عندما أصدرت عالمة الأعصاب والكاتبة الكندية د. ديبرا سوه كتابها “انقراض الجنس: تراجع الجنس ومستقبل العلاقة الحميمة“، لم يكن اهتمامها منصبًا على الجنس بوصفه ظاهرة بيولوجية فحسب، بل أيضًا على ما اعتبرته مؤشرًا إلى تحول اجتماعي وثقافي عميق يمر به الغرب المعاصر. فالكتاب ينطلق من مفارقة لافتة؛ إذ لم تكن المجتمعات الغربية يومًا أكثر انفتاحًا على الخطاب الجنسي كما هي اليوم، ولم تكن الصور والرسائل والمضامين الجنسية أكثر حضورًا في الإعلام والفضاء الرقمي والثقافة الشعبية، ومع ذلك تشير الدراسات إلى تراجع معدلات النشاط الجنسي والزواج والإنجاب والعلاقات المستقرة، خصوصًا بين الأجيال الشابة.
ترى سوه أن التكنولوجيا الحديثة، وانتشار تطبيقات المواعدة، والإباحية الرقمية، وتغير أنماط التواصل الاجتماعي، أسهمت جميعها في خلق واقع جديد أصبح فيه الوصول إلى المحتوى الجنسي أسهل من أي وقت مضى، بينما أصبحت العلاقات الإنسانية الحقيقية أكثر هشاشة وصعوبة. وتعتقد أن المجتمعات الغربية تواجه أزمة حميمية حقيقية، حيث يتراجع التواصل الإنساني المباشر لمصلحة العلاقات الافتراضية والتجارب الفردية المعزولة.
تكمن أهمية الكتاب في الأسئلة التي يثيرها أكثر من الإجابات التي يقدمها. فهل نحن فعلًا أمام أزمة جنسية؟ أم أن ما نشهده هو انعكاس لتحول حضاري أعمق يتعلق بمفهوم الإنسان والأسرة والحب والانتماء؟
هنا تبدأ حدود أطروحة ديبرا سوه بالظهور. فالمشكلة ليست في أن تشخيصها لبعض الظواهر غير صحيح؛ إذ إن معظم المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية تؤكد بالفعل وجود انخفاض في معدلات الزواج والإنجاب والعلاقات الحميمة في عدد من الدول الغربية. لكن السؤال يتعلق بطبيعة التفسير. فهل السبب الحقيقي هو التكنولوجيا أو الإباحية أو الهواتف الذكية فقط؟ أم أن هذه العوامل ليست سوى أعراض لتحولات أكثر عمقًا؟
أزمة العلاقة الإنسانية
يذهب عدد من أبرز علماء الاجتماع والفلاسفة الغربيين إلى أن الأزمة لا تتعلق بالجنس بقدر ما تتعلق بتغير مفهوم العلاقة الإنسانية نفسها. فقد رأى عالم الاجتماع البريطاني أنطوني غيدنز أن المجتمعات الحديثة أنتجت ما سماه “العلاقة الخالصة”، أي العلاقة التي تستمر ما دامت تحقق الرضا للطرفين.
في الماضي كان الزواج مؤسسة اجتماعية قائمة على الواجب والاستمرارية والانتماء، أما اليوم فأصبح يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره خيارًا شخصيًا مرتبطًا بتحقيق السعادة الذاتية. لم يعد السؤال المطروح: كيف نحافظ على العلاقة رغم الصعوبات؟ بل أصبح: هل ما زالت هذه العلاقة تحقق لي ما أريده؟
هذا التحول يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن الحرية والتقدم، لكنه يحمل في داخله مفارقة عميقة. فكلما أصبحت العلاقات قائمة على تحقيق الذات، ارتفعت التوقعات الموضوعة عليها، وأصبح من الصعب على أي علاقة واقعية أن تلبي تلك التوقعات باستمرار.
أما الفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت باومان فقد وصف هذه الظاهرة بمفهوم “الحب السائل”. فبحسب باومان يعيش الإنسان المعاصر حالة من التوتر الدائم بين حاجته إلى الحرية وحاجته إلى الأمان.
إنه يريد علاقة توفر له الاستقرار العاطفي، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن تقيده هذه العلاقة أو تحد من استقلاليته. والنتيجة هي علاقات أكثر هشاشة، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات والتغيرات.
ومن هنا فإن تراجع الزواج ليس مجرد قرار شخصي، بل تعبير عن أزمة أعمق يعيشها الإنسان الحديث الذي يريد الجمع بين أقصى درجات الحرية وأقصى درجات الاستقرار في الوقت نفسه.
في السياق نفسه تحدث أولريش بيك عن “مجتمع المخاطر”، حيث تراجعت سلطة المؤسسات التقليدية التي كانت تمنح الأفراد شعورًا بالثبات واليقين، مثل الأسرة الممتدة والدين والمجتمع المحلي.
أصبح الفرد مطالبًا ببناء هويته بنفسه، واتخاذ قراراته المصيرية بمفرده، وتحمل نتائج اختياراته وحده. وقد وفرت هذه التحولات قدرًا أكبر من الحرية، لكنها أنتجت أيضًا مستويات مرتفعة من القلق والعزلة والشعور بعدم اليقين.
النسوية بين التحرير وإعادة تعريف الأسرة
لا يمكن مناقشة هذه التحولات من دون التوقف عند دور الحركات النسوية. فمن غير الممكن إنكار أن النسوية حققت إنجازات تاريخية مهمة للمرأة الغربية، سواء في التعليم أو العمل أو الحقوق السياسية والقانونية.
غير أن بعض التيارات النسوية، خصوصًا منذ أواخر القرن العشرين، دفعت النقاش نحو إعادة النظر في أدوار الأسرة والزواج والعلاقات بين الجنسين. وأصبح الاستقلال الفردي قيمة مركزية في كثير من الخطابات الثقافية المعاصرة.
لكن تحميل النسوية وحدها مسؤولية التحولات التي يشهدها الغرب سيكون تبسيطًا مخلًا. فالأزمة الحالية نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة والتحولات الفكرية.
من المفارقات اللافتة أن الثورة الجنسية التي شهدها الغرب في ستينيات القرن الماضي رفعت شعار التحرر باعتباره طريقًا إلى السعادة الفردية. وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن إزالة القيود الاجتماعية والدينية ستؤدي إلى حياة أكثر إشباعًا ورضا.
غير أن الواقع بعد عقود من تلك الثورة يبدو أكثر تعقيدًا. فبينما توسعت مساحة الحرية الشخصية، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالوحدة والعزلة وتراجع الإنجاب وصعوبة بناء العلاقات المستقرة.
وهذا لا يعني أن الثورة الجنسية فشلت بالكامل، لكنه يعني أن نتائجها جاءت أكثر تعقيدًا مما توقعه أنصارها.
لم يعد النقاش الغربي يدور حول الدفاع عن الأسرة التقليدية بصيغتها القديمة أو الدعوة إلى هدمها بالكامل، بل حول البحث عن توازن جديد بين الحرية الفردية والاستقرار الاجتماعي.
فمراكز الأبحاث الغربية تتحدث بصورة متزايدة عن أزمة الوحدة، وعن التراجع الديموغرافي، وعن الحاجة إلى إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي تضررت بفعل الفردانية المتصاعدة.
وأصبحت أسئلة مثل مستقبل الزواج، وأزمة الخصوبة، وتأثير الذكاء الاصطناعي على العلاقات الإنسانية، من أبرز القضايا المطروحة على الأجندة الفكرية والسياسية الغربية.
ماذا تعني هذه التحولات للمجتمعات العربية والإسلامية؟
الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن هذه التحوّلات بعيدة عن العالم العربي أو أنها تخص الغرب وحده. فالكثير من الظواهر نفسها بدأت تظهر بدرجات متفاوتة في المجتمعات العربية، من ارتفاع سن الزواج وتراجع معدلات الإنجاب إلى تغيّر التوقعات من الحياة الزوجية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية والعلاقات.
غير أن المجتمعات العربية ما زالت تحتفظ بعناصر قوة لم تتآكل بالدرجة نفسها التي شهدها الغرب، وفي مقدمتها مركزية الأسرة والروابط العائلية والبعد الديني والثقافة الجماعية.
لكن هذه العناصر لن تكون كافية وحدها إذا لم تترافق مع قدرة حقيقية على التكيف مع التحولات الاقتصادية والثقافية الحديثة.
إن التحدّي الحقيقي أمام المجتمعات العربية والإسلامية لا يتمثل في رفض الحداثة أو تقليد الغرب، بل في بناء نموذج متوازن يجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين حقوق الفرد واستقرار الأسرة، وبين متطلبات العصر والقيم الثقافية والدينية.
فالمطلوب ليس استنساخ التجربة الغربية ولا الانغلاق عليها، بل الاستفادة من دروسها وإخفاقاتها ونجاحاتها معًا.
أزمة الجنس أم أزمة المعنى؟
تكمن القيمة الفكرية لكتاب ديبرا سوه في أنه يلفت الانتباه إلى أزمة حقيقية تعيشها المجتمعات الغربية، لكنه لا يقدم التفسير الكامل لها. فالمشكلة ليست في تراجع الجنس بحد ذاته، بل في التحوّلات العميقة التي مسّت مفهوم الحب والالتزام والانتماء والأسرة.
إننا أمام أزمة معنى بقدر ما نحن أمام أزمة علاقات.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يواجه الإنسان المعاصر اليوم ليس: لماذا أصبح الناس أقل ممارسة للجنس؟ بل: كيف يمكن التوفيق بين الرغبة في الحرية الفردية والحاجة الدائمة إلى الانتماء والاستقرار والروابط الإنسانية العميقة؟
ذلك هو السؤال الذي لم يُحسم بعد في الغرب، والذي ستجد المجتمعات العربية والإسلامية نفسها مضطرة إلى التعامل معه خلال العقود المقبلة.
* كاتبة لبنانية.