تكشف سياسة دونالد ترامب في الشرق الأوسط، في عامه الثاني بعد العودة إلى البيت الأبيض، مشكلةً أعمق من سلسلة أخطاء منفصلة في إيران وغزّة والتحالفات الإقليمية. فقد نجحت الإدارة الأميركية في استخدام القوّة والضغط والعقوبات والتهديد بصورة مكثّفة، ثمّ وجدت نفسها أمام المعضلة التي تكرّرت في تجاربها العسكرية منذ فيتنام والعراق وأفغانستان، كيفية تحويل التفوّق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرّة تستمرّ بعد تراجع زخم القوّة.
هذه الفجوة بين الإكراه وصناعة النظام الدولي قديمة في السياسة الأميركية، وظهرت بوضوح بعد حرب العراق عام 2003 عندما استطاعت الولايات المتحدة إسقاط نظام صدّام حسين خلال أسابيع، ثمّ احتاجت سنوات طويلة للتعامل مع النتائج السياسية والاجتماعية والأمنية التي أنتجها إسقاط الدولة، كذلك ظهرت بصورة مختلفة في أفغانستان بعد عقدَين من حرب انتهت بعودة حركة طالبان إلى كابول. وفي الحالتَين، لم تكن المشكلة في حجم القوّة الأميركية، بل في الافتراض أنّ تغيير ميزان القوّة يصنع تلقائياً ترتيباً سياسياً جديداً.
تكرّر إدارة ترامب جانباً من هذه المعضلة في علاقتها بإيران، إذ دخلت المواجهة العسكرية تحت سقف ردع النظام وإضعاف قدراته ودفعه نحو قبول شروط أميركية أكثر صرامة، ونجحت الحرب في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، ثمّ أعادت الجغرافيا فرض نفسها عبر مضيق هرمز وقواعد الولايات المتحدة وشبكات التجارة والطاقة وامتداد أدوات النظام الإيراني إلى دول أخرى، وتحوّل انتصار القوّة النارية إلى أزمة سياسية تحتاج إلى وسطاء واتفاقات مؤقّتة وقنوات خلفية مع النظام نفسه. وتؤكّد التطوّرات أخيراً استمرار تعثّر التفاهم المؤقّت بين واشنطن وطهران مع عودة التهديد بالتصعيد حول مضيق هرمز.
تكمن مشكلة المقاربة الأميركية في أنّ الضغط تحوّل أحياناً إلى غاية بذاته، بينما يفترض علم السياسة أنّ الإكراه يصبح ذا قيمة استراتيجية عندما يرتبط بتصوّر واضح للحالة التي تريد القوّة المنتصرة الوصول إليها، وقد شرح توماس شيلينغ منذ عقود أنّ القوة العسكرية لا تعمل فقط بما تدمّره، وإنّما بما تستطيع إجبار الخصم على فعله ضمن شروط يمكن تثبيتها بعد انتهاء الإكراه، وهذه الحلقة هي الأكثر ضعفاً في سياسة ترامب الحالية تجاه إيران.
يملك النظام الإيراني سجّلاً طويلاً من القمع الداخلي والتدخل الإقليمي واستخدام التنظيمات المسلّحة وتوظيف برنامجه الصاروخي والنووي في بناء النفوذ، ويستطيع لذلك أن يتحمّل مسؤولية واسعة عن البيئة التي دفعت المنطقة إلى المواجهة الحالية، إلّا أنّ إضعاف هذا النظام يحتاج إلى تصوّر لما يأتي بعد الإضعاف، لأنّ الدولة الإيرانية تضمّ أكثر من تسعين مليون إنسان، وتقع في قلب طرق الطاقة والتجارة، وترتبط حدودها بآسيا الوسطى والقوقاز والخليج والعراق وأفغانستان وباكستان، وكلّ اضطراب طويل فيها ينتج تداعيات تتجاوز النظام نفسه.
تظهر المشكلة نفسها في غزّة من زاوية مختلفة، فقد وضعت إدارة ترامب مشروعاً واسعاً يقوم على نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وخروجها من الحكم، ونقل الإدارة إلى حكومة تكنوقراط، ونشر قوّة استقرار، والبدء بإعادة الإعمار. وهذه الأهداف تحمل منطقاً مفهوماً في جانبها المتعلّق بإنهاء البنية العسكرية لحركة حماس، ومنع إعادة إنتاج حكم مسلّح في القطاع، بينما بقيت قدرة واشنطن على ضبط ترتيب التنفيذ محدودةً أمام حسابات الحكومة الإسرائيلية وتعقيدات الانسحاب والأمن وإدارة الأرض. واجتماعات جاريد كوشنر أخيراً مع بنيامين نتنياهو انتهت إلى مجموعتَي عمل مع استمرار الخلاف حول تسلسل نزع السلاح والانسحاب.
