروري بين المفكر والجاهل. فمن خلال اتاحة المقالات الجاهزة والاجابات المنمقة التي تجيب عن كل شيء ولا شيء، يوهم المثقف انه يجيد التركيب ويوهم القارئ العادي انه يمتلك المعنى ذاته الذي يمتلكه الفيلسوف. والاخطر انه ينتج خطابا يحاور نفسه بنفسه، حيث تولد الخوارزميات الاسئلة والاجوبة والمناقشات في حلقة مغلقة لا يظهر فيها اثر للذات المفكرة. تتحول المعرفة هنا إلى صدى رقمي بلا بصمة انسانية، مما يجهز الارضية لاستقبال اعمى لكل ما تمليه الالة ويجعل من التفكير مجرد رفاهية لا ضرورة لها.
وهنا تتجلى المفارقة في قول المؤرخ الشهير يوفال هراري، الذي يحذر من ان الذكاء الاصطناعي “ليس اداة بل فاعل”، مضيفا: “اللحظة التي نتوقف فيها عن التفكير النقدي نصبح مجرد بيانات”. فاذا كان العقل العربي قد اعتاد في كثير من محطاته على استيراد الحلول الجاهزة، فان هذه التقنية تاتي لتُعمق هذه العادة لا لتعالجها.
2 – البنية النقدية الغائبة.. حين يقدس النص ولا يناقش
غير ان هذه الافة لا تقف عند حدود مخرجات الالة، بل تمتد لتكشف عن خلل اعمق في بنية تلقينا الثقافي. ففي المشهد الفكري العربي، نادرا ما تقابل المقالات الجادة والمثيرة للتفكير بنقاش معمق يقوم على التحليل والتفكيك والاعتراض البناء. بل ان ردود الفعل السائدة عليها لا تتعدى في الغالب الاعم الموافقة السريعة والاستحسان الخطابي والتبجيل المفرط لعقل الكاتب، وكان النص قد صار وثيقة مقدسة لا تقرا بقدر ما تبجل. وهذه الظاهرة ليست عارضة، بل هي دليل قاطع على غياب البنية النقدية في تشكيل وعينا الجمعي. وحتى الحفظ والتلقين الذي اعتدنا عليه كالية للتربية، بدا يضمحل امام قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدالهما تماما بالنسخ واللصق، فتنهار اخر جسور المواجهة مع النص الاصيل ويُقتل العقل النقدي الذي بدا في النمو حديثا عندنا.
في هذا السياق، يحذر الدكتور ياسر ابوبكر في صحيفة “القدس” من ان “اخطر ما يهدد التعليم العربي اليوم ليس ضعف المناهج او نقص الموارد فقط، بل التحول إلى مستعمرات خوارزمية تستهلك ادوات الاخرين دون وعي بطبيعة قيمها ومضامينها وانحيازاتها”. ويضيف ان “الذكاء الاصطناعي ليس جهازا بلا روح، انه يحمل ثقافة من صنعوه وقيمهم واهدافهم. وحين نستخدمه دون فهم، فاننا نسمح باعادة تشكيل وعينا العربي وفق منطق خارجي لا يشبهنا”. وهذا يؤكد ان غياب النقد ليس مجرد تقصير اكاديمي، بل هو استسلام معرفي يفتح الباب امام هيمنة ثقافية جديدة.
3 – فخ التعليم.. اختصار الوقت ام اختصار التفكير؟
وهنا يتجلى الخطر الاكبر ليس على الثقافة العامة فحسب، بل على مستقبل الابتكار في الامة العربية. فالغرب يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته اداة لاختصار الوقت في المراحل الدنيا من التفكير (كجمع المعلومات وتنظيمها)، لينصرف بعدها العقل البشري إلى مستويات اسمى من التاليف والتحليل النقدي والابداع الفكري. اما في مؤسساتنا التعليمية التي لم تؤسس بعد ثقافة نقدية عميقة تقوم على الجدل والفحص، فان اختصار الوقت هذا يتحول إلى اختصار للتفكير ذاته والغاء له.
تخيل المشهد: طالب عربي يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة بحثه الجامعي في دقائق، فينهي واجبه دون ان يمر بمشقة القراءة والموازنة بين المصادر، بينما يستخدمه طالب في جامعة غربية لتوليد فرضيات جديدة واختبارها نقديا تحت اشراف ذاتي واع. النتيجة ليست مجرد فجوة في الدرجات، بل فجوة منهجية في تكوين العقل. الاول يدرب الالة على الاجابة والثاني يدرب عقله على الاسئلة. وهذا هو جوهر الابتكار: ليس في استهلاك المعلومات بل في اعادة تركيبها نقديا، وهو ما يعجز عنه المستخدم السلبي.
