كان صيف عام 2017 من أكثر الفترات عنفاً في مدينة الرقة، إذ تعرّضت لأعمال قصف مكثّفة من طيران التحالف الدولي ومن قوات سوريا الديمقراطية خلال الحملة العسكرية لإنهاء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة.

أسفرت تلك العمليات عن مقتل 2323 مدنياً، إضافة إلى 4247 مفقوداً، وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وما يزال مصير وهويات معظمهم غير معروف إلى اليوم. وفي 20 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أعلن المركز السوري للعدالة والمساءلة تحديد هوية عائلة من مدينة تدمر قُتِل أفرادُها في قصف للتحالف الدولي على الرقة في آب (أغسطس) 2017.

عُرفت هويات أفراد العائلة التي فُقدت تحت أنقاض الرقة بعد تحليل الحمض النووي «DNA»، عقب عملية مُعقَّدة استغرقت نحو عامين وفقاً للمركز، تخللتها خطوات تحقيق ميداني وسياقي بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين.

ويقول غابرييل يونغ، مدير برامج أول في المركز، للجمهورية.نت، إن بداية القصة تعود إلى عام 2024، حين عثرت منظمة مختصة بإزالة الألغام على رفاتٍ بشريةٍ متناثرة تحت ركام مبنى سكنيٍّ مدمّر في حيِّ الجميلي وسط مدينة الرقة.

أبلغت المنظمةُ فريقَ شؤون المفقودين والطب الشرعي السوري العامل في المنطقة، المعروف سابقاً باسم فريق «الاستجابة الأولية»، والذي كان يجمعه تعاون مع المركز السوري للعدالة والمساءلة، لتبدأ مرحلة البحث والتقصي عن هوية أصحاب الرفات.

جرى في البداية تحليلٌ مخبريّ بالتعاون مع مؤسسة الأنثروبولوجيا للطب الشرعي الغواتيمالية، الشريك الدولي للمركز، وتمكنوا من معرفة أن الرفات تعود إلى عشرة أشخاص: ستة أطفال وأربعة بالغين، إلى جانب العثور على أدلة مساعدة، مثل بطاقتين شخصيتين وملابس.

ويشير يونغ إلى أن عملية التعرّف كانت مُعقَّدة، خصوصاً أن البطاقات الشخصية تعود لأشخاص من تدمر، وهي منطقة لا يمتلك الفريق وصولاً إليها. ويضيف: «بدأنا بالتحقيق السياقي قبل تحليل الحمض النووي، وتمكّنا عبر العلاقات المحلية من الوصول إلى سيدة قدّمت أوصافاً متقاربة مع الحالة التي نعمل عليها».

كانت السيدة منال عليوي شقيقةَ الضحية منار، التي عُثِر على رفاتها مع زوجها بسام الحمادة وأطفالهما الخمسة. ويشير يونغ إلى أن المعلومات التي قدّمتها منال حول شقيقتها وعائلتها، إلى جانب تحليل الصور الفضائية للموقع ومقارنة الملابس التي وُجدت مع الرفات بما يظهرُ منها في صور سابقة للعائلة، ساعدت في بناء فرضية أكثر تحديداً حول هوية الضحايا.

لاحقاً، جُمعت عينةٌ جينية مرجعية من منال، إضافةً إلى عيناتٍ من الرفات، وأُرسلت إلى مختبر مؤسسة الأنثروبولوجيا للطب الشرعي الغواتيمالية لإجراء الفحوص والمقارنات الجينية.

ووفقاً للمعلومات التي أعلنها المركز، أفضت التحاليل الجينية إلى التعرّف على منار وزوجها بسام الحمادة وأطفالهما الخمسة، ويجري حالياً التنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين لتسليم الرفات إلى ذويهم، بما يُشكّل نهايةَ مرحلة طويلة من الانتظار بالنسبة إلى العائلة.

ويؤكد يونغ أن نجاح العملية ارتبط بالشراكة المحلية والدولية، موضحاً أن الفريق اعتمد على الاتصالات الشخصية والعلاقات المجتمعية للوصول إلى أقارب الضحايا، في ظلِّ غياب قاعدة بيانات جينية وطنية يمكن الرجوع إليها.

ويشرح يونغ أن أخذ عينات عشوائية من الرفات وإرسالها للتحليل لا يكفي لتحديد هويات أصحابها، ما لم تتوَافر عيناتٌ مرجعيةٌ من أقارب محتملين أو معلومات تساعد على تضييق نطاق البحث.

لهذا السبب، يُركّز المركز حالياً على ما يصفه بـ «الحالات ذات السياق المُغلَق»، أي الملفات التي تتوافرُ فيها معلوماتٌ وأدلةٌ تسمح بتحديد مجموعةٍ محتملةٍ من الضحايا وأقاربهم، بدلاً من إجراء فحوص جينية لحالاتٍ متفرقة من دون أساس استقصائي واضح.

ولا يقتصر التحدي على الجانب الفني، فالفحوصُ الجينية مُكلفة، فضلاً عن أن عملية التحقيق قد تستغرق أشهراً أو سنوات قبل الوصول إلى مرحلة إرسال العينات إلى المختبر. ويقول يونغ إن المركز يعمل حالياً على عشرات الحالات الأخرى في الرقة، ويأمل في الوصول إلى نتيجةٍ في حالة إضافية خلال الفترة القريبة، بالتعاون مع المؤسسة الغواتيمالية.

تأتي هذه التجربة في سياق ملفٍ واسعٍ ومُعقَّد، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين في سوريا منذ بداية الحرب يتراوح بين 130 و300 ألف شخص في عموم البلاد.

وفي أيار (مايو) 2025، أُحدثت الهيئة الوطنية للمفقودين بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19، وكُلّفت بالتحقيق في مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم. كما أعلنت الهيئة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي عن تحديد هويتي مفقودَين باستخدام تحليل الحمض النووي بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بحسب تقرير لوكالة رويترز.

ويرى يونغ أن تعميم هذه التجربة، رغم صعوبته، يتطلَّب في المقام الأول مستوى أعلى من الشفافية لدى الهيئة الوطنية للمفقودين، إضافةً إلى إعلان خطة واستراتيجية واضحتين تُتيحان للعائلات فهم آليات العمل، والصعوبات التي تُواجهه، والمدة المتوقعة لعمليات البحث والتعرّف.

ويُشدد يونغ على أهمية تعزيز التعاون مع المنظمات المحلية والدولية التي عملت على ملف المفقودين لسنوات، والاستفادة من خبراتها وشبكاتها الميدانية، بما يُسهم في دعم العائلات السورية في معرفة مصير أحبائهم المفقودين.