منى ظاهر… ضفة ثالثة
في إضاءة رواية “قبْل البدْء: فنتازيا ملحمية” للكاتب محمود جميل الرّمحي (إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2023)، على سبيل التقديم، يكشف البطل الأسطوري “حوران” عن ألواحه، وهو يستعير شخصيات متعددة، متقمّصًا أدوار المنجّم والملّاح والتاجر والفلّاح والتُّرجمان والمتصوّف والحكواتي والورّاق والرسام والحكيم والسفسطائي، مدوّنًا سيرته الفردية التي بصيغة الجمع، كيفما بدت مجرّد أحلام أو منامات، بلغات بدايات التاريخ والمعرفة، سومرية وهيروغليفية وهيراطيقية وأوغاريتية وكنعانية وفينيقية وآرامية ولاتينية وعربية، مسطّرًا سِجلّ الملاحم التي ستحدث بعد عشرات آلاف السنين، بين جنود النور وقوى الظلام، منيرًا أسرار الحياة والموت، في انحياز كوني لإذاعة المحبة بين البشر.
يبدأ فصل “حوران” بتلقّيه لرسالة تذكّره بمحاضرة سيلقيها في 24 شباط/ فبراير 2035، بمقر جمعية إنقاذ، عن مشروع مدينة المستقبل، استنادًا إلى فرضية شعرية: أنْ تتناغم منازلنا وبناء القصائد؛ أنْ تتناسق معمارية المدينة مع معمارية الأسطورة الحية، وهذا ضرب من سحر الهندسة الذي يطمح إليه ويسعى إليه.
وأما الهاجس، فصمود مدينة المستقبل أمام الأخطار الكونية المحدقة، من التسوناميات والزلازل المفتعلة وكارثة الطوفان المتكررة إلى ما لا نهاية.
إلى جانب “حوران” المهندس المعماري الطموح، هناك “كريستوفر” عالم اللغات بجامعة إنديانا، الذي ستبدأ علاقته به انطلاقًا من حوار حول فريد الدين العطّار، انزاح بهما إلى رحلة السيمورغ، وتلك كانت نقطة انطلاق تجارب ماورائية فيما بينهما، خاصةً بعد استقراء لوحة “لوسيفر يستدعي جحافله” لفنان بريطاني مغمور اسمه توماس ستورثارد، رسمها عام 1790، ويتحوّل مسار الأشياء إلى نغمة عجائبية بعد أن يكتشف “حوران” أنّ صديقه “كريستوفر” له القدرة على أن يتحوّل إلى غراب.
وعن حلم استيطان المريخ عاد “حوران” بجماعة المؤتمر إلى استلهام استعارة بيت القندس، مع الاحتكام إلى نبوءة فيتاغورس فيما يخص نهاية العالم.
المفاجئ أنّ “حوران” هو الآخَر خارق، ويمتلك القدرة العجائبية كي يتحول إلى صقر شاهين، على طريقة الإله الفرعوني حورس، وهذا ما يفصح عنه مستغرقًا في ذكريات رحلة أزلية، توجز أساطير بلاد الرافدين، بلاد كنعان ومصر الفراعنة وجغرافيا الهند الروحية.
كل وقائع الرواية التخييلية تستنفر علاماتها قدوم كارثة كونية ماحقة، ولتجنّب المحو الشامل، تعود بنا إلى سيناريو البدايات، إلى سِجلّ الأرض، وذاكرة العالم، وما تحتفظ به من هزات، منعطفات وانقلابات، عصفت بالوجود الإنساني، تعود بنا إلى الألواح الكبرى، بحثًا عن جمرة الحكمة الثاوية في رماد التاريخ، حتى تنجو البشرية من جديد، من خطر الزوال العميم، وهو زوال هذه المرة تتواطأ فيه حتى التكنولوجيا الفائقة، بما فيها الذكاء الاصطناعي الجارف.
بخلفيته المعمارية كمهندس، وكفنان تشكيلي، يقدم لنا محمود جميل الرّمحي عالمًا فنتازيًّا ينهل من الأحلام والمنامات والكوابيس، مازجًا الخيال العلمي بالتاريخ، الرياضيات بالشعر، الفيزياء بالسحر، استغوارًا لمعنى الحياة، منعكسة في مرايا الموت؛ حفرًا في طبقات الوجود البشري بحثًا عن معادلة كونية تنحاز للسلام ضد الحرب، تنتصر للمحبة ضد قِيم الشر والدمار.
وبقدر ما هي رواية “قبل البدء” محاولة في رصد أخطاء الماضي، هي في الآن ذاته تدق ناقوس الخطر، مستعينة بعصارة الأديان، بموجز أفكار التنوير وجدوى الفلسفة، بجوهر الأخلاق، ورمزية الأساطير التي يجب قراءتها في ضوء العقل، من دون تجاهل الوجدان الإنساني المشترك.
هي رواية استشرافية، إذًا، معنية بالمصائر الكبرى، والخطر المحدق لا يأتي من الخارج وحسب، بل من الداخل، ومصدره الإنسان ذاته، وابتكاراته المنطوية على شر مطلق، وأما الجواب المفقود، أو الخطة المرسومة لتجاوُز الكارثة الشاملة، فكامنة شيفراتها في فن الهندسة وعلم البيئة بالاستناد إلى الفلسفة وتاريخ الحكاية، الأسطورة منها بالذات.
