ملخص
ترى أودري كورث كرونين أن تنظيم “القاعدة”، الذي نفذ هجمات الـ11 من سبتمبر، انتهى فعلياً، بسبب فشله الاستراتيجي وتآكل شعبيته وانقساماته الداخلية، أكثر مما انتهى بفعل الضربات العسكرية وحدها. فبينما أسهمت الولايات المتحدة في إضعافه، لعب التنظيم نفسه الدور الأكبر في هزيمته، قبل أن يزيحه “داعش” من صدارة المشهد الإرهابي.
لم تعد “القاعدة” التي أسسها وقادها أسامة بن لادن موجودة بالمعنى التنظيمي الذي عرفه العالم، ذلك التنظيم الذي نفذ هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) قبل ربع قرن، وأودى بحياة 2977 أميركياً في مركز التجارة العالمي والبنتاغون وريف بنسلفانيا، لم يعد قائماً. ومن ثم يجدر بالمسؤولين الأميركيين أن يقولوا ذلك صراحة، بدلاً من تلميع إرث التنظيم من خلال التصرف والتحدث كما لو أنه لا يزال قائماً. صحيح أن الإرهاب لم يتوقف، وأن التطرف لم يختف، وأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قد تشعل مزيداً من أعمال العنف وتؤجج مزيداً من المشاعر المعادية للولايات المتحدة، لكن التنظيم الذي هاجم الولايات المتحدة في الـ11 من سبتمبر (أيلول) انتهى.
في السنوات التي أعقبت ذلك الهجوم، كرس آلاف الأميركيين حياتهم للثأر للضحايا. فقد ولد مشهد الطائرات وهي ترتطم بالأبراج، والناس الأبرياء وهم يسحقون أو يحترقون أو يقفزون فيلقون مصرعهم، رد فعل جارفاً ومشحوناً بالعاطفة. وكان ثمن التصدي لهذا الهجوم باهظاً: ففي حروب ما بعد أحداث الـ11 من سبتمبر، لقي أكثر من 15 ألفاً من أفراد الجيش الأميركي والمتعاقدين معه حتفهم في المعارك، وأصيب نحو 1.8 مليون آخرين بإعاقات. وبين عامي 2012 و2021، كان عدد أفراد الجيش في الخدمة الفعلية أو المحاربين القدامى الذين ماتوا انتحاراً يعادل أربعة أضعاف عدد الذين ماتوا في القتال. وانضم جنود من حلفاء الولايات المتحدة المخلصين، ولا سيما كندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، إلى الولايات المتحدة في القتال، وفقد مئات منهم حياتهم وهم يقاتلون جنباً إلى جنب مع الأميركيين. ويستحق هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم أن يعرفوا أن جهودهم لم تذهب سدى. فواشنطن وحلفاؤها خسروا الحرب في أفغانستان، لكنهم نجحوا في مواجهة تنظيم “القاعدة”.
ولا يزال الإرهاب الديني يشكل تهديداً، ولم تنجح الجهود في تحييد كل جماعة تستخدم اسم “القاعدة”، فهناك تنظيمات خطرة تنشط في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب آسيا. وتشن هذه المنظمات هجمات وتسيطر على أراض، وقد اقترب بعضها من إسقاط حكومات، ولا سيما في مالي والصومال واليمن. كما أن متطرفين إسلامويين من مختلف التيارات يتلقون التدريب في أفغانستان التي تحكمها حركة “طالبان”، وهو تطور يستدعي المراقبة عن كثب، لكن التنظيمات التي تعرف أحياناً باسم “فروع القاعدة” لا تتلقى توجيهاً أو قيادة مركزية من تنظيم بن لادن، ولذلك ينبغي للمسؤولين التوقف عن تصويرها على هذا النحو، إذ إن ذلك يضخم حجم الخطر الذي تمثله من دون أن يسهم في تسهيل مواجهتها، بل سيكون من الأفضل التوقف تماماً عن استخدام مصطلح “فروع القاعدة” أصلاً.
