إنّ الانتقال من مرحلة المؤسّس الخمينيّ إلى مرحلة المرشد عليّ خامنئيّ، وتحديداً إلى منتصف العقد الثاني من القرن الحاليّ (2015)، ليس من باب القفز على الحقائق والأمثلة والتطبيقات الكثيرة في محطّاتها، إنّما يأتي في سياق مواكبة المتغيّرات السريعة والمحطّات المفصليّة في تاريخ النظام الإيرانيّ وجمهوريّته الإسلاميّة.
المرجعيّة العقائديّة التي برزت مع قرار النظام، بقيادة عليّ خامنئيّ، الذهاب إلى توقيع اتّفاق مع واشنطن، كانت مرجعيّة عقائديّة وتاريخيّة حاولت استحضار المثال من الماضي، وإسقاطه وتطبيقه على الحاضر، ليشكّل المسوّغ الدينيّ والعقائديّ لهذه الخطوة التي أقدم عليها النظام، على الرغم من تعارضها مع الموقف الأيديولوجيّ الذي يتبنّاه، والذي حكم مسار علاقاته السياسيّة مع محيطه والعالم.
تبرير التّفاوض مع واشنطن
برز هذا الاستحضار للماضي من خلال العودة إلى مفهوم “الليونة الشجاعة”، واستدعاء مثال صلح الإمام الحسن مع معاوية بن أبي سفيان عام 41 للهجرة. ويقوم مفهوم “الليونة الشجاعة” أساساً على الفهم والقراءة اللذين قدّمهما المرشد السابق عليّ خامنئيّ في تفسير هذا الصلح، إلى جانب ما قام به من ترجمة عدد من الدراسات والكتب التي تناولته من العربيّة إلى الفارسيّة. وبالتالي قد يجد إسقاط التجربة التاريخيّة الماضية مسوّغاً له في العصر الحاضر، استناداً إلى فهم المرشد لطبيعة العلاقة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، وإلى اعتقاده بأنّها لا تلتزم الاتّفاقيّات والتفاهمات التي توقّعها إذا ما تعارضت في مرحلة ما مع مصالحها.
كان يريد خامنئيّ القول، من خلال استدعاء الماضي ومثال صلح الإمام الحسن، إنّ الحسن ذهب، من جهة، إلى الصلح مع علمه بأنّ معاوية لن يلتزمه، وأنّه سيسعى إلى نقضه والعمل على تجاوزه. وبالتالي، يأتي الذهاب إلى الاتّفاق مع واشنطن من باب إسقاط الذرائع، مع المعرفة المسبقة بأنّ الطرف الأميركيّ لن يلتزم ما يوقّع عليه من تعهّدات. ومن جهة أخرى، ما وجده الحسن عائقاً أمام استمرار الحرب مع معاوية من الأجدى أن يأخذه النظام الإيرانيّ بعين الاعتبار وأن يدرك أنّ النظام الإسلاميّ غير قادر على الدخول في مواجهة أو حرب مع الولايات المتّحدة وهو لا يملك القدرات والإمكانات التي تساعده على تحقيق أهدافه. لذلك قد يكون من المصلحة، ومن أجل حفظ النظام، الذي يُعدّ “أوجب الواجبات” وأهمّها، الذهاب إلى الاتّفاق والتفاهم، واعتبار ذلك محطّة مؤقّتة أو استراحة محارب، بانتظار تحقّق الشروط التي تضمن النصر وتغيير الواقع.
تشكّل هذه القراءة لصلح الإمام الحسن التاريخيّ الركيزة العقائديّة والأيديولوجيّة لفهم واقعة كربلاء وثورة الإمام الحسين على الحاكم يزيد بن معاوية عام 61 للهجرة. أي صلح الحسن هو الذي مهّد الطريق أمام ثورة الحسين، بعدما شكّل نقض الصلح من قبل معاوية، ثمّ يزيد لاحقاً، أحد أهمّ الأسباب التي دفعت الحسين إلى الخروج للقتال.
