بعد أن تمرّسنا على ضجر الانتظار، وهلعنا من صمتنا، وصلنا إلى المفارقة الأغرب في عصرنا: لم تكن المعرفة في تاريخ الإنسان أقرب إليه ممّا هي اليوم. كتاب كامل يمكن أن يصل إلى هاتفنا في ثوانٍ، ومكتبة بأكملها صارت أصغر من راحة اليد، وكلّ سؤال تقريبًا يجد من يجيب عنه قبل أن نكمل صياغته. ومع ذلك، حدث شيء غريب: كلّما أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل، أصبح البقاء معها أصعب.
لم نعد نحتاج إلى قراءة الكتاب كي نعرف فكرته؛ بات يكفينا أن نبحث عن ملخّصه، ولا ضرورة لقراءة مقال طويل ما دام يمكن اختصار روحه في بضعة أسطر. حتّى الأفكار التي احتاجت إلى سنوات من المخاض في عقل صاحبها، نريدها أحيانًا في دقيقة واحدة، جاهزة، مرتّبة، ومختصرة إلى الحدّ الذي لا يترك لنا عناء الوصول إليها. غير أنّ التناقض الأعمق يكمن في أنّ الإنسان لم يصبح أقلّ اطّلاعًا، بل ربّما أصبح أكثر اطّلاعًا من أيّ وقت مضى. لكنّ الاطّلاع شيء، والقراءة شيء آخر. يمكن للعقل أن يمتلئ بالمعلومات، بينما تضيق قدرته على البقاء مع فكرة واحدة، وملاحقتها عبر صفحاتها، واحتمال غموضها، والعودة إليها بعد أن ظنّ أنّه فهمها.
هنا يبقى التساؤل الجوهريّ: ماذا نخسر حين نستبدل الكتاب بملخّصه، والفكرة بنتيجتها، والرحلة بمعبرها السريع؟ هل نقرأ لكي نزيد رصيدنا من المعلومات، أم نقرأ لنتّسع أفقًا، ونتعلّم فنّ التفكير على ضوء عقول أخرى؟ ربّما تكمن المشكلة في أنّنا بدأنا ننظر إلى الكتاب بالطريقة نفسها التي ننظر بها إلى الأشياء التي نستهلكها: نريد أن نعرف ما فيه، لا أن نمرّ بما يفعله بنا. غير أنّ الكتاب لم يكن يومًا مجرّد وعاء للمعلومة، بل إنّ قيمته تكمن في المسافة التي تفصل السؤال عن جوابه، وفي التحوّلات التي تحدث للقارئ وهو يعبر تلك المسافة؛ فالقراءة تمنح العقل تجربة لا تمنحها المعرفة الجاهزة بسهولة: أن يدخل إلى عالم لم يصنعه، وأن يقيم طويلًا في وعي إنسان آخر، وأن يواجه فكرة لا توافقه، وشخصيّة لا تشبهه، ولغة تحتاج إلى أن تُفهم بدل أن تُستهلك.
| لا تدعونا م. وولف إلى هجر القراءة الرقميّة، بل إلى بناء قدرة مزدوجة: أن نعرف متى نحتاج إلى سرعة الوصول، ومتى نحتاج إلى البطء الذي يسمح للفكرة بأن تأخذ مداها |
عالمة الأعصاب المعرفيّة ماريان وولف، في مقالتها “كيف ننمّي عمليّات القراءة العميقة في عصر الرقمنة”، تربط القراءة العميقة بعمليّات معرفيّة تتجاوز فهم الكلمات إلى الاستدلال، والتأمّل، وربط الجديد بما نعرفه، ورؤية الأشياء من منظور آخر؛ فالقراءة العميقة شبكة من العمليّات المعرفيّة والانفعاليّة التي تتشكّل مع الممارسة وتحتاج إلى أن نحافظ عليها في عالم تتعدّد فيه طرائق القراءة. ولذلك لا تدعونا وولف إلى هجر القراءة الرقميّة، بل إلى بناء قدرة مزدوجة: أن نعرف متى نحتاج إلى سرعة الوصول، ومتى نحتاج إلى البطء الذي يسمح للفكرة بأن تأخذ مداها. القراءة هنا لا تضيف شيئًا إلى الذاكرة فحسب، بل تدرّب الطريقة التي يعمل بها العقل حين لا تكون الإجابة أمامه جاهزة. والمسألة في جوهرها هي أن نسأل أنفسنا عن نوع العلاقة التي نريد أن تبقى بيننا وبين النصّ. هناك قراءة تبحث عن جواب، وقراءة تفتح سؤالًا؛ قراءة تجمع المعلومات، وقراءة تعيد ترتيب ما نعرفه عن أنفسنا وعن العالم.