إن دراسة نمط الهجمات المرتبطة مباشرة بتنظيم “القاعدة”، تظهر كيف أن التنظيم المركزي بدأ يفقد قوته وزخمه تدريجاً. فقبل الـ11 من سبتمبر، حافظ تنظيم “القاعدة” المركزي على وتيرة ثابتة من العمليات العالمية ضد أهداف أميركية، وكان سجله يشمل تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 (الذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من ألف)، وتفجير مجمع أبراج الخبر عام 1996 (الذي أدى إلى مقتل 19 شخصاً وإصابة مئات)، وتفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998 (مما أسفر عن مقتل 224 شخصاً وإصابة آلاف)، والهجوم على المدمرة الأميركية “يو إس إس كول” عام 2000 (الذي أدى إلى مقتل 17 شخصاً).
وبعد عام 2001، شملت جهود تنظيم “القاعدة” المركزي ضد الولايات المتحدة محاولة فاشلة عام 2001 لتفجير قنبلة وضعت في حذاء على متن طائرة متجهة إلى ميامي، ومخططاً انتحارياً فاشلاً عام 2009 لاستهداف شبكة مترو أنفاق مدينة نيويورك، لكن التنظيم ألحق ألماً أكبر بأصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها مما ألحقه بالولايات المتحدة نفسها، وذلك من خلال هجمات دامية في بالي عام 2002، والرياض عام 2003، ولندن عام 2005. ولكن بعد تلك الموجة التي بلغت ذروتها في العقد الأول من القرن الـ21، انتقل الزخم إلى جماعات إسلاموية متطرفة أخرى، وبعد عام 2009 توقفت عمليات تنظيم “القاعدة” المركزي على مستوى العالم فعلياً.
على مدى عقود، درست الطريقة التي تنتهي بها الجماعات الإرهابية، استناداً إلى قاعدة بيانات تضم 457 حملة إرهابية وتنظيماً إرهابياً تعود لقرن مضى، ومن خلال تحليل تركيبتها وأهدافها والجمهور الذي تسعى إلى التأثير فيه، يمكن تحديد مسارات مشتركة تتخذها هذه الجماعات. وعلى رغم أن هذه المسارات ليست متعارضة بالضرورة، إلا أن هناك ستة مسارات رئيسة تسلكها هذه الجماعات في نهاية المطاف، وهي تصفية القيادات، أو التفاوض، أو تحقيق الأهداف، أو الفشل، أو القمع العسكري والأمني، أو التحول إلى أنشطة أخرى مثل الجريمة المنظمة أو التمرد المحلي. وفي حالة تنظيم “القاعدة” المركزي، وعلى رغم أن التخلص من القيادات والقمع العسكري أديا دوراً مهماً، فإن التنظيم انتهى أساساً بسبب الفشل الاستراتيجي، تماماً كما كان بن لادن يخشى أن يحدث.
هدف متحرك
في أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر، كان ينبغي أن تركز الحملة الأميركية على القضاء على منفذي الهجمات، لكن الولايات المتحدة أخفقت في تحديد التهديد بوضوح. فـ”قانون تفويض استخدام القوة العسكرية” الذي أقره الكونغرس في الـ14 من سبتمبر 2001، لم يذكر تنظيم “القاعدة” على الإطلاق، بل اكتفى بتحديد أعداء واشنطن بصورة مبهمة بأنهم “تلك الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يحدد الرئيس أنهم خططوا للهجمات الإرهابية التي وقعت في الـ11 من سبتمبر 2001، أو أجازوها أو ارتكبوها أو ساعدوا في تنفيذها”. وبعد أيام قليلة، كرر الرئيس جورج دبليو بوش الطرح نفسه، إذ قال: “حربنا على تنظيم ’القاعدة‘ تبدأ بتنظيم ’القاعدة‘، لكنها لا تنتهي عنده. ولن تنتهي قبل العثور على كل جماعة إرهابية ذات نطاق عالمي، وإيقافها، وهزيمتها”.
وهكذا، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على تكتيك، كان له دور في تشكيل العنف السياسي في العالم الحديث منذ اجتاح “إرهاب الحركات الفوضوية أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، وبذلك وضعت واشنطن لنفسها مهمة يستحيل إنجازها. فعند جعل “الإرهاب” هو العدو، يعني هذا أن جهودها ستفتقر إلى الوضوح وستستمر بلا نهاية واضحة. وما أعقب ذلك كان حملة أميركية غير محددة الأهداف في أفغانستان، (أطاحت بسلطة حركة طالبان في كابول، لكنها سمحت لبن لادن وأعوانه بالفرار).