تحوّلت هذه الواقعة إلى المكوّن الأوّل والأساس في التفكير السياسيّ والعقائديّ والأيديولوجيّ لأيّ حركة شيعيّة بعد كربلاء. وبالتالي من المنطقيّ أن تكون المسألة الكربلائيّة أو العاشورائيّة هي المحور الأساس الذي تدور حوله البنية الأيديولوجيّة والعقائديّة للنظام الإيرانيّ. وقد عبّر مؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة، الإمام الخمينيّ، مبكراً عن ذلك بمقولته الشهيرة: “كلّ ما لدينا هو من عاشوراء”. وهذا يجعل كلّ المعارك ذات الطابع الوجوديّ التي يخوضها النظام معارك كربلائيّة، محكومة بفكرة انتصار الدم على السيف.
خامنئيّ بين نموذج الحسن ورمز الحسين
لم يجد المرشد السابق عليّ خامنئيّ صعوبةً في توصيف موقعه التاريخيّ، باعتباره قادراً على تمثّل النموذجين في آن واحد: نموذج الإمام الحسن، الذي ذهب إلى الصلح انطلاقاً من المصلحة الكبرى وعدم توافر القدرات لخوض المعركة مع معاوية، ونموذج الإمام الحسين في كربلاء، وإحياء يوم عاشوراء، الذي قُتل فيه الحسين وأهل بيته وأصحابه. فهو الذي وافق وسهّل التوصّل إلى اتّفاق مع الولايات المتّحدة بشأن البرنامج النوويّ، وما تضمّنه من تنازلات قاسية واستراتيجيّة، وهو نفسه الذي استحضر مقولة الإمام الحسين ليزيد بن معاوية، مخاطباً بها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، عندما رفض الشروط التي وضعها البيت الأبيض لأيّ اتّفاق مع إيران، فقال له: “مثلي لا يبايع مثلك”.
تجعل هذه المقولة، التي استعادها خامنئيّ في اللحظات الحرجة من التصعيد بين إيران والولايات المتّحدة، من السهل فهم الأبعاد الفكريّة والأيديولوجيّة والعقائديّة التي ينطلق منها المرشد الإيرانيّ في بناء مواقفه واتّخاذ قراراته. وينسجم مقتله وفق هذه المقاربة، مع هذه العقيدة، بوصفه تجسيداً واستحضاراً عمليّاً لما جرى في كربلاء قبل أربعة عشر قرناً.
صناعة الشّرعيّة السّياسيّة
ربّما المشهديّة التي رافقت تشييع المرشد، والرايات الحمر التي رُفعت خلال جميع مراحل التشييع، سواء في إيران أو العراق، ليست سوى استحضار جديد للماضي، وجهد أيديولوجيّ للربط بين مقتل خامنئيّ في هذا العصر ومقتل الإمام الحسين في القرن الأوّل الهجري. والرايات الحمر التي رُفعت بوصفها مؤشّراً إلى تمسّك الجماعة الإيرانيّة بمبدأ الانتقام والثأر لخامنئي، هي ذاتها الرايات التي رفعتها الجماعات الشيعيّة منذ قرون عنواناً لتمسّكها بالثأر لإمامها الحسين الشهيد.
أمّا كواليس منظومة السلطة والدولة العميقة في إيران، التي دفعت إلى تظهير هذه الحالة النفسيّة والفكريّة والدينيّة، فقد هدفت إلى إعادة شحن المجتمع الإيرانيّ وقواعد النظام الشعبيّة بدفق جديد من التعبئة الأيديولوجيّة لتوفير أرضيّة داعمة لأيّ قرار قد تذهب إليه هذه المنظومة، سواء باتّجاه الحرب والمواجهة ورفض أيّ شروط للتسوية قد تُفرض عليها، أو باتّجاه خيار التفاوض والتسوية بما يضمن الحدّ الأدنى من المصالح الإيرانيّة. وهي جهود تلتقي جميعها عند محاولة توظيف الشعور الوطنيّ المتأجّج في مواجهة أيّ عدوان يستهدف إيران وسيادتها ووحدة أراضيها.
في الحلقة الثالثة والأخيرة: صراع الخيارات داخل النظام الإيرانيّ.