إنّ أكثر ما تكشفه القراءة حين نمنحها وقتها أنّها توسّع حدود التجربة الإنسانيّة. وتزداد قيمة هذه التجربة حين ننتقل من القراءة التي تمنحنا معرفة عن العالم إلى القراءة التي تسمح لنا بأن ندخل إليه، من قراءة المعلومات إلى رحابة الأدب. نحن نعيش حياة واحدة، في مكان واحد، وبقدر محدود من السنوات. لكنّ الكتاب يستطيع أن يضعنا، خلال ساعات، في حياة لم نعشها، ومدينة لم تطأها أقدامنا، وزمن لم نكن جزءًا منه. نعرف الفقر من داخل بيت لم نسكنه، والحبّ من قلب لم يكن قلبنا، والخوف من ذاكرة شخص لم نلتقِ به قطّ. ولهذا يمكن لقراءة الأدب، في أعمق صورها، أن تكون تمرينًا على مغادرة الذات بدون أن نفقدها. إحدى القوى الخفيّة للقراءة أنّها لا تضيف إلى العالم الذي نعرفه فحسب، بل تشكّك أحيانًا في حدوده. وكما يرى أومبرتو إيكو، فإنّ النصّ الأدبيّ ليس حكاية مكتملة نتلقّاها بأذن صاغية، بل هو لعبة معقّدة بين ما يقوله الكاتب وما يتركه لقارئ يفسّر، ويتوقّع، ويمنح التفاصيل معناها. وربّما يبيّن لنا ذلك لماذا لا تكون الرواية التي نقرأها في العشرين هي الرواية نفسها حين نعود إليها في الخمسين؛ الكلمات ذاتها، لكنّ القارئ هو الذي قد تغيّر.
القراءة تتّصل أيضًا بمعنى آخر يتجاوز علاقتها بما نعرفه إلى علاقتها بما نختاره، فالإنسان المعاصر يعيش وسط وفرة غير مسبوقة من الأصوات؛ أصوات تخبره بما يستحقّ الاهتمام، وما ينبغي أن يثير غضبه أو إعجابه، وما يجب عليه أن يفكّر فيه. وسط هذه الوفرة، يصبح الكتاب الذي نختاره ونمضي معه طويلًا مساحة نستعيد فيها شيئًا من علاقتنا الخاصّة بالمعنى بحيث نقرّر نحن أين نضع انتباهنا، وأيّ صوت نسمح له بأن يبقى معنا. من هنا كانت للقراءة مكانة خاصّة في التجربة الفلسفيّة، فالفلسفة، منذ سقراط، لم تبدأ من امتلاك الأجوبة، بل من القدرة على مساءلة ما يبدو واضحًا. لهذا كانت القراءة عند الفلاسفة جزءًا من فعل التفكير ذاته، فالإنسان لا يفكّر في فراغ. إنّه يفكّر أيضًا من خلال حوار طويل مع عقول سبقته واعترضت عليه ووسّعت ما يستطيع أن يراه. وربّما لهذا تكون قيمة بعض الكتب في أنّها تجعل من الصعب علينا أن نعود إلى أفكارنا بالطريقة نفسها التي كنّا نراها بها قبل قراءتها، فالكتاب الجيّد لا يحتلّ مكان العقل لكنّه يوقظه. وقد نغلقه ونحن لا نملك جوابًا جديدًا. لكنّنا نملك سؤالًا أفضل، وهذه في أحيان كثيرة بداية المعرفة الحقيقيّة.
وحين ننتقل من علاقة القراءة بالفرد إلى علاقتها بالمجتمع، يتّسع المشهد أكثر، فالأمم لا تحفظ ذاكرتها في المباني والآثار وحدها، بل تحفظها أيضًا في الكتب التي تترك للأجيال القادمة أثرًا لما فكّرت فيه، وما اختلفت حوله، وما أخطأت فيه، وما حلمت به. الكتاب يجعل التجربة الإنسانيّة قابلة للتراكم؛ ويستطيع إنسان لم يولد بعد أن يبدأ من حيث انتهى إنسان سبقه، وأن يدخل في حوار مع عقل لم يعاصره. ومن دون هذا التراكم، يصبح الحاضر أكثر عرضة لأن يظنّ نفسه بداية كلّ شيء. تتكرّر الأسئلة القديمة في صور جديدة، وتعود الأفكار نفسها بأسماء مختلفة، وتضيع تجارب كاملة لأنّ أحدًا لم يمنحها وقتًا كافيًا لتتحوّل إلى معرفة يمكن الرجوع إليها.