ثم جاءت الحرب في العراق، حيث لم يكن تنظيم “القاعدة” نشطاً أصلاً إلى أن ظهر أحد فروعه بعد مرور عام على الاحتلال العسكري الأميركي. وقد أسهم غزو العراق في إطالة عمر “القاعدة” أكثر من أي حدث آخر، إذ استقطب مجندين جدداً من المجتمعات الإسلامية السنية في جميع أنحاء العالم، وأوجد في نهاية المطاف الظروف التي سمحت بظهور تنظيم “داعش”.
مع ذلك، وعلى مدى السنوات الـ25 اللاحقة، تمكنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها، من هزيمة تنظيم “القاعدة” بقيادة بن لادن، وإن حدث ذلك أحياناً رغماً عنها تقريباً، وغالباً بمساعدة غير مقصودة من التنظيم نفسه. وكان أحد العوامل المهمة مقتل أسامة بن لادن في مايو (أيار) 2011 في أبوت آباد في باكستان، وهو حدث أضعف تماسك “القاعدة”. فقد اقتحمت القوات الأميركية مجمع بن لادن، وقتلته، ثم نقلت جثته بطائرة مروحية إلى حاملة طائرات، وألقتها في البحر، مما حال دون إقامة أي ضريح أو نقطة تجمع لأتباعه. وبالنسبة إلى مكافحة الإرهاب الأميركية، كانت أهمية الوثائق التي عثر عليها في ذلك الهجوم تضاهي أهمية مقتل بن لادن نفسه، إذ قدمت أدلة دامغة على أن بن لادن لم يكن يدير عمليات التنظيم مركزياً منذ فترة من الزمن. ولم ينه مقتله تنظيم “القاعدة”، ولكنه كان بمثابة تحقيق للعدالة، وقوض قدرة مؤيديه وأنصاره على الالتفاف حوله.
وبحلول سبتمبر 2011، كان المسؤولون الأميركيون يزعمون أن عدد الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة ممن ارتبطوا مباشرة بتنفيذ هجمات الـ11 من سبتمبر لا يتجاوز بضع عشرات. ولكن بدلاً من إعلان النصر على التنظيم في ذلك الوقت والمضي قدماً، وسعت الولايات المتحدة نطاق عمليات حملة الطائرات المسيرة الأميركية ومجموعة أهدافها، وهي حملة بدأت عام 2002 في عهد بوش وتسارعت وتيرتها في بداية إدارة أوباما. فبدلاً مما يسمى بالهجمات الموجهة ضد شخصيات (التي تستهدف قادة معروفين)، تحولت الحملة إلى “ضربات قائمة على البصمة السلوكية” تستهدف أفراداً أو مجموعات مجهولين يستوفون مواصفات معينة، ليس في أفغانستان وباكستان فحسب، بل أيضاً في الصومال واليمن.
وقد أدت حملة الطائرات المسيرة إلى إضعاف صفوف تنظيم “القاعدة”، وانتقمت ممن يقفون وراء محاولات الهجوم، على سبيل المثال، من خلال تصفية أعضاء من فرع “القاعدة” في اليمن دربوا وسلحوا عمر فاروق عبدالمطلب، “انتحاري الملابس الداخلية المفخخة” الذي حاول إسقاط طائرة ركاب مدنية عام 2009. لكن هجمات الطائرات المسيرة أسهمت أيضاً في تحفيز الإرهاب: فوفقاً لمقابلات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي رفعت عنها السرية، قال منفذ تفجير ماراثون بوسطن عام 2013، تاميرلان تسارناييف (الذي استلهم أفكاره أيضاً من فرع القاعدة في اليمن)، لأحد أصدقائه إن قتل طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات في ذلك الهجوم كان مبرراً، لأن أطفالاً في أفغانستان وباكستان قتلوا جراء ضربات الطائرات المسيرة الأميركية. وكان لحملة الطائرات المسيرة أثر استراتيجي في حلفاء الولايات المتحدة: إذ ازدادت مواقف الرأي العام في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة تشدداً تجاه “الحرب العالمية على الإرهاب” التي تشنها واشنطن. وكانت الطائرات المسيرة مهمة من الناحية التكتيكية، وربما أنقذت أرواحاً، لكنها لم تقض على تنظيم “القاعدة”.
