في الرابع من شهر أيار/ مايو الماضي، نظم مجلس الجاليّة المغربيّة بالخارج، في إطار فعاليات المعرض الدّولي للكتاب في الرباط (2026)، ندوة في موضوع “في الحاجة الملحة للترجمة” L’urgence de traduire، شارك فيها خالد اليملاحي، وشكيب عرارو، وعبد الفتاح الحجمري، وإدريس الخضراوي. وقد ركز المتدخلون على أهمية استرداد الأدب المغربي المكتوب باللغات الأجنبيّة إلى حاضنته الثقافية من خلال الترجمة إلى اللغتين الوطنيتين العربيّة والأمازيغيّة. كما أن الأوراق المقدّمة تقاطعت في التأكيد على الأهمية التي ينطوي عليها نقل الأعمال الروائيّة العربيّة والمغاربيّة المكتوبة باللغات الأجنبيّة، خاصّة الأعمال التي ينتجها كتاب ينتمون إلى الجيل الثالث، وتتميز نصوصهم باشتباكها مع قضايا محوريّة، من قبيل الهجرة والمنفى واللجوء والهوية المركبة، في سياق ما بعد الاستعمار. وإذا علمنا أن الترجمة تعدّ محركًا أساسيًّا للتواصل، بل هي تجسّد عظمته، لأن الكتاب يبدعون ويتحدثون ويكتبون للآخرين بحثًا عن حوار كثيرًا ما يكون متعثرًا، فإن ترجمة الأعمال الأدبيّة للكتاب العرب المكتوبة باللغات الأجنبيّة، وإتاحتها للقارئ العربي هو شكل من التكريم لها، لأن الترجمة تمدّ جسورًا معها، كما تخلق لها آفاقًا جديدة للفهم والحياة، كما يشير إلى ذلك فالتر بنيامين في مفهومه عن الحياة اللاحقة للعمل الأدبي.
في هذه المقالة، نركز على استكشاف أحد النصوص المغربيّة اللافتة التي ظهرت حديثًا، ويتعلق الأمر برواية “استحضار نصب تذكاري في البندقية” (2026) للكاتب المغربي خالد اليملاحي، التي صدرت عن دار صفصافة بالقاهرة بترجمة الكاتبة المصرية بسنت عادل فؤاد. ومن المعروف أن هذا العمل الروائي حظي بالترحيب النقدي إبّان صدوره عن دار Présence Africaine في باريس (2023)، حيث توّج بجائزة “إثيوفيل” لأحسن عمل فرانكفوني، وتنويه خاص من “جائزة القارات الخمس”، كما تُرجمَ إلى اللغتين الإنكليزيّة والرومانيّة. وتعد “استحضار نصب تذكاري في البندقية” العمل الروائي الثاني في سجل الكاتب الروائي خالد اليملاحي بعد روايته الأولى “الرواية الأجنبيّة“Un roman étranger (2017). كما صدرت له مجموعة شعرية فوتوغرافية بعنوان: “لقد قابلت البحر” (2022) بالاشتراك مع ريم خان. يزاوج الكاتب بين كتابة الرواية، والإسهام في دراسة الأدب والتنظير له، إذ يعمل أستاذًا للأدب المغاربي الفرانكفوني في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركيّة، وفي هذا السياق صدر له هذا العام كتاب قيّم بعنوان: Nostalgic Rebels: Politics, Aesthetics, and Selfhood in Postcolonial Morocco عن المطبوعات الجامعية لليفربّول، ويستكشف فيه أعمال ثلاثة كتاب مغاربة فرانكفونيين هم: محمد خير الدين (1941 ــ 1995)، عبد الكبير الخطيبي (1938 ــ 2009)، وعبد اللطيف اللعبي (1941 ــ) الذين يشتركون في كون تجربتهم الإبداعية تخلقت في رحم ستينيات القرن العشرين الشهيرة التي تعدّ منعطفًا بالغ الأهميّة في تاريخ الثقافة المغربيّة المعاصرة، كما ينتمون إلى جيل أنفاس Soufles الذي لعب دورًا جوهريًا في تصفية الاستعمار، وتجديد الأدب المغربي. وقد ورد في تقديم النّاشر أن هذا الكتاب “يتبحّر في دراسة أعمالهم وإرثهم الإبداعي من منظورين متلازمين: الثورة والحنين. وعبر نسج قراءات نقدية مقارنة ومستفيضة لنصوصهم، مع ربطها بتحليل للسياق التاريخي والسياسي الأوسع في المغرب، يُثبت الكتاب أن هؤلاء الكتاب قد وظفوا الثورة والحنين لمواجهة عنف الدولة، ومقارعة الشكوك والتمزّقات التي تحيط بعملية الكتابة ذاتها، فضلًا عن الدفع بمشاريعهم السياسية والجمالية وإعادة إحيائها”. كما يهتم اليملاحي بالترجمة، وقد نقل إلى العربيّة كتاب “كيف نسكن العالم” (2022) للمفكّر السنغالي فالوين صار.
