حتى ليلة سقوط نظام الأسد، كان التعبير عن الفرح مسألة خلاف بين السوريين. على مدار ثلاث عشرة سنة حافلة بكلّ مفردات الكارثة في ذاكرة يحمل عبئها السوريون على اختلاف انحيازاتهم السياسية، سادت ثقافة تميل إلى اعتبار الفرح أحياناً تعبيراً عن عدم «احترام مشاعر السوريين»، وربما انعداماً للتعاطف والإنسانية.

على مرّ أيام الإبادة في غزة، عاش السوريون هذه الديناميكيات الاجتماعية في سياق غير سوري – ربما يكون الوحيد من نوعه – لا سيما حين كان الإعلام مسلّطاً على المجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين يوماً بيوم وليلة بليلة. وكأننا عدنا لنعيش كثافة المأساة السورية مجدداً، ليُمسي التعبير عن الفرح مسألة يشوبها بعض العار، نتحيّن الفرص والأوقات المناسبة لمجانبته. مدفوعين بمشاعر عميقة من التعاطف، شهدت تلك المرحلة تأجيل الإعلان عن مناسبات فرح شخصية، أو الإفصاح الخجول عنها على السوشيال ميديا مع الاعتذار مسبقاً عن هذا الفرح، وكأن المصاب حصل في بيت العائلة، أو بيت الجيران، أو الحارة، وليس في غزة البعيدة.

يتبادر هنا السؤال: لماذا بدا الفرح طوال سنوات الكارثة السورية والكارثة الغزيّة وكأنه النقيض الإنساني للتعاطف؟ كيف وصلنا إلى هذا الفرز الأخلاقي للبهجة؟ ولماذا تبدو العلاقة بين التعبير عن الفرح وانتفاء التعاطف حتميةً في سياقات الكارثة؟

عزّز الواقع الجنائزي الذي اقترنت به حياة السوريين خلال الثورة والحرب التي تلتها محاكمة سياسية وأخرى أخلاقية للفرح: لا أحد يستحق السعادة بينما الآخرون يموتون. أصبح للحزن المشترك، أو للامتناع عن الفرح، دلالة اصطفاف سياسي وانتماء إلى الجماعة التي ارتبط وجودها بالمأساة؛ «سوريو الثورة» الذين يتجسّدون المعاناة مقابل «سوريّي النظام» الذين لا يتجسّدونها. عمّ شعور بأن الوقت ليس وقتاً للفرح. متى وقته إذن؟ «بس يسقط النظام».

ثم سقط النظام. بعد شهور قليلة، عادت هذه الإشكالية إلى الظهور إثر مجزرة الساحل ثم السويداء، ومع قدوم الذكرى الأولى للسقوط، تجاوز الفرح مسألة التسييس ليغدو مسألة تخوين بين السوريين. بالنسبة لكثيرين، لم تكن مساءلة الفرح أمراً يحتاج إلى تفكير، فأيُّ مناسبة تستحق الاحتفال أكثر من سقوط النظام وانتصار الثورة، وتحت أيِّ شريعة يُصادَر حقّهم في الفرح بعد طول انتظار؟ كذلك، رأى سوريون أن الاحتفال بسقوط النظام وخلاصنا من عبء الحكم الأسدي لا يعني بأيِّ شكلٍ تماهياً مع أو احتفاءً بـ«الحكومة الجديدة»، فالمسألتان منفصلتان. بالمقابل، أدان سوريون هذا الفرح؛ فـ «النظام لم يسقط وسوريا لم تتحرّر»، أمّا المحتفلون – ضمناً أهالي الشهداء والمعتقلين والمختفين، وحاملو ذكرى المجازر الأوَل، وأصحاب المدن المهدّمة، والمشرّدون بين المحافظات والبلدان من سوريين عاديين غير نخبويين وغير مرتبطين بالسلطة – فهم خائنون لسوريتهم وغير مكترثين بالدم السوري في الساحل والسويداء. ومع هذا الاستقطاب المريع، صُوّر الفرح – فرح الناس لا احتفالات السلطة – على أنه انتفاء للتعاطف مع المجازر المرتكبة في ظل الحكومة الجديدة.