لهذا يتجاوز تراجع القراءة حدود المسألة الشخصيّة. حين يضعف الكتاب في حياة الناس، لا تختفي المعلومات، فالإنترنت مليء بها. الذي يضعف تدريجيًّا هو الحوار الطويل بين الأزمنة والأفكار، ذلك الحوار الذي يجعل الحاضر قادرًا على أن يسأل الماضي، ويجعل الماضي قادرًا على أن يعترض على الحاضر. يصبح الإنسان عندها أكثر تعرّضًا لتدفّق الأخبار، وأقلّ اتّصالًا بالسياق الفكريّ والتجربة الإنسانيّة التي صنعتها الكتب عبر الزمن. والمجتمع الذي يقرأ لا يملك معلومات أكثر بالضرورة. لكنّه يملك فرصة أكبر لأن يتذكّر، ويقارن، ويشكّ، ويعيد النظر؛ وهذه كلّها شروط ضروريّة لكي لا يكون الحاضر اللحظة الوحيدة التي نعرفها.
| حين نزل الوحي الأوّل على قلب النبيّ الخاتم، لم تبدأ الرسالة بالصلاة ولا بالصيام، بل جاء الأمر الإلهيّ مدوّيًا: “اقرأ” |
لذلك قد لا يكون السؤال: “كيف نعيد الناس إلى القراءة؟” بل “لماذا يجب أن نقرأ أصلًا، في زمن يستطيع أن يمنحنا كثيرًا ممّا نبحث عنه بدون كتاب؟”. نقرأ لأنّ الإنسان يحتاج إلى أكثر من أن يعرف؛ يحتاج إلى أن يفهم، وأن يتأمّل، وأن يرى ما حوله من أكثر من زاوية، وأن يختبر أفكارًا وحيوات لم يكن يستطيع الوصول إليها وحده. نقرأ لأنّ الكتاب يمنحنا وقتًا لا تفرضه علينا السرعة، وصوتًا نختاره نحن وسط مئات الأصوات التي تتنافس على انتباهنا، ومسافة نرى فيها أفكارنا من الخارج ونكتشف أنّ بعض ما حسبناه يقينًا كان مجرّد عادة. نقرأ لكي لا تصبح ذاكرتنا أسيرة اللحظة، ولكي يبقى بيننا وبين الماضي حوار، وبيننا وبين الآخرين قدرة على الفهم، وبيننا وبين أنفسنا سؤال مفتوح، فالكتاب لا ينافس الهاتف في السرعة، ولا ينبغي له أن يفعل. لكنّ قوّته تكمن في أنّه يمنح الفكرة وقتها، ويترك للتجربة أن تتشكّل ببطء. عندها يصبح الكتاب أكثر من صفحات تُقرأ؛ يصبح مكانًا نخرج إليه قليلًا من ضجيج العالم، لا هروبًا منه، بل لكي نعود إليه بعيون أوسع.
وإذا أمعنّا النظر في أبعد أفق لهذا الفعل النبيل، فسنجد أنفسنا أمام الجذر الأعمق لمعنى القراءة في وجداننا، فحين نزل الوحي الأوّل على قلب النبيّ الخاتم، لم تبدأ الرسالة بالصلاة ولا بالصيام، بل جاء الأمر الإلهيّ مدوّيًا: “اقرأ”. ولم تكن هذه دعوة لتعلم الأبجديّة، بل كانت دعوة التأسيس الأبديّ لعلاقة الإنسان بالمعرفة، والنافذة التي يُشرع منها عقل الإنسان على نور الخالق. وفي زمننا هذا، حيث تحاول الخوارزميّات اختصار الكتب إلى ومضات والمعرفة إلى إجابات باهتة، تظل كلمة “اقرأ” وافدة من أزل السكون، تذكّرنا بأنّ وعي الإنسان، وحرّيّته، وبوصلة روحه، تبدأ كلّها من تلك اللحظة التي يلامس فيها الحرف بصيرة القلب.
* كاتبة أردنيّة.