ملخص
يمكن القول إن الخلاف بين المبدعين يمثل نوعاً من الاختلاف بين مفهومين أو تصورين للفن: كاناليتو يجعل العين تكتشف البندقية، أما راسكين فيريد أن يجعل الفن عيناً تتجاوز المشهد إلى الحقيقة الكامنة في خلفيته.
كان معروفاً عن الناقد والفنان الإنجليزي جون راسكين هواه الإيطالي وتمسكه بذلك الشغف الذي اعتراه دائماً تجاه فنون النهضة الإيطالية، إلى درجة أن كثراً من الباحثين يقولون إنه كثيراً ما كان هو من شجع مواطنه الرسام ويليام تورنر على النهل من المزاجات الفنية الإيطالية وبخاصة مما يميز منها الفنون التي كانت سائدة في البندقية، المدينة التي شهدت ذروة ازدهار فنون النهضة الثانية مع تيسيانو وجورجيوني وغيرهما.
ومع ذلك معروف في عالم تاريخ الفن، أن راسكين لم يكن يحب كثيراً ذاك الذي يعد من أبرز رسامي البندقية خلال المرحلة الفاصلة بين النهضة المتأخرة والعصور الحديثة: كاناليتو.
ولعل هذا الواقع جدير بأن يعد غريباً حقاً، إذ إن كل ما في كاناليتو كان من شأنه أن يروق لراسكين كناقد وكرسام. والحقيقة أن هذا ما دفع عدداً من الباحثين إلى تحري الأمر تحت شعار: إذا عرف السبب بطل العجب!
والحال أن ما يكمن للوهلة الأولى في خلفية هذا الاهتمام هو كونه يكشف عن نوع من التوتر في فكر راسكين “بين إعجابه الشديد بالبندقية من ناحية، وبين تحفظه على فن المناظر الذي كان كاناليتو أحد أبرز ممثليه، من جهة ثانية”.
ولعل أول ما ينبغي أن نبدأ كلامنا به هنا هو أن جون راسكين (1819 – 1900) لم يكن ينظر إلى الفن الإيطالي من زاوية الذوق الجمالي وحده، بل كان يربطه بمفهوم أوسع للحقيقة: حقيقة الطبيعة وحقيقة التاريخ وحقيقة التجربة الإنسانية. وبهذا يمكننا على الفور فهم موقفه المركب من رسام المناظر البندقية جيوفاني أنطونيو كانال (1697 – 1768) المعروف بكاناليتو.
المدينة في معانيها
كما نعرف من سيرته، كان راسكين شديد التعلق بالبندقية إلى درجة أن كتابه الكبير “حجارة البندقية” جعل من المدينة نفسها موضوعاً جمالياً وأخلاقياً وتاريخياً في آنٍ واحد. كان يرى في شوارعها وعماراتها وقصورها وشواطئها آثاراً حية تعبر عن حضارة متكاملة، ولذلك كان مهتماً بصورة البندقية في الفن بقدر اهتمامه بالبندقية نفسها، لكنه لم يكن مستعداً لأن يقبل بسهولة “الصورة السياحية الجميلة” للمدينة بوصفها حقيقتها الفنية. وهذا بالتحديد ما يتحفظ عليه تجاه كاناليتو. فهو رأى أن هذا الأخير يمتلك براعة استثنائية في رسم العمارة والمنظور والضوء وأنه “استطاع أن يمنح المشهد البندقي وضوحاً هندسياً وإشراقاً يكادان يجعلان المدينة تبدو أكثر انتظاماً وروعة مما هي عليه في التجربة اليومية”. غير أن هذه البراعة نفسها كانت في نظر راسكين موضع شك: فالمدينة عند كاناليتو تتحول أحياناً من كائن تاريخي حي إلى مشهد مصمم بعناية للنظر.
وقد نقول بلغة أكثر حداثة إن راسكين كان يرى أن لوحات كاناليتو تبدو أشبه ببطاقات بريدية كبيرة الحجم!. فالمشكلة كما يراها راسكين لا تكمن إذاً، في أن كاناليتو يرسم البندقية بصورة خاطئة بالمعنى المباشر، إذ إن كثيراً من لوحاته يتسم بدقة تبدو مذهلة غالباً، بل إن المشكلة كما يراها راسكين أكثر عمقاً بكثير. هي مشكلة يعبر عنها سؤال حاسم: ما الذي يحدث حين تصبح الدقة البصرية بديلاً عن الحقيقة؟
كان راسكين يطلب من الفنان “أن يرى الطبيعة، وأن يخضع لها لا أن يفرض عليها نظامه الجمالي الجاهز”. ولذلك كان أكثر إعجاباً بفن تورنر مثلاً، حيث “يستطيع الضوء والجو والحركة أن يتحولوا إلى تجربة حسية وروحية، لا مجرد عناصر في مشهد مضبوط المنظور”، بحسب تعبيره نفسه.
السوق الأوروبية
إلى ذلك ودائماً من منظور يمكن عزوه إلى راسكين، كان كاناليتو في جانب من إنتاجه في الأقل مرتبطاً بالسوق الأوروبية، ولا سيما بالمسافرين (السياح) الإنجليز الذي كانوا يريدون العودة إلى بلادهم بصورة تذكارية عن المدينة التي زاروها وأحبوها.
ويقيناً، إن هذا الجانب التجاري من الحكاية لم يكن مريحاً لراسكين الذي كان يرى أن الفن العظيم لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إنتاج بالجملة لصور ترضي توقعات المتفرج الشاري.
ومع ذلك لن يكون من الدقة أن نقول، كما يزعم البعض، إن راسكين قد رفض فن كاناليتو رفضاً مطلقاً. فقد كان قادراً على تقدير مهارته التقنية وقوة ملاحظته “بل إن اهتمامه الدقيق بالعمارة البندقية جعله شديد القرب من عوالم كاناليتو أكثر مما قد تقترح بعض أحكام النقدية”. الفارق الأساس يكمن في أن راسكين كان يريد من لوحة المدينة أن تكشف ما يسميه روح المدينة وتاريخها وموادها وأخلاقها، بينما كان كاناليتو يميل إلى تقديمها بوصفها مجرد فضاء بصري مذهل متوازن ومضيء وقابل للفرجة.
ومن هنا يمكن القول إن الخلاف بين المبدعين يمثل نوعاً من الاختلاف بين مفهومين أو تصورين للفن: كاناليتو يجعل العين تكتشف البندقية، أما راسكين فيريد أن يجعل الفن عيناً تتجاوز المشهد إلى الحقيقة الكامنة في خلفيته. ولذلك فإن تحفظه على كاناليتو ليس رفضه لجمال لوحات هذا الفنان بل خوفاً من أن يتحول الجمال إلى قناع يخفي التاريخ، وأن تصبح البندقية في اللوحة أجمل مما هي في الحقيقة ولكن أقل عمقاً بكثير.
جزء من صراع أوسع
والواقع أنه إذا كان موقف راسكين من كاناليتو يبدو للوهلة الأولى موقفاً من رسام بعينه، فإنه في الحقيقة جزء من صراع أوسع داخل مفهومه للفن: هو الصراع بين الفن الذي يعيد ترتيب العالم لكي يصبح جميلاً، والفن الذي يخضع للعالم لكي يكتشف حقيقته.
وبناءً على هذا تأتي أهمية المقارنة بين كاناليتو وتورنر الذي كان راسكين كما نوهنا من كبار المدافعين عنه. كاناليتو يمثل، في جانب أساس من فنه، انتصار العين الهندسية. فهو يرسم البندقية من خلال العمارة، المنظور والخطوط الواضحة: القصور، الساحات، القنوات، الجسور، القوارب والسماء. كل شيء يجد مكانه هنا داخل بناء بصري شديد التماسك. حتى الضوء على رغم أهميته يبقى في غالب الأحيان، خاضعاً للانتظام العام للمشهد. إننا هنا أمام بندقية يمكن للعين أن تتعرف إليها فوراً، مدينة تحولت إلى صورة. أما تورنر فيذهب في اتجاه معاكس تقريباً. فهو كلما أوغل في تجربته أخذت الأشياء تفقد لديه حدودها الصلبة المتماثلة وأصبح الضوء والضباب والماء والهواء عناصر تتداخل بحيث يصعب أحياناً تحديد أين ينتهي الشيء وأين يبدأ الضوء المحيط به.
في لوحات تورنر عن البندقية تحديداً، لا تعود المدينة موضوعاً معمارياً وحسب، بل تصبح تجربة ضوئية. وهنا بالتحديد كان راسكين يجد تفوق تورنر. فهو لم يكن يرى أن الفنان العظيم هو الذي يستطيع رسم نافذة أو قصر أو سفينة بأكبر قدر من الدقة، وإنما الفنان هو الذي “يستطيع أن ينقل إلينا كيفية وجود هذه الأشياء في الطبيعة”. فالطبيعة عنده ليست مجموعة أشكال ثابتة، بل حركة مستمرة للضوء والجو والماء والغيوم. ولذلك فإن اللوحة التي تبدو أقل دقة بالمعنى الفوتوغرافي قد تكون في نظره أكثر صدقاً. ترى أليس هذا هو جوهر السجالات التي ستدور طوال القرن الـ20 حول الفن وجوهره؟