يثير هذا تساؤلات حول هذه العلاقة الحتميّة كما نتصوّرها بين التعاطف وانتفاء الفرح؛ هل تتجلّى أخلاقية التعاطف بغياب الفرح من حياتنا فقط؟ هل ينتفي التعاطف مع معاناة الآخرين بحضور بعض الفرح؟ كيف السبيل إلى معايرة شعورنا بالتعاطف بين ذواكر اليوم والأمس؟ ماذا عن التعاطف، بالمقابل، مع ذاكرة مجازر الأسد وحلفائه بحق السوريين المحتفلين اليوم بانتهائها من حياتهم وحياة أحبّتهم؟ هل يتّسع التعاطف لحضور الفرح؛ حين نغادر ذواتنا لنشعر بمن تألّموا قبلنا ونقبل حقهم في البهجة دون كثير من التسييس والنخبويّة؟ وإذا كان التعاطف يفترض أن نشعر (مع) الآخر، فلماذا يسود الافتراض بأن علينا أن نحزن معه فقط؟ ماذا لو كان التعاطف أن نفرح معه أيضاً، أو أن نفرح بالتوازي مع شعورنا بمعاناته؟

عن جذور المعاناة في التعاطف، وفي صناعة المعنى

في كتابه «مريع ورائع»، 1 يروي الجراح الإنكليزي بول براند كيف وقفت يوماً مارغريت ميد – إحدى مؤسسات علم الأنثروبولوجيا – أمام طلابها لتسأل: «ما هي أولى علائم الحضارة؟ إناء فخاري؟ أدوات حديدية؟ استهلال الزراعة؟ كلا. إنه عظم فخذ ملتئم». يتذكر براند كيف رفعت ميد عظم فخذ بشري أمامهم لتخبرهم أن تشافياً كهذا لم يُستدَلَّ عليه قطّ في بقايا المجتمعات الـ«بدائية» التنافسية؛ «آنذاك، كانت بقايا العنف وفيرة: معابد مثقوبة بالسهام، جماجم مهشمة بالهراوات، لكنَّ عظمَ فخذ ملتئم يُخبرنا أن شخصاً ما لا بدّ اعتنى بالشخص المصاب؛ اصطاد نيابةً عنه، أطعمه، لازمه وخدمه. كانت تلك أولى قرائن ولادة مجتمعات إنسانيّة متعاطفة». من المفارقة أن كسر عظم الفخذ يُطلَق عليه طبياً «كسر الموت»، ولا تزال هذه التسمية رائجة في كثير من المجتمعات حول العالم، ضمناً المجتمعات السورية. وحتى وقت قريب، كان كبار السنّ الذين «ينكسرون»، يسلّمون بدنوّ الأجل نتيجة مضاعفات طبية متسارعة ومودية غالباً إلى الموت. تترافق فترة التشافي بحالة من العجز والاعتماد الكلّي على الآخرين، حيث يحُول التعاطف – فعلاً لا مجازاً – بين المصابين والموت في معاناة كهذه.

في الحقيقة، هناك علاقة إيتيمولوجية وثيقة بين التعاطف والمعاناة، قد تمتدّ جذورها إلى جذور الإنسانية كما تفترضها ميد.

تعود الكلمة (Compassion)، في الإنكليزية، كما في الفرنسية، إلى الجذر اللاتيني (Compati)، المتشكّل من اجتماع مفردتين: (Pati) المعاناة، (Com): معاً، ليُصبح المعنى الحرفي للتعاطف: «المعاناة معاً».

في المقابل، كلمة (Empathy) المعادلة، ذات الجذر الإغريقي والعائدة إلى (Empátheia) تنتجُ عن اجتماع مفردتين: (En:In): في، وَ(Páthos ،Passion): ألم، بما يُحيل، حرفياً، إلى «في الألم»؛ التي تطوّرت لتُصبِح لاحقاً «في الشعور» أو «في العاطفة»: (In feelings)، والتي اكتسبت دلالةً معاصرة للإشارة إلى التعاطف من خلال تفهّم مشاعر أو تجربة الآخر وفق التعبير الشائع: «I feel for you».