وكان التعاون في مجال الاستخبارات وإنفاذ القانون بين حلفاء الولايات المتحدة أكثر أهمية لتحقيق ذلك النجاح، ولا يزال يشكل حجر الأساس في الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب. فالإجراءات الجديدة للحد من تمويل الإرهاب، والفحص البيومتري وقواعد البيانات، والوسائل الجديدة لتبادل المعلومات الاستخبارية بين الحلفاء، ساعدت واشنطن في رصد التهديدات خارج الحدود الأميركية. ففي عام 2006، على سبيل المثال، أحبط التعاون الوثيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية مخططاً مرتبطاً بتنظيم “القاعدة” لتهريب مادة “تي إيه تي بي” TATP المتفجرة في عبوات مشروبات وإسقاط طائرات مدنية متجهة إلى الولايات المتحدة فوق المحيط الأطلسي.
تفكك وانهيار
جزء كبير من الأضرار التي لحقت بتنظيم “القاعدة” كان من صنع التنظيم نفسه، وكان أحد العوامل الرئيسة التي أضعفته هو رد الفعل العنيف على الهجمات الإرهابية التي ألحقت الأذى بالمدنيين المسلمين، وما ترتب على ذلك من فقدان التنظيم للدعم داخل المجتمعات التي كان يفترض أن يمثلها. لقد أدرك بن لادن أن هذه نقطة ضعف، وبدت مشاعر الإحباط واضحة في المراسلات التي عثر عليها في مجمعه السكني في أبوت آباد، ففي رسالة كتبها في مايو 2010 إلى أحد مساعديه، حذر قائلاً: “هنا تتبدد الصورة التي كونها المسلمون عنا، وهي أننا المدافعون عنهم والمحاربون لألد أعدائهم، وهو التحالف الصليبي الصهيوني، [وبدلاً من ذلك] نصبح قتلة أشخاص يعتبرهم عامة الناس مسلمين”.
بالاسترجاع، بدأ تنظيم القاعدة في تأسيس فروع له حول العالم عام 2004، لكن هذه الفروع كانت تنشأ عادة من تنظيمات قائمة أصلاً، وكانت روابطها بالتنظيم الأساسي تتسم أحياناً بالغموض على مستوى العمليات. ووفقاً لتقديرات بن لادن نفسه، فإن الفروع والجماعات التابعة المارقة أضرت بقضية “القاعدة” أكثر مما أفادتها، نظراً إلى أن معظم ضحايا أعمال العنف التي ارتكبتها تلك الجماعات كانوا من المدنيين المسلمين، الذين كانت عائلاتهم ومجتمعاتهم تحمل تنظيم “القاعدة” المسؤولية عن ذلك. وتشير بيانات أحد استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” للبحوث ضمن مشروع “المواقف والاتجاهات العالمية” إلى أنه في الفترة ما بين عامي 2003 و2011، تراجعت نسبة التأييد الشخصي لبن لادن في إندونيسيا من 59 في المئة إلى 26 في المئة، وفي الأردن من 56 في المئة إلى 13 في المئة، وفي الأراضي الفلسطينية من 72 في المئة إلى 34 في المئة. أما في باكستان، حيث كان بن لادن يختبئ، فقد تراجعت نسبة تأييده من 46 في المئة عام 2003 إلى 18 في المئة عام 2010. وهكذا، وبعد مرور عقد كامل على هجمات الـ11 من سبتمبر، كان حلم بن لادن بإنشاء قوة توحد المسلمين قد تبخر تماماً.
وقد لعبت الانقسامات الداخلية أيضاً دوراً في زوال تنظيم “القاعدة”، وكان الانقسام الأبرز هو انشقاق تنظيم “داعش”، الذي بدأ كفرع تابع لتنظيم “القاعدة” قبل أن يغير اسمه. ففي عام 2014، سيطر تنظيم “داعش” على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، وجذب نحو 15 ألف مقاتل أجنبي من 80 دولة للانضمام إلى خلافته التي أعلنها من جانب واحد. وقد شكل ذلك تحدياً هائلاً للتنظيم الأساس، إذ كان تنظيم “القاعدة” يمتلك الأفكار، بينما كان “داعش” يمتلك أرضاً يسيطر عليها.
في الواقع، أظهر مسار “داعش” المشكلة الجوهرية التي تنشأ عند التعامل مع فروع لم تكن تشارك بن لادن استراتيجيته، (وربما لم تكن تفهمها أصلاً). ففي عام 2005، وجه أيمن الظواهري، النائب الأول لبن لادن، رسالة إلى أبو مصعب الزرقاوي (زعيم ما كان يعرف آنذاك بـ”تنظيم القاعدة في العراق”، الذي تحول لاحقاً إلى تنظيم “داعش”)، ينصحه فيها بالتوقف عن قتل المدنيين الشيعة وقطع رؤوس الرهائن في مقاطع فيديو مروعة. وكتب الظواهري قائلاً: “من بين الأمور التي لن تستسيغها مشاعر عامة المسلمين الذين يحبونكم ويدعمونكم مشاهد ذبح الرهائن، نحن لسنا بحاجة إلى ذلك”، غير أن الزرقاوي تجاهل تلك النصيحة. وفي عام 2006، قتل الزرقاوي في غارة جوية أميركية، إلا أن التطرف الديني مال بوضوح نحو نهجه خلال العقد التالي، مبتعداً من نهج القاعدة الذي كان يتسم بحذر أكبر نسبياً.
الجزء الأكبر من الأضرار التي لحقت بتنظيم “القاعدة” كانت من صنيعة التنظيم نفسه
ومع ذلك، حتى في الوقت الذي كان فيه تنظيم “داعش” يطغى على تنظيم “القاعدة” ويتفوق عليه، بدأت حدود نهجه تتضح، مما أكد صحة تحذير الظواهري. وكان أول خطأ ارتكبه “داعش” هو حشد قواته وعتاده في منطقة مركزة، مما جعله هدفاً مثالياً لأية قوة عسكرية تقليدية. أما خطؤه الثاني فكان تبنيه بحماسة لأشكال مروعة من الوحشية والسادية، مما أثار عداء كل من لم ينتم إلى التنظيم تقريباً، وبحلول عام 2016 كان العالم بأسره تقريباً قد توحد ضده. وبالتعاون مع القوات العراقية والكردية والسورية، تمكن تحالف عالمي، شكل لهزيمة “داعش”، من استعادة الأراضي التي كان التنظيم استولى عليها والقضاء على الخلافة بحلول عام 2019. لكن الضرر كان قد وقع بالفعل بالنسبة إلى تنظيم “القاعدة”، إذ فقد موطئ قدمه في العراق وانقسمت قاعدة تجنيده مع ظهور تنظيم آخر أكثر شباباً وبريقاً. وكان رد فعل الظواهري هو اعتماد اللامركزية والتركيز على جماعات في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، مثل “تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، اللتين كان هدفهما الأساس السعي إلى الإطاحة بالحكومات المحلية.
في يوليو (تموز) 2022، وبعد مرور عام تقريباً على الانسحاب الأميركي من أفغانستان، قتل الظواهري في غارة شنتها طائرة أميركية مسيرة في كابول، وقد أكدت ردود الفعل الفاترة تجاه مقتله ضعف تنظيم “القاعدة” المركزي. واليوم، يبدو أن سيف العدل هو زعيم التنظيم، وهو يقيم في إيران، الدولة ذات الغالبية الشيعية، حيث قضى هو وقادة آخرون في “القاعدة” وأفراد عائلاتهم سنوات، امتدت لعقد كامل بعد هجمات الـ11 من سبتمبر، تحت شكل من أشكال الإقامة الجبرية، وحيث لا تزال قدرته على التحرك والمناورة محدودة للغاية. وهو لم يعلن نفسه حتى زعيماً للتنظيم، ربما خوفاً من الاغتيال، أو ربما لأنه لا يوجد في الواقع أي تنظيم حقيقي ومتماسك ليقوده.
وعلى رغم أن التنظيم قد يعيد تشكيل نفسه يوماً ما أو يشن هجمات برعاية إيران أو بدعم منها، إلا أن تنظيم “القاعدة” الذي هاجم الولايات المتحدة قبل 25 عاماً قد انتهى. وقد أسهمت الولايات المتحدة أحياناً في تسريع زواله، وأبطأته في أحيان أخرى، لكن الحقيقة هي أن تنظيم “القاعدة” فشل في نهاية المطاف.
أودري كورث كرونين هي مديرة معهد كارنيغي ميلون للاستراتيجية والتكنولوجيا ومؤلفة كتاب “كيف ينتهي الإرهاب: فهم تراجع الحملات الإرهابية وزوالها” (How Terrorism Ends: Understanding the Decline and Demise)
مترجم عن “فورين أفيرز، 9 سبتمبر (أيلول) 2026