وهنا تظهر مفارقة السياسة الأميركية بصورة أوضح. فترامب يريد أن يقدّم نفسه صانع صفقات يربط المصالح بالنتائج السريعة، بينما تحتاج غزّة إلى نوع مختلف من السياسة يقوم على إدارة انتقال طويل وتوزيع ضمانات وبناء مؤسّسة فلسطينية قادرة على الحكم وتأمين الخدمات واحتكار القوّة، وهذه مهام تشبه بناء النظام أكثر ممّا تشبه عقد الصفقة، ويتطلّب نجاحها ضغطاً مستمرّاً على جميع الأطراف الخاضعة للنفوذ الأميركي وضماناً بأنّ نزع سلاح “حماس” يقابله انتقال فعلي نحو حكم مدني مستقرّ وإعادة إعمار وانسحاب متدرّج وفق قواعد واضحة.
التاريخ يقدّم مثالاً مفيداً من أيرلندا الشمالية، إذ احتاج اتفاق الجمعة العظيمة إلى سنوات من التفاوض وإعادة بناء الثقة وتفكيك الأسلحة وترتيبات مؤسّسية ومراقبة مستقلّة، واحتاج أيضاً إلى القبول بأنّ إنهاء العنف يبدأ بتغيير البيئة السياسية التي تجعل العودة إليه أقلّ جاذبية. ومن هذه الزاوية، تصبح مشكلة غزّة أكبر من جمع الصواريخ وإغلاق الأنفاق، لأنّ نجاح نزع السلاح يرتبط أيضاً بوجود مؤسّسة قادرة على احتكار القوّة وتقديم الخدمات وصناعة أفق سياسي للفلسطينيين.
أمّا التحوّل الثالث، فيظهر في بنية الأمن الإقليمي نفسها، فقد وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/ آب اتفاقية دفاع مشترك تتضمّن تنسيقاً سياسياً وعسكرياً وتعاوناً في الصناعات الدفاعية والتدريبات المشتركة، وهي خطوة تعكس اتجاه قوى إقليمية إلى توسيع خياراتها الأمنية في بيئة أصبحت فيها الاعتماد المطلق على ضامن خارجي أكثر كلفةً.
يمكن لواشنطن أن ترى هذه التحوّلات شكلاً من أشكال تقاسم الأعباء الذي طالب به ترامب. وهذا تفسير يملك وجاهته، غير أنّ تعدّد الترتيبات الأمنية الإقليمية يحمل في الوقت نفسه رسالةً عن رغبة الحلفاء في بناء هامش أكبر بعيداً عن القرار الأميركي. ومع مرور الوقت يمكن أن تنتقل المنطقة من منظومة تتمركز حول المظلّة الأميركية إلى منظومة تضمّ مراكز ردع واتفاقات متقاطعة يصعب على واشنطن التحكّم بإيقاعها.
لا تكمن حصيلة ترامب في الشرق الأوسط، إذن، في غياب الإنجازات، فقد استخدمت إدارته قوّةً عسكريةً واقتصاديةً هائلةً أجبرت خصوماً وحلفاء على تعديل حساباتهم، ودفعت حركة حماس إلى التعامل مع مشروع نزع السلاح، وألحقت بالنظام الإيراني أضراراً ثقيلة، إلّا أنّ هذه النتائج ما زالت تبحث عن بناء سياسي يمنحها معنى مستقرّاً ويمنع ارتدادها إلى أزمات جديدة.
المعيار الحقيقي لنجاح القوّة الأميركية خلال المرحلة المقبلة سيظهر في قدرة واشنطن على تحويل الضغط إلى مؤسّسات وترتيبات وضمانات قابلة للاستمرار، لأنّ الهيمنة في العلاقات الدولية تُقاس في النهاية بقدرة الدولة على تشكيل سلوك الآخرين بعد توقّف القصف، وإغلاق غرف المفاوضات. وهنا يواجه ترامب أصعب اختبار في الشرق الأوسط، وهو الانتقال من سياسة إظهار القوّة إلى سياسة إنتاج النظام.