أما رواية “استحضار نصب تذكاري في البندقية” فتسرد قصّة باتيه سابالي Pateh Sabally، الشّاب الغامبي ذو الاثنين والعشرين عامًا الذي ألقى بنفسه عام 2017 في القناة الكبرى بمدينة البندقيّة، فقضى غرقًا أمام أنظار المارّة، ووسط إهانتهم، من دون أن تثير مأساته أي اهتمام، أو تعاطفٍ، أو حتى شعورٍ بالعار والذنب من قبل هؤلاء الذين كانوا على مقربة منه، ولم يبدوا أي استعدادٍ لمساعدته. وكغيره من المهاجرين الأفارقة الذين شكلت ظلمات المحيط الأطلسي، وغياهب البحر الأبيض المتوسط، مقبرة للأحلام الكبرى التي ظلت تراودهم، فإن باتيه الذي نجا بأعجوبة من رحلة صعبة في الصحراء قبل أن يصل إلى الشواطئ الأوروبيّة، سينتهي به المطاف مختفيًّا تحت مياه القناة الكبرى في البندقية. هذه المدينة التي شدّد كارلو غولدوني على خصوصيتها المطلقة والاستثنائيّة، وصل إليها باتيه من بعد ظهر يوم 22 كانون الثاني/ يناير 2017 قادمًا إليها من ميلانو، ليجسّد من خلال مشهد موته في مدينة السياحة والمرح والحب والرومانسيّة، المصير المأساوي للمهاجر واللاجئ والمنفي، والذي لا مستقرّ له، وكذلك الحاجة الملحة إلى المقاومة والفضح والتعرية بتكسير القوالب والكليشيهات الرومانسية لمدينة فيما تتسلى فيها النخب والسيّاح، تقبع تحت مائها مآسي البشر الذين سحقتهم الهجرة والطغيان والاغتراب.
ولتقديم عالمه الروائي، يعتمد خالد اليملاحي شكلًا فنيًّا مفتوحًا يمزج فيه بين الرّسالة، والسيرة الذاتية، والتخييل الذاتي، والريبورتاج، والتحقيق الميداني، كما يوظف ساردًا ذاتيًّا يتحدّث بضمير المتكلم، ويدخل في حوار طويل مع باتيه بطل قصّته، ويأخذ شكل الرّسالة التي يستعيد فيها ذاكرته المحجوبة في زمن تطبعه علاقات القوة والهيمنة، مقتفيًّا أثره في الأمكنة التي عبرها من غامبيا إلى مصراته، ومنها إلى ميلانو والبندقيّة، قبل أن ينتهي به المطاف غارقًا في القناة الكبرى للبندقيّة. ولا شكّ في أن نتيجة هذه الرسالة الطويلة العميقة والمؤثرة التي يوجهها السّارد الشاب المنحدر من شمال القارة الأفريقيّة إلى باتيه ابن جنوبها، هي هذه الكتابة المتشظية التي يراها السّارد نتاج “الاختلاف غير القابل للاختزال في حياتنا“[1]، وهذا النصّ السّردي الآسر الذي تتقاطع فيه اللغات والأصوات، ويأخذ شكل المرآة التي تنعكس فيها آمال وآلام عالم بأكمله، بما في ذلك آلام وآمال المهاجرين والمغتربين الآخرين ممن تتقاطع مصائرهم التراجيديّة مع المصير المأساوي لباتيه. وضمن هذا المنظور، تتجلى رواية “استحضار نصب تذكاري في البندقية” بوصفها مرثيةٍ للمهاجر الأفريقي الذي يموت في صمت مطبق بعيدًا عن أرضه، وصوتٍ صارخٍ يجسّد معاناة ضحايا العنصريّة، والنظرة الانتقاصيّة للإنسان.