منذ البدء، ارتبطت المفردة (Passion) بالألم، لكنّها تطوّرت بمرور الوقت لتكتسب دلالة إيجابية تتجاوز الألم بمعناه السلبي إلى «الشغف»، في اشتقاق لغوي يُحيل إلى العلاقة ما بين «معاناة» و«معنى».  2 قد ينطوي الشغف على بعض الألم، لكنه ألم مفضٍ إلى معنىً، محمَّل بقيمة إنسانية قد يتحتّم الفناء دونها، كما في درب المسيح المعبّد بالآلام في سبيل خلاص البشرية: «Passion du Christ».

في العربية، كما في الإغريقية واللاتينية، هناك محاكاة إيتيمولوجية لهذه المعاني المتماهية، فالمعاناة والعناء يشتركان في جذر لغوي مع «المعنى»، وفي بعض اللهجات المحليّة يرتبط المعنى بالعناء بصورة أكثر مباشرة. في لهجة أهل دير الزور (وربما في سائر اللهجات الفراتية)، يقال: فَعَل الشيء «عاني مِتْعَنّي»، في الدلالة على فعل مقصود لا يحتمل العشوائية، مترافق بجهد جسدي غالباً، والأصل في العربية «عانٍ مُتَعَنٍّ»؛ أي قاصداً (في المعنى) وجاهداً (في العناء).

ليست هذه التجاورات اللغوية العابرة للأزمان والدلالات مجرد صدفة. ففي الترجمات المعاصرة عن الإنكليزية والفرنسية، تتجاوز دلالتا كلمتي (Compassion) و(Empathy) مجرد الشعور بالـ«معاناة» إلى القدرة على الإحساس بالآخر وتفهّم مشاعره ومواقفه. مقاربة يُصطلح عليها بالـ«تعاطف»، بينما ينحو البعض إلى التعبير عنها بالـ«تمثُّل».

الكتابة ضدّ التمثّل

تُشكِّل اللغة اليومية علاقتنا بالعالم من حولنا وأحياناً كثيرة، تكون اللغة وسيلة تعبير عن مخيلة ما. تهتم الأنثروبولوجيا باللغة كأداة لصنع المعنى، فعلاقتنا بأنفسنا وبالعالم تشكّلها الكلمات، من خلال ما نقول ونسمع وبالتالي نتخيّل ونشعر ونفعل (أو لا نفعل). في ضوء ذلك، تشكّل اللغة أفعالنا المتعاطفة وشعورنا الإنساني بالـ«تمثّل»، لنتجسّد التجربة لا بما نفعله فقط، بل بما نقول ونحسّ.

في المجادلات التي تستدعي التعاطف، كثيراً ما نسمع التعبير «حط حالك محلي»، أو «لو أنت مكاني، ماذا كنت ستفعل/تشعر؟». في حديث مع طالبة قادمة من سانت غال الپروتستانتية في سويسرا – لم يكن عمرها يتجاوز العشر سنوات حين اندلعت الثورة في سوريا – قالت لي إنها لم تكن تعرف عن سوريا بدايةً سوى ما تسمعه من والدتها حين تتذمّر من الطعام الذي أعدّته الأم، فتقول: «على الأقل لدينا طعام؛ فكّري بأطفال سوريا الذين لا طعام لديهم. ماذا لو كنت مكانهم؟» جملة تبدو مألوفة في محاكاة الـ«تمثّل»؛ ارتبطت في ذاكرة جيلنا بأطفال مجاعة الصومال، وأطفال حصار العراق، وربما سترتبط في ذاكرة أطفالنا بأطفال إبادة غزة.

