مساء الاثنين، تنقّل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني بين عدة مواقع في العاصمة بغداد، في زيارة لم يصدر إعلان رسمي بشأنها. وهو أمر معتاد في حالته، فكل زياراته السابقة كانت غير معلنة.
جاءت الجولة الليلية قبل خمسين يوما من مهلة الثلاثين من سبتمبر، وهي المهلة التي وضعتها الحكومة العراقية للفصائل من أجل تسليم سلاحها.
قاآني، الذي لا يزور بغداد إلا لـ”أمر جلل” وفقا لقيادي في الإطار التنسيقي الحاكم، جاء هذه المرة لـ”وأد الفتنة” على حد قوله، وللحديث عن ضرورة “عدم الصِدام” بين الحكومة والفصائل المسلحة الموالية لطهران.
وخلال وجوده، عقد سلسلة اجتماعات مع عدد من قادة الإطار التنسيقي، ومع قيادات في الفصائل المسلحة.
ويرتبط الإطار التنسيقي، وهو ائتلاف سياسي للقوى الشيعية في العراق، بعلاقات وثيقة مع الفصائل الموالية لطهران، ويحاول الزيدي الموازنة بين هذه العلاقة وجهود حصر السلاح.
وقبل هذه الزيارة، كان من المفترض أن يتوجه وفد من الإطار التنسيقي إلى العاصمة الإيرانية طهران لبحث الملف نفسه، على أن يكون النقاش هناك، لا في بغداد.
لكن معلومات وُصفت بـ”العاجلة” وصلت إلى قاآني، غيّرت الخطة ودفعته إلى المجيء بنفسه إلى بغداد بدلا من استقبال الوفد في طهران.
يأتي ذلك فيما يسعى رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى إنهاء ملف السلاح وحصره بيد الدولة، قبل المهلة التي حددتها حكومته، والتي تقضي بالتعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب مع أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة بعد انقضائها، بحسب بيانات حكومية متعاقبة.
ومنذ أيام، تحرّكت أفواج من جهاز مكافحة الإرهاب نحو بغداد، في رسائل حاول الزيدي أن يبعثها إلى الفصائل التي ترفض “الانصياع” لقرار الدولة.
وتفيد المعلومات التي حصلت عليها “الحرة” بأن الزيارة ركزت على ملف سلاح الفصائل.
لكن ما استدعى مجيء قاآني، وفق مصادر في الإطار التنسيقي تحدثت لـ”الحرة”، هو ملف “جرف الصخر” تحديدا. فقد وصلت إلى الجنرال الإيراني معلومات من داخل الفصائل نفسها تقول إن رئيس الوزراء يعتزم دخول المنطقة التي سُميت لاحقا “جرف النصر”.
تبعد ناحية جرف النصر نحو 60 كيلومترا جنوب غربي بغداد، وتتبع محافظة بابل. وكان يسكنها نحو 140 ألف نسمة بحسب تقديرات وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، أغلبهم من عشيرة الجنابيين، ومعظمهم مزارعون، وأغلبهم من السُنة.
احتل تنظيم “داعش” الناحية في منتصف عام 2014، ثم استُعيدت منه في عملية عاشوراء التي انطلقت في 24 أكتوبر من العام نفسه، وشاركت فيها القوات العراقية وفصائل من الحشد الشعبي، بينها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، المدرجتين على قوائم الإرهاب الإميركية، ومنظمة بدر وسرايا السلام.
ومنذ ذلك اليوم بقيت الناحية مغلقة عسكريا، وتقول معلومات متداولة إنها تضم مقرات ومخازن سلاح ومعسكرات ومصانع للطائرات المسيرة.
البلدة معزولة تماما، لا يدخلها حتى مسؤولون في الحكومة والجيش، ولم يعد إليها سكانها منذ نحو اثني عشر عاما.
وتقول مصادر “الحرة” في الحكومة العراقية إن قوات من جهاز مكافحة الإرهاب وقوات عسكرية أخرى كانت في وضع استعداد لدخول الناحية في أي لحظة.
وتضيف المصادر أن المعلومة تسربت من قيادات في الفصائل إلى طهران، التي تنظر إلى جرف الصخر بوصفها موقعا استراتيجيا. وبعد ذلك بوقت قصير، وصل قاآني إلى بغداد.
وبالتزامن مع هذه الاستعدادات، اخترق جهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات شبكة مسلحة كانت تخطط لهجمات بطائرات مسيرة، وفقا لمصادر تحدثت إلى “الحرة”، واعتُقل أفراد الشبكة خلال انتشار القوات المسلحة، وصودرت معدات ومسيرات. وحدث ذلك في محافظة بابل نفسها، التي تضم جرف الصخر.
في اجتماعاته، سعى قائد فيلق القدس إلى الحديث عن “أهمية” ألا تصل الأوضاع إلى “صِدام” بين القوات الأمنية والفصائل. لكنه في الوقت نفسه حثّ قادة الإطار التنسيقي على الحديث مع الزيدي بشأن أهمية “عدم كسر الفصائل وإضعافها”، وفقا للقيادي في الإطار.
لكن الزيدي، بحسب المؤشرات التي يمتلكها الإطار كما يقول القيادي نفسه، يصرّ على الذهاب باتجاه مواجهة أي فصيل لا يتخلى عن سلاحه بعد الفترة التي حددتها الحكومة العراقية.
وفي المقابل، هناك حديث ومفاوضات ومساعٍ من قيادات شيعية لخلق حالة من “التفاهم” بين الفصائل والزيدي، تقوم على عدم نزع السلاح، وعلى عدم توجيه ضربات للمصالح الأميركية أو دول الخليج التي تستهدفها طهران.
واعتبر مصدر مقرب من الزيدي في حديث لـ”الحرة” بأن هذا الطرح “غير مقنع”، وأكد أن “رئيس الوزراء ذاهب باتجاه تثبيت قوة الدولة، والأمر لا يخضع للتسويات”، على حد قوله.
لم يخرج قائد الحرس الثوري، المصنف على قائمة الإرهاب الأميركية، بنتائج من زيارته التي لم تنتهِ حتى مساء الثلاثاء، ولم يتمكن حتى ذلك الوقت من اللقاء بالزيدي.
ويقول المصدر المقرب من الزيدي لـ”الحرة” إن رئيس الحكومة العراقية “يبحث عن علاقة سياسية مع إيران، لا علاقة عسكرية. ولن يقبل باستقبال قائد عسكري”.
وتضغط الولايات المتحدة باتجاه تجريد الفصائل العراقية الموالية لإيران من سلاحها، وقد تعهد الزيدي بذلك خلال زيارة لواشنطن التقى فيها بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن يتوجه إلى طهران.
وترى إيران بأن حكومة الزيدي أقرب إلى واشنطن منها إلى طهران، وهو ما يجعلها “قلقة” على مصالحها، خاصة حلفائها في الفصائل المسلحة الذين ساندوها خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية.