مريم شعيب – صحافية لبنانية
كانت فكرة عدم القدرة على الوصول إلى البيت متى شئت قاسية سواء لسبب يبدو تافهًا كثياب صيفية، أو لرؤية ثمار شجرة التوت في موسمها، أو لفنجان قهوة على الشرفة، أو لقلّاية بيض وفطور عادي روتيني، بلغ من عاديته أنه صار جزءًا منّا كعائلة، وشكّل معنا روح هذا البيت.
قبل مئة يوم كانت المرة الأخيرة التي زرتُ فيها قريتي وبيتي في جنوب لبنان. كانت زيارة روتينية، من زياراتي المعتادة في عطلة نهاية الأسبوع. أمضيت يومين مع عائلتي، يومين بطيئين من أيام القرية كما أحبّها، في الصباح الأول أعدّت لي جدتي البيض المقلي، “عيونًا” على طريقتها. تغدّينا لحمة مدقوقة وفراكة وكبّة نيّة. وفي اليوم التالي، أعدّت لي زوجة عمي طبقًا من الكشك للفطور، ثم طبخنا المحاشي للغداء. شربنا قهوة العصرونية على شرفة المنزل، وأمامنا زهور توشك أن تتفتح، مع نسمة هواء باردة في آخر شباط، ما زلت أشعر بوقعها يلفح وجهي حتى اللحظة. ثم توجهت صباح السبت إلى العمل نحو بيروت. اندلعت الحرب على إيران بينما كنت في الباص، وكل شيء تغير بعدها…
تهجّرت عائلتي إلى بيروت، مع إطلاق حزب الله الصواريخ الستة فجر 2 آذار/ مارس 2026. وفور إعلان الهدنة الأولى في 16 نيسان/ أبريل 2026 عاد أهلي الى الضيعة، لكن قررتُ ألّا أذهب معهم. اعتراني شعور بالخوف وانعدام الثقة بما يحدث وبالهدنة المزعومة. وبالفعل، وصل أفراد عائلتي الى القرية، محملين ببعض الأغراض، وشرعوا ينظفون البيت لكنهم لم يبيتوا فيه. عادوا أدراجهم إلى بيروت في اليوم نفسه، بعد تصريح مسؤول حزب الله محمود قماطي في مؤتمر صحافي دعا فيه الناس إلى تفقد منازلهم ثم العودة مؤقتًا إلى أماكن نزوحهم، وعدم الاستقرار فورًا خشية انهيار الهدنة.
في قرارة نفسي كان ينازعني شعور أنني لم أذهب معهم لأنني لم أشأ توديع البيت.
منذ حرب الإسناد الأولى يسكنني هاجس البيت ومصيره وأنا أرى كثيرين تمحى بيوتهم وقراهم، لكنني لم أغرق في طقوس الوداع. أردتُ لصورة البيت الأخيرة أن تبقى في ذهني كما هي: روتينية، عادية، تتلخص بيوم في القرية، حيث نشرب القهوة على الشرفة، ونستمتع بنسمات شباط، ننام باكرًا ونستيقظ لجَمعة الفطور وقلّاية بيض جدتي الاستثنائية. لم أرد لصورة البيت في رأسي أن تكون صورة ما أجمعه منه، وما آخذه معي منه، لأن احتمال ألّا يعود موجودًا صار احتمالًا قائمًا فعلًا. لم أرد لهذه الفرضية أن تأخذ حيّزًا من رأسي.
لكن مع تفاقم الوضع جنوباً وبداية الصيف، تذكرت أن ثيابي الصيفية لا تزال في غرفتي في القرية. أردت العودة لأجلها، لا لأجل الثياب فعلًا، بل لأن هذه الملابس تمثل مراحل من حياتي، جزءًا من شخصيتي ومن البيت ورائحته.
كانت فكرة عدم القدرة على الوصول إلى البيت متى شئت قاسية سواء لسبب يبدو تافهًا كثياب صيفية، أو لرؤية ثمار شجرة التوت في موسمها، أو لفنجان قهوة على الشرفة، أو لقلّاية بيض وفطور عادي روتيني، بلغ من عاديته أنه صار جزءًا منّا كعائلة، وشكّل معنا روح هذا البيت.
نجح أصدقائي في إقناعي بعدم الذهاب ولجأت لشراء ملابس جديدة. كان هذا الفعل، بالنسبة إليّ، كافيًا لقتل آخر أمل بإمكانية العودة إلى البيت، وقاسيًا على حالة الإنكار التي أعيشها.
ملابس جديدة، تعني مرحلة جديدة. مرحلة لن أستطيع معها وضع هذه الملابس في خزانتي في بيتنا. هذه الحقيقة واجهتها بالإنكار، حين حاولت العودة لاسترجاع ملابسي، متجاهلة الخطر الملازم للفعل، كي لا أواجه احتمال أن أخسر مراحل سابقة من حياتي وذاكرتي، مع احتمال خسارة البيت وأمل العودة إلى القرية
مئة يوم… إنها الفترة الأطول التي أمضيها بعيدة عن البيت، البيت الذي نشأت وعشت فيه حتى انتقلت إلى الجامعة في بيروت. لم أستطع، حتى بعد انتقالي، أن أترك الضيعة، فصرت أزورها أسبوعيًا.
أفكر بما فاتني خلال الأيام المئة الماضية التي أُبعدت خلالها عن بيتي قسرًا. إنه الربيع، الفصل الأجمل على الإطلاق في قريتي الصغيرة: الشرقية. قريتي التي ربما نادرًا ما سمع بها أحد من خارج منطقة النبطية، إلّا إذا كان من هواة الزجل والشعر، فيعرف زين شعيب، أو من قرّاء التاريخ، فيعرف علي شعيب. كان ذلك قبل أن يذكرها أفيخاي أدرعي في خرائطه، آمرًا بإخلائها.
ينبت زهر الدحنون في الدار عند منتصف آذار/ مارس. تُثمر شجرة التوت في مثل هذا الوقت. تقطف جدتي المردكوش والنعناع للكمّونة، ونقطف الليمون على مدار السنة. لدينا شجرتان معمّرتان، عمرهما من عمر البيت، أي أكثر من خمس وثلاثين سنة، وأكبر منّي.
كذلك تُزهر غالبية الأزهار في الدار في مثل هذا الوقت. تقطف جدتي من كل شتلة وردة، وتنسّق منها مزهرية خلابة الجمال، تضعها على مجلى المطبخ قبالة النافذة، فتفوح في البيت رائحة أزهار مختلفة ومتنوعة. في رأسي أيضًا رائحة الغاردينيا التي تنتشر في كل أطراف البيت والحديقة. كانت جدتي تقطفها وترتبها في صحون تضع في قعرها مناديل مبللة، كي لا تذبل الغاردينيا ولا تفقد عطرها لأكثر من أسبوع. توزع الصحون في مختلف أرجاء البيت، ويأخذ الزوار نصيبهم منها.
هذه الصور بدت أقرب فأقرب مع استهداف إسرائيل المنزل الواقع خلف منزلنا مباشرة، ومع قصف القرية مرّات عدة.
انهار مع القصف كل زجاج النوافذ والأبواب في المنزل. شاهدت الفيديو الذي أرسله أحد أقاربنا، وهو لم يغادر القرية لأنه مسعف في الدفاع المدني. كان الغبار والزجاج المتناثر يغطيان كل شيء. لم أستطع، أمام هذه الصورة، أن أشم رائحة الغاردينيا، بدا لي ذلك مخيبًا ومؤلمًا على نحو خاص.
يبتعد أمل العودة يومًا بعد يوم، فأجلس أكثر مع إنكاري الواقع القاسي.
أتخيل مكتبتي التي تضم أكثر من مئة كتاب في غرفتي، كلما غفا جفني، كنت أجمع المال من مصروفي المدرسي اليومي، على امتداد أعوام الدراسة، لأذهب إلى معرض الكتاب الدولي في بيروت سنويًا خلال الرحلة المدرسية، وأشتري لائحة كاملة من الكتب كنت أعدّها مسبقًا طوال العام.
هذه المكتبة تمثل جميع مراحل تحولاتي، تتنوع بين كتب عن الاقتصاد الرأسمالي، ودواوين شعر، وروايات روسية وعربية. بعض هذه الكتب لم أكن أستطيع حتى حمله في صغري. هناك مجموعات كاملة لكتّاب أحببتهم ولاحقت أعمالهم. أخذت من مكتبتي بعض الكتب المميزة بالنسبة إليّ عندما انتقلت إلى بيروت، وتركت غالبيتها في غرفتي، مؤمنة بأن هذا هو المكان الذي وُلدت فيه، والمكان الذي يجب أن تبقى فيه. أفكر في هذه المكتبة التي جمعتها كتاباً كتاباً، ورأسي لا يحتمل فكرة أن اختفاءها بفعل قصف إسرائيلي يبدو اليوم احتمالًا أقرب.
ذهبت إلى سوق الأحد في بيروت مع عمي وزوجته لشراء بعض الأغراض. أرادت زوجة عمي أن تشتري علبًا لتخزين البهارات في بيت نزوحها. قلت لها ولعمي إنها ليست جميلة. ردت بعفوية: “يعني شو بدي بجمالهن هلأ؟ بدنا نمشّي الحال، وبس أرجع عالضيعة بكبّن. عندي بدل العلبة مية، وأحلى بمليون مرة”. وبالعفوية نفسها، لكن الخالية من أي إنكار للواقع الدامي، ردّ عمي عليها بضحكة ساخرة تقول من دون كلمات ألا مجال للعودة إلى القرية أو البيت قريبًا. اختبأتُ بدوري خلف إنكار زوجة عمي، محمّلة بأمل ربما يبدو واهمًا، أو يحتاج إلى معجزة توقّف حدوث مثلها عند زمن الأنبياء.
هذا الإنكار يمنعني، مثلًا، من زيارة جدتي التي نزحت إلى بيت عمتي في البقاع. لم أعهد رؤية جدتي إلا في بيتها في القرية. فما الذي حصل؟ كأن دماغي يمنعني من تقبل حقيقة أن جدتي نازحة، وأنها ليست الآن في بيتها في الجنوب.
لكن صورة العلم الإسرائيلي المعلّق على قلعة الشقيف، أول معلم أثري زرته في حياتي، تركل إنكاري، وتعيدني لأواجه حقيقة مؤلمة، قوات جيش العدو الإسرائيلي باتت على أطراف النبطية، ولا يُستبعد أن تتوغل أكثر، ربما إلى النبطية نفسها، أول مدينة عرفتها وزرتها في حياتي. فهي مدينة المنطقة بالنسبة إلينا، وشريان الحياة فيها.
هناك مظاهر ودلالات كثيرة لا تتوقف عن الاصطدام بإنكاري طوال هذه الفترة. ربما يكون هذا الإنكار طريقة دماغي في التعامل مع الصدمة والحقيقة. وربما يبدو لي كآخر خيط يربطني بأمل العودة إلى مكتبتي وملابسي وموسم التوت وجمعة العائلة وروتين الحياة البطيء. لذلك لا أتحمل عناء إفلاته.