-
الجمهورية.نت
-
-
قبل أسابيع قليلة، تداولت صفحات محلية في الحسكة صوراً لعائلات تحزم أثاثها البسيط على متن شاحنات مغادرةً قرية غرة في منطقة جبل عبد العزيز، متجهة إلى لبنان ومحافظات سورية أخرى بحثاً عن فرص عمل.
ويحمل هذا المشهد، الذي ارتبط خلال سنوات الحرب بالنزوح هرباً من القصف، دلالة مختلفة اليوم؛ إذ تجري الهجرة في ظل استقرار عسكري وسياسي نسبي، فيما تدفعها الاعتبارات المعيشية بالدرجة الأولى.
وتتزامن هذه الموجة الجديدة مع المرحلة الانتقالية التي تشهدها محافظة الحسكة، على خلفية تنفيذ اتفاق الدمج التدريجي بين الحكومة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية، الموقع في 29 كانون الثاني (يناير) 2026. وتكشف المغادرة اليومية من قرى جبل عبد العزيز، جنوبي الحسكة، عن اتساع الفجوة بين الترتيبات الأمنية الجديدة وقدرة السكان على البقاء في قراهم في ظل تراجع مصادر دخلهم.
وبحسب شهادات متقاطعة، كان جزء من سكان المنطقة يعتمد على وظائف ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية، ولا سيما في الأسايش والتشكيلات العسكرية المحلية، برواتب تراوحت بين 100 و300 دولار أميركي شهرياً. ورغم محدودية هذه المبالغ مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الأسر اليومية، فإنها شكّلت المصدر الرئيسي لإعالة عدد كبير من العائلات.
ويقول مسعود، وهو أحد أبناء جبل عبد العزيز: «بعض الموظفين والمتطوعين في الأسايش توقفوا عن الدوام مع بدء التغيّرات السياسية مطلع عام 2026، فيما أُوقف آخرون عن العمل بعد فترة. كما أن عدداً من العائلات كان يعتمد على تجارة المحروقات بين مناطق الإدارة الذاتية ورأس العين، لكن توحيد أسعار مادة المازوت في عموم سوريا أدى إلى تراجع هذا المصدر من الرزق، ما جعل البقاء في المنطقة أكثر صعوبة».
وفي مسار موازٍ، جرى دمج عناصر الأسايش والتشكيلات العسكرية ككتل منظمة ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، وفق ترتيبات الدمج المعتمدة بين الجانبين. ويُشير مسعود إلى أن هذه العملية «شملت النسبة الأكبر من المكون الكردي». ويُضيف: «في المقابل، يواجه الراغبون بالانتساب الفردي المباشر إلى سلك الأمن العام من أبناء المنطقة العرب شروطاً صارمة تتعلق بالعمر واللياقة البدنية والتحصيل العلمي».
ورغم استثناء وزارة الداخلية محافظات الحسكة والرقة ودير الزور من شرط الشهادة الثانوية، واعتماد شهادة التعليم الأساسي حداً أدنى للقبول، فإن تعثر قبول كثير من المتقدمين من أبناء العائلات العربية عمّق الشعور بالتفاوت بين مساري الاستيعاب الجماعي والفردي.
ويعكس ما يحدث في قرية غرة تحولاً في دوافع الهجرة؛ فبعد أن كانت خلال سنوات الحرب نزوحاً مرتبطاً بالقصف والعمليات العسكرية، أصبحت اليوم خياراً اقتصادياً تفرضه البطالة وتراجع مصادر الدخل. وبينما تتقدم ترتيبات الدمج الأمني والإداري، تبدو قرى جبل عبد العزيز خارج أي مسار واضح للتعافي الاقتصادي، ما يجعل الهجرة بالنسبة لكثير من العائلات خياراً معيشياً أكثر منها خياراً أمنياً.
-