ما من عمارة إلا وهي علامة جمالية وفلسفية وشعرية في سبيل تفسير غموض الوجود، محض مقترح فني في تفكيك لغزية الكون، ولكي يكون العمران ناهضًا على رسالة خلّاقة، فهو مشروط بمعنى الإنسان، وقيمة البيئة التي ينشأ عليها، ولهذا يغدو طموح الرواية في بنائها الفني هو نفسه البناء المعماري للعالم.
“حوران” المهندس ليس منقذًا ومخلّصًا بالمعنى التقليدي، لكنه النقطة الهندسية التي تتقاطع عندها حيوات الشخصيات المحيطة به، ابتداءً من أستاذه كارسنون، وسليماس، وميرسو، وفورغو، وحكيمة، وكارلوس، وسيكراتوس، وتانيا، وذياب، وراجو، وجوزيف، وغيتاسو… نقطة بمثابة شرارة في نفق ظلام مطبق، تتقدم لكي تضيء مستنقع الصراع الكوني الطارئ، وتقترح حلولًا عاجلة لتفادي الانفجار الماحق.
وتبزغ شخصية سليماس المتمتعة بنبوغ الحدس، وقراءة الآتي بسرعة البداهة، فاتحة هوامش الأمل في حلبة الرواية التي تهيمن في مناخاتها السوداوية نغمة تراجيدية بإفراط، وتتحول سليماس إلى زوجة بعد أن كانت حبيبة، وفي حضورها المتوقد تتنفس الرواية بلغة الأحلام، وجدوى العمق الروحي، عبر التغلغل في رمزية الأساطير القديمة، وإسقاطها على ما يحدث الآن بشكل معاصر، بل ما سيحدث بالأحرى غدًا، وبعد غد.
يُحسب للرواية في انفتاحها على البُعد الأسطوري أنها لا تكتفي بميثولوجيات الشرق الأوسط وحده، وتشمل في انتباهها الذكي البُعد الهندي مثلًا في معادلاتها الروحانية، من خلال الكاهن “راجو”، وفي الخلفية الهندسية لقراءة علامات الكون الملغزة يحضر دافنتشي لا كشخصية، بل كموروث علمي وجمالي وكمقترح رياضي لرسم خارطة المشكلة أوّلًا، وابتكار مفاتيح تجاوزها ثانيًا.
يشتبك الذاتي بالموضوعي، الفردي بالجماعي، المحلِّي بالكوني في تخييل الرواية، فبالقدر الذي تومئ الحكايات بأنّ الرواية محض سيرة ذاتية تخييلية لـ”حوران”، وهو قناع فني للكاتب محمود جميل الرّمحي، هي كذلك سيرة جماعية تخييلية لعالم اليوم ومآلاته، وكأنما المهندس والفنان التشكيلي محمود الرّمحي يخاطبنا من قعر بئر أحلامه، عبر هذيان شعري، مبشّرًا بإنسان جديد، وبمدينة فاضلة جديدة، كل هذا وهو يرسم إحداثيات رقصة الحياة والموت، وفي بحثه عن الذات المفقودة، يدفع بكائنات النور في يوم الغضب إلى إقامة المحاكمة الضرورية ضد قوى الشر. من الطبيعي أن تتشابك وقائع الرواية التاريخية والعلمية والأسطورية، بالنظر إلى زخم الشخصيات والحوادث، والأزمنة، إذ طموحها ليس أن تزج بالقارئ في متاهات متناسلة، بل طموحها أن تفتح الوعي على خارطة هذه المتاهات السرية، مستعينة بإحداثيات العوالم المتوازية التي تبدأ من باب إيل وتنتهي عند الهرم المقدّس.
هذه اليوتوبيا المعاصرة المؤسسة على الهندسة في تناغم مع البيئة لا تشيح وجهها عن الضرورة الملحاحة للعلم، للعقلانية الجديدة، لكن في حوارية دائمة وتكامل مع البُعد الأسطوري والروحي، كل هذا يجعل من الرواية المتشعبة صرخة إنسانية وجمالية ضد تغوّل القبح واستفحال الرداءة واستئساد شر المحو المطلق؛ بالمقابل هي خطة تخييلية لتجاوز وتخطّي الكارثة، عبر جدوى العلم والفن معًا، ولأن الخيال أخطر وأجمل ما يمتلكه الإنسان كأداة خارقة لآلية التقدم، فالرواية تحتفي بالأحلام والكوابيس والمنامات كقرائن ملهمة للخيال نفسه، للشعر وفن الخلق، ولهذا ما تنفكّ ترجع إلى عالم الأساطير المنسي، إذ في ضوء ما يتكدّس وراءنا من أساطير يكمن تفسير متجدّد لعالم اليوم، وما سيأتي، وهذا ما تنجح فيه الرواية كعلامة هندسية تلحم بين الفلسفي والميثولوجي، بين الواقعي والحلمي، بين الشعري والعلمي، بين الأزلي والأبدي، وقياسًا إلى ذلك فرواية “قبل البدء” تنسج عالمها المتفرّد كملحمة معاصرة، مؤسسة على علامة الهندسة كفلسفة لتفسير الوجود.