منذ البداية، يكشف السّارد عن وعي عميق بأهميّة الكتابة وجدواها؛ “أصر على الكتابة، ولكني أعلم، منذ البداية، أنه لا يوجد كتاب كاف لاستنفاد موتك“[2]، لكأنّه بهذا الإلحاح على فعاليّة الكتابة، وعلى كونها قوة فاعلة وأساسيّة، وعلى لا نهائيتها في الآن ذاته، إنّما يذكرنا بالمنظور ما بعد الاستعماري للأدب، والذي مفاده أن الكلمات تنطوي على قوة استثنائيّة، وأن ثمة مسؤوليّة ملقاة على عاتق الكاتب تتمثل في قول الحقيقة، وهذا بالتحديد ما نظّر له جان بول سارتر في كتابه “ما الأدب؟”، وفيما سمّاه مسؤوليّة الكاتب La responsabilité de l’écrivain، وكذلك إدوارد سعيد في تشديده على دور المثقف في قول الحقيقة للسّلطة. وعندما نتأمّل في اعتراف السّارد بأنه يكتب “من أجل تجفيف المياه، للكشف عن وجه العنف، لإعادة اللون إلى كل زنابق الماء التي اختنقت في صمت البحيرات“[3]، وبأنّه بتأثير من التفاعل العميق مع اختفاء هذا الشاب الغامبي شرع منذ أيام في إعادة قراءة قصيدة “دفتر العودة إلى الوطن” للشاعر المارتينيكي إيمي سيزار التي كتبها عام 1939. نستطيع القول إن القارئ الذي تراهن عليه الرواية لا يمكن أن يدرك المسارات التي تفتحها هذه الكتابة إلى منافذ جديدة في إدراك وجودنا في العالم، من دون معرفة بالانزياحات والمسافات التي تجترحها كتابة ما بعد الاستعمار، وبالنصوص الكبرى في مجال الفن الأدبي التي تتواصل معها، بوصفها إبداعًا معنيًّا بالرد بالكتابة على ليل الهيمنة الطويل الذي ما فتئ يلقى بكلكله على صدر العديد من الشّعوب، ويتسبّب في كثير من الآلام والمآسي والجراح التي لا تندمل.
| يستكشف اليملاحي في أحد كتبه أعمال ثلاثة كتاب مغاربة فرانكفونيين: محمد خير الدين وعبد الكبير الخطيبي وعبد اللطيف اللعبي |
لا يخفي السّارد الذاتي الذي يتحدّث بضمير المتكلّم تماهيه المطلق مع التجربة القاسيّة التي عاشها باتيه، وكثير من المهاجرين من بني جلدته، من أفريقيا، ومن البلدان المغاربيّة ممن ذهبوا ضحية النفي والإنكار اللذين طاولا قضاياهم وأحلامهم منذ الحقبة الاستعماريّة، وخلال عصر ما بعد الاستعمار، ذلك العصر الذي انجلت فيه أوهام التحرّر، وتزايدت فيه موجات الهجرة واللجوء بسبب الاستبداد وغياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من جهة، وبسبب الهيمنة الغربيّة التي اتخذت أشكالًا أخرى غير الشكل القديم الذي بدت به أول مرّة. يقول السارد/ الكاتب: “إن قصتك جرح أحمله في أعماقي، وستظل شظاياه تسكنني لأشهر، وربما لسنوات. أعلم أنه سيكون هنالك دائمًا شيء منك في نصوصي المسقبلية، وفي مشاريعي غير المكتملة، ومسوداتي العابرة“[4]. هذا الجرج الذي يحمله السّارد في الأعماق يأخذ دلالة أعمق ليس فقط عندما يستعيد تجربة عمّه الذي عاش فترة مهمة من حياته مغتربًا في ليبيا قبل أن يعود إلى المغرب في عام 2000، والألم الذي كان يعتريه وهو يرقب مشاهد الحرب الأهليّة التي غيّرت ملامح هذا البلد كليًّا، بل أيضًا في استحضاره التجارب المؤلمة للمهاجرين المغاربة، ومحاولاتهم المتكررة لعبور الحدود الإسبانية المغربية في سبتة، مثل مشهد الطفل المغربي أشرف الذي كان يبكي في الماء عام 2021. يقول السارد: “عندما أمسك به الجندي، استمر في البكاء وكرر: ’حاولوا أن تفهمونا، لا أريد أن أعود’. في ذلك اليوم، كانت هذه ثالث محاولة له للعبور، وقد انتهت بالفشل. بعد إعادته إلى المغرب، تولت الجمعيات رعايته، وعرضت عليه التدريب. ’حاولوا أن تفهمونا’، قال أشرف. ’نحن’ هذه التي يتردد صداها من الفنيدق إلى بانجول، ومن سبتة إلى البندقية. نحن في هذه التجربة المشتركة التي لا يعرف فيها الألم حدودًا أو قيودًا“[5].