في الأيام الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا، ومع تصاعد الزخم الإعلامي آنذاك لصالح المهجّرين الأوكرانيين، كثيراً ما سمعنا من سياسيين وإعلاميين غربيين أو حتى من أناس عاديين غير مسيّسين بالضرورة: «هؤلاء يشبهوننا؛ إنهم متحضّرون، أوروبيون تقريباً، لهم بشرة بيضاء وعيون زرقاء، وتجمعنا ثقافة مشتركة». عبارات أخذت في الخفوت بمرور الوقت، حين انكسرت مخيّلة التمثّل أمام التعقيدات السياسية والتحدّيات الاقتصادية اليومية التي تفرض نفسها على الجميع. وبينما رمى هذا الخطاب إلى استدعاء التعاطف، انطوى على قدرٍ فائق من الإقصاء تجاه من لا يحملون صورةً لضحية مألوفة يتماهى معها المخيال الأوروبي؛ من سوريين وعراقيين وأفغان وغيرهم من أصحابِ «أزمة اللاجئين» التي سُيّست بوضوح منذ عام 2015، والذين – وفق هذا المنطق – لم يتمكّنوا من نيل الـ«تعاطف» ذاته حين لم تجد المجتمعات الأوروبية انعكاساً لصورتها فيهم.

لربما يكون التمثّل في بعض الحالات، نقطة بداية – أو إحدى نقاط البداية – لشعور التعاطف بمدلوله الأوسع، الذي قد ينجح في تجاوز ذاتيته نحو الكونية من خلال أولئك الذين «نتخيّل أنفسنا وقد ارتدينا أحذيتهم» على حدّ التعبير الإنكليزي: «In their shoes».

يلعب الخيال دوراً في خلق هذه التجربة الشعورية؛ بل إن بعض المنظّرين يذهبون إلى اعتبار التمثّل «فن القدرة على تخيّل أنفسنا وقد قفزنا في أحذية الآخرين». السؤال هنا: ماذا إن لم يسعفنا الخيال لنقفز في مآسي الآخرين؟ هل سنكون قادرين على التعاطف فعلاً، بمعزل عن مخيّلة التمثّل؟ هل نحتاج إلى أن نشعر بالألم نفسه، أو أن نتخيل معاناة «مماثلة»، حتى نكون إنسانيين؟ ماذا سيحدث عندما ينتهي الميل إلى الشعور بالمثل؟ هل ينتهي حينئذ الـ«تعاطف»؟ أو يبدأ؟

هناك ميل للاحتفاء بالـ«تمثّل» كتجربة انفعالية، بفرض أنه يمنحنا القدرة على وضع أنفسنا مكانَ الآخرين، لنتجسّدَ تجربتهم ونشعر بالنتيجة بمشاعرهم، فنتعاطف. يفترض هذا الطرح أن التمثّل يقترن بالإرادة التي لا بدّ أن تنبع من الذات أولاً لتقودنا – بشكل بديهيّ – إلى شعور «موضوعي» بالتعاطف. تصبح الذات مرآة تعكس لنا «حقيقة» العالم فنشعرَ نحوه كما يجب. قد نحتاج إلى التمثّل لتفعيل مشاعرنا بالتعاطف في لحظة ما، لكن، إلى أيّ مدى قد نكون سجناء ذواتنا، أنانيين ربما، بينما نعتقد أننا متعاطفون إنسانيون؟

أفكر في تلك المعاني المتجاورة من خلال التجربة الشعورية للـ«انفعال» (Affect) كما يراه دولوز: مفهوم يتجاوز ما نختبره في حدود الذات إلى الأثر الذي يبقى، وفي القدرة على التأثّر والتأثير. تجربة شعوريّة مصحوبة بأحاسيس وأفكار وربما أفعال، تنقلنا من الحيّز الخاص للذات نحو العام، فيُكسبها بعداً سياسياً.

بهذا المعنى، يغدو الاصطلاح «تمثّل» إشكالياً، حين يُجرِّد ما لا يُطاق من طابعه السياسي، فيكون شخصياً، ويحتمل نزوعاً إلى ذات تبدو عاجزةً عن الشعور بالتعاطف دون الاتكّاء على مخيلة نصبح فيها «مثل» أولئك الذين يعانون. تنطوي هذه المقاربة على خيال يحتمل الكثير من الفردانية، ينطلق من مركزية الأنا التي لا يتحرك فيها التعاطف إلا حين تتمثّل معاناة تمسّها بذاتها، أو تنخرط في مخيّلة شقاء تكون هي بطلتها بدايةً قبل أن تستطيل التجربة لتتمثّل من «نرى بعضاً من أنفسنا فيهم».