وتؤكد الدراسات الحديثة هذه المخاوف، إذ وجدت دراسة اجرتها شركة مايكروسوفت بالتعاون مع جامعة كارنيغي ميلون ان “كلما اعتمد البشر على ادوات الذكاء الاصطناعي لاتمام مهامهم قل التفكير النقدي لديهم وقل اعتمادهم على انفسهم”. كما كشفت دراسة اخرى ان “الطلاب الذين استخدموا ادوات الذكاء الاصطناعي بكثرة اظهروا قدرات تفكير نقدي متدنية مقارنة باؤلئك الذين لم يستخدموها بكثرة”. بل ان الافراط في استخدام برنامج “شات جي بي تي” قد يؤدي وفق دراسة حديثة إلى “ضعف الذاكرة وتراجع التحصيل الدراسي”. وهذه النتائج ليست مجرد ارقام، بل انذار مبكر لمستقبل عربي قد يفقد فيه الجيل القادم القدرة على التحليل والاستنتاج.
4 – تخدير العقل الجمعي وتوسيع الهوة الحضارية
اذا سألتني بصدق وتجريد عن الحبر الاعظم لهذه التقنية في واقعنا الشرقي، فلن اقول لك انها تستخدم في التصنيع او الزراعة، بل ساقول لك: استخدامها الاكبر والاخطر هو “تخدير” العقل الجمعي. انها ليست دواء للجهل بل مسكنا يداريه، تشعر المتلقي بانه مثقف واع، بينما هو في الحقيقة مستقبل سلبي يكتفي باستهلاك النتيجة النهائية دون ان يكابد عناء البناء الفكري. هذا التخدير المعرفي يخلق جيلا واثقا من معارفه لكنه هش امام اول سؤال ناقد، لانه لم يعتد على انتاج الاجابة من داخله بل استوردها جاهزة.
وفي هذا الصدد، يحذر الدكتور عبد الله حمد المريخي في جامعة قطر، من ان الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى “اتكالية الطالب عليه في كل اموره وانه سيحل الواجبات والتكليفات وسيجري البحوث نيابة عنه”. ويدعو إلى “مراجعة وتطوير اساليب التدريس والتقييم” لتتناسب مع المستحدثات، مؤكدا ان الذكاء الاصطناعي “اداة تكنولوجية ومساعدة وليست بديلا عن التفاعل البشري بين المعلم والمتعلم».
وهنا تكمن المفارقة الماساوية: بدلا من ان تضيق هذه الثورة الفجوة بيننا وبين الدول المتطورة، فانها ستعمل على توسيعها بسرعة فائقة. فالذكاء الاصطناعي في سياقنا يصبح اداة استعمارية معرفية جديدة بامتياز، لانه يقدم حلولا جاهزة لمشاكلنا المركبة، فيتبدد طاقتنا الفكرية في هامش النصوص المكررة وتبقي مجتمعاتنا في دائرة الاستهلاك المعرفي المحض، عاجزة عن المنافسة في انتاج التقنيات نفسها التي تستهلكها. نحن لا نطور الخوارزميات بل نستورد تطبيقاتها، ولا نبتكر المناهج بل نقلد نتائجها. وبهذا تتحول التكنولوجيا التي كان من المفترض ان تكون جسرا للعبور إلى المستقبل، إلى سد يمنعنا من رؤية تعقيدات طريقنا.
5 – العيب ليس في الالة بل في عدم جهوزيتنا
ان الخطر الحقيقي لا يتمثل في ان ياتي الذكاء الاصطناعي ليجيب عن اسئلتنا، بل في ان ينسينا كيف نطرح الاسئلة اصلا، وان يسرق منا لحظة المواجهة الوحيدة مع تعقيد الواقع. واذا اردنا الا تتحول هذه الثورة إلى كارثة معرفية، فعلينا ان نبدا اليوم لا بمنع التقنية بل باعادة بناء البنية النقدية في مدارسنا وجامعاتنا، وتعليم الاجيال ان يستخدموا الالة لتوسيع مداركهم لا الغائها. والا، فان الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لن تتسع في الانتاج التقني فحسب، بل في القدرة على التفكير ذاتها، وسنظل نردد اصداء الاخرين بينما يصنع الاخرون مستقبلهم بايديهم، منهزمين ليس امام الالة بل امام غيابنا عن وعي ذاتنا الناقد.
ختاما، لا يخفى على القارئ ان ما سطرته في هذه المقالة لا ينبع من موقف متشائم من الذكاء الاصطناعي او رفض مطلق له، بل من حرص شديد على مستقبل التعليم في عالمنا العربي، وعلى ضرورة ان نكون مستعدين لهذه التقنية لا مكتفين باستهلاكها. فأنا مؤمن تمام الايمان بان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يكون اداة هائلة لحل المشكلات المعقدة وتسري عجلة التنمية، شريطة ان نستخدمه بوعي ونبني اولا عقولا ناقدة قادرة على توجيهه لا الانجراف وراءه. واذا بدا في عباراتي شيء من القسوة او التشاؤم، فهو فقط مرآة لخوفي من ان تفوتنا هذه الفرصة الذهبية، لا رغبة في التخلي عنها. فالتحدي الحقيقي ليس في التقنية نفسها، بل في كيفية تعاملنا معها، وفي قرارنا الجماعي بأن نكون صناع ادواتنا لا مجرد مستهلكين لنتائجها.
بروفسور متمرس، جامعة دبلن