واضح أن اعتماد هذا الشكل السّردي يتيح للقارئ إدراك العالم الروائي من خلال مرايا الذات، ويجعله يتبيّن طبيعة الكتابة الروائيّة عند خالد اليملاحي، ورهاناتها بوصفها كتابة ملتزمة تتقلص معها المسافة بين السّارد المتخيل والكاتب الواقعي؛ على أن مفهوم الالتزام في هذه الكتابة، التي هي سليلة القرن الحادي والعشرين، لا يأتي ها هنا بالمعنى الذي تعرّف عليه القراء مع الفيلسوف سارتر في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي طبعته يوتوبيا الثورة، بل بمعنى أوسع تتعين فيه الكتابة بوصفها متجذرة في العالم الذي تتحرك فيه الشخصيات، وتتشكل فيه سردياتها ومساراتها من دون أن تتنكّر الكتابة لذاتها بوصفها إبداعًا مستقلًا يراهن على العمل على اللغة، والحفر فيها عميقًا لفضح العار المجهول المتمثل في الصمت وعدم القدرة على فعل أي شيء “حيال موكب الأرواح التي أزهقت، والوفيات التي سرعان ما تم حفظها وأرشفتها، ودفنها في أدراج الإحصاءات المبهمة“[6]، وأيضًا بحثًا عن المعاني والدلالات الأكثر تجسيدًا للغرابة المقلقة التي تستبدّ بالإنسان في العالم المعاصر.
يكفي ها هنا أن نفكّر في الفورة التي تعرفها نصوص كتاب عالميين من طراز إدوارد سعيد، ونجيب محفوظ، وسلمان رشدي، وتوني موريسون، وجان ماري غوستاف لوكليزيو، وأورهان باموق، وعبد الرزاق قرنح، وآني إرنو، وبن أوكري، وغيرهم، كي نتبيّن كيف أن التحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات والثقافات في الألفية الثالثة تسهم في ولادة أشكال جديدة من الالتزام في الغرب، كما في القارات الأخرى، وخاصة لدى كتاب ما بعد الاستعمار الذين يراهنون على استعادة العالم، والاحتفاء بما فيه من تنوع وتعدّد يتعذر على الاختزال والقولبة على عكس العولمة التي ترسّخ الشبيه والمماثل. وعندما يقول الكاتب بلسان السارد إن الكتابة الوحيدة الممكنة هي كتابة الأثر[7]، فإنه يُحيلنَا هنا على جاك دريدا، وعبد الكبير الخطيبي، باعتبارهما منظرين بارزين للكتابة التي ليست مجرّد وعاء لنقل فكرة، أو حقيقة حاضرة في ذهن الكاتب. فالسارد في علاقته بباتيه لا يرى أن ثمة حقيقة مطلقة، أو معنى أصلي، أو فكرة نقية يمكن القبض عليها وتجسيدها بشكل كامل، أو نهائي، فما يكتبه ليس الشيء ذاته، وإنما الأثر. من هنا تتجلى وظيفة السرد في ملء الفراغات والبياضات التي تنطوي عليها حيوات اللاجئين والمنفيين والمغتربين عندما تختزل في أرقام، أو حالات فرديّة.