في اعتماد التمثّل نموذجاً للتعاطف، يصبح لمشاعر الآخرين وزناً – فقط – من خلال مشاعر وخيال الذات، وهذه معضلة أيديولوجية أخلاقية كما يقول باديو، الذي يرى أننا نعيش في عالم يزداد انقساماً كل يوم إلى ضحايا ومحسنين، في معادلة تفترض وجود «موضوع إنساني»، مثير للشفقة، يتّسم بالسلبية، نعكس عليه مشاعرنا، ننسج حوله حكماً، نحدد معاناته، ندرك حتميّة وقفها بكل الوسائل الممكنة، فنتحوّل حينئذ إلى إنسانيين. في الاصطلاح «تمثّل»، تأخذ هذه المسألة شكلاً أوضح، لا سيّما حين نتأمّل اللغة كحوامل لتجاربنا الشعورية.

صحيح أن البنية الصرفية وحدها لا تكفي لحسم كيف يُعاد تشكيل المعنى ضمن سياق اجتماعي، لكن، في الصيغة «تعاطُف» على وزن «تفاعل» هناك محاكاة لهرميّة أقلَّ قسوة بين أطراف هذه التجربة الشعورية، لا تتطلّب وضع أنفسنا كفاعلين وحيدين مكان أو «فوق» أولئك الذين يعانون، كشرط أساسي للإحساس بهم. في الصيغة «تعاطف» – خلافاً لـ«تعطُّف» (على غرار تمثّل) – لا تُصوِّرنا اللغة كمحسنين أمام ضحايا سلبيين ينتظرون العطف، بل في علاقة تفاعلية/انفعالية معهم. بالمقابل، في «تمثّل» على وزن المبالغة تفعُّل، هناك إيحاء بصناعة المعنى باتجاه واحد؛ يخوض من خلاله الفاعل (المتَمَثِّل) تجربة شعورية نحو المتمَثَّل والعكس غير صحيح.

توحي بنية الفعل في «تعاطُف» (على وزن تفاعُل) بتشاركية «في الفاعليّة لفظاً وفي المفعوليّة معنىً»، 3 وترك أثر متبادل، غير متكافئ بالضرورة، لكنه يُتيح لنا تناول الحدث على أنه علاقةٌ بين طرفين أو أكثر، ثم يأتي السياق الاجتماعي ليساعدنا على تحديد وفهم هذه العلاقة. من خلال هذه الطبيعة التفاعلية، يبدي الـ«متعاطِف» ميلاً إلى الـ«شعور معاً» لا الشعور بالمثل. ما يُسميه دولوز بـ«التعاطف اللا شخصي» هو في الحقيقة ضدّ التمثّل: «أن أُصبح الجميع» هو البديل الدولوزي لـ«أن أصبح كـ/مثل الجميع»، ذاك الذي لا يعتقد بحتميةَ أن أتمثّل ألمك حتى أبدأ بالتعاطف معك، بل يكفي أن يكون لديّ حسّ بالعدالة. تُتيح الرؤية الدولوزية تخيُّل التعاطف دون الحاجة إلى التمثّل، وبالعودة إلى التساؤل حول الحق بالفرح بالتوازي مع الشعور بالمعاناة، يصبح هذا ممكناً.

ربما تكون الحدود بين هذه الاصطلاحات وما تصنعه من معانٍ أوهى وأكثر هشاشة في الحقيقة مما تفترِضه العلاقة الحتميّة بين المعاناة والتعاطف. لكن في سياقات الكارثة، حين يستحوذ الألم على الفضاء العام ويصبح جليّاً وممتدّاً، يتحوّل الشعور بالتعاطف إلى حاجة جمعيّة ملحّة وقهريّة، قد يظهر معها التعبير عن الفرح انشغالاً أنانيّاً بالذات أمام همّ أوسع، أو تقويضاً لهذا الشعور الإنساني الوثيق بالمعاناة.