إن اهتمام الكتابة بذاتها عند خالد اليملاحي يأخذ أشكالًا متعدّدة؛ منها البحث الاستقصائي الذي يعيد تركيب قصّة باتيه من خلال كتابة متشظيّة تراهن لا على إبراز الحدث في ذاته، وإنّما على إظهار قوة المشاعر والأفكار والتصورات التي تتولد في رحم الحدث، مستعيدًا الإنسان المحجوب وغير المرئي، واضعًا إياه في صدارة المشهد. وبهذا المعنى تتجذّر الكتابة الإبداعيّة عند خالد اليملاحي في خط إبداعي مهم ما فتئ يتطور في الكتابة الإبداعية المعاصرة التي تراهن على التموضع ضدّ المسارات المناهضة للإنسانية، وعلى البحث والتقصي من أجل إعادة تركيب قصص المفقودين والضائعين والمهمّشين والمغتربين، وأولئك الذين يعيشون على هامش الحداثة ولا صوت لهم، وهذا ما يقتضي من السّارد أن يكون جوالًا عظيمًا، وعابرًا للآفاق يشبه عوليس بطل “الأوديسة” الذي عاش حياة المتشرد والرحالة، وتقاذفه الموج من شاطئ لآخر، والذي يمثل التجسيد الأسمى لهذا المفهوم في التاريخ الأدبي.
في هذا السياق، نرى أن السّارد في رواية “استحضار نصب تذكاري في البندقية” يتميّز بكثير من الصفات التي يلتقي فيها بعوليس؛ فقد خاض هو الآخر رحلةً طويلةً من فرنسا إلى البندقية، ومنها إلى غامبيا باحثًا ومستكشفًا ومنقبًا عن التفاصيل الصغرى التي تتيح ملء الفجوات والبياضات التي تتخلل قصة باتيه. لذلك، فرحلة السّارد تأخذ شكل المرآة التي تتيح للقارئ أن يرى على صفحاتها الفكر المناهض للاستعمار والهيمنة عبر وساطة اللغة المستخدمة، التي انتقيت مفرداتها بعناية، وكذلك من خلال حوارات السّارد مع الشخصيات التي قابلها في رحلته هاته؛ بما فيها ألما الشابة التي تعرّف عليها في البندقية، وروى لها قصّة باتيه التي باتت قصتها هي الأخرى.
يبدو أن التفكير في رواية “استحضار نصب تذكاري في البندقيّة” من هذه الزوايا المتعدّدة، سواء ما لها علاقة بالقصّة المروية، وبالطرائق الفنية المعتمدة في عرضها، ونوعيّة الصلة التي تقيمها بالقارئ عبر وساطة سارد ذاتي تتقاطع عينات من سيرته الذاتية مع تجربة البطل الروائي، أو بالمرجعيات الأدبية والفكرية التي تتخلل الرواية وتشكّل ذاكرتها، كل ذلك يجعلنا أمام نصّ روائي مختلف تحتّم علينا عمليّة تأويله استحضار مجموعة من الأعمال الأدبيّة الكبرى في التقليد ما بعد الاستعماري، والتي يعدّ خالد اليملاحي على معرفة بيّنة بها، مثل روايات الكاتب البولندي جوزيف كونراد، وخاصّة حكاية “إيمي فوستر” التي عدّها إدوارد سعيد التمثيل الأشد عمقًا وإطلاقًا لما كتب إلى الآن عن مأساة المنفى[8]، إذ بالرغم من اختلاف السياق التاريخي الذي يترسّخ فيه عمل الكاتبين، فإن خيوط التلاقي تعدّ كثيرة، منها السّعي والترحال بحثًا عن الحقيقة، وتمثيل لوعة النفي، والهجرة وهواجسها، والغيريّة، والمآسي التي يشكّل البحر فضاءها الأشدّ قسوة، والأنهار والبحار كأفضية بالغة الرمزية تدور فيها الأحداث، فضلًا عن الاهتمام بالمهمشين والمنسيين؛ سواء تعلق الأمر بالمستعمَرين في القرن التاسع عشر، أو بالمهاجرين في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين. وبعبارة أخرى، فإن رواية اليملاحي تترسّخ في التقليد الأدبي ما بعد الكولونيالي الذي تشكّل فيه الكتابة الروائية أحد الأدوات الممكنة للردّ على التمثيلات والافتراضات الغربيّة المنتشرة.
هوامش:
[1] خالد اليملاحي، استحضار نصب تذكاري في البندقية، ترجمة بسنت فؤاد، دار صفصافة، القاهرة 2026، ص125.
[2] الرواية، ص12.
[3] الرواية، ص15
[4] الرواية، ص131.
[5] الرواية، ص96.
[6] الرواية، ص21.
[7] الرواية، ص29.
[8] Edward Said, Réflexions sur l’exil et autres essais, Traduit de l’anglais par Charlotte Wpollez, Editions Actes Sud, Paris 2008, p.248.
*ناقد من المغرب.