لا نرفض السلام، ولا التفاوض، ولا الحوار، ولا الوصول إلى تفاهمات أمنية أو سياسية. بالعكس، هذا عين العقل وتمام المنطق، وهو المطلوب لمنع الاقتتال والاحتراب وحماية المصالح وتأمين الاستقرار. لكن السلام لا يعني المغالاة في تقديم “الصورة” لعدو مبين، لنا معه ألف صولة وجولة، وبيننا وبينه ، ذاكرة مُثقلة بعدوان لا ينضب.
حين عقد وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني مؤتمراً صحفياً إلى جانب الرئيس نواف سلام في السراي الحكومي الشهر الماضي، أبدى عتباً مضمراً على ذهاب لبنان نحو اتفاق الإطار مع إسرائيل، وهو عتب ينطوي على استياء ملحوظ نتيجة عدم التشاور بين الدولتين قبل الذهاب نحو خطوة كبيرة من هذا النوع، وقد قال بالحرف: “نريد أن يكون اتفاق الإطار في جو من الهدوء، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ولا يكون مجرد مُسكنات أو هروباً من الضغط، حتى لا نذهب إلى تفاهمات سريعة لا تؤدي إلى إيقاف الحرب أو إلى تأمين الاستقرار المستدام، لأن ذلك سيؤثر على لبنان وعلى محيطه”.
هذا العتب الدبلوماسي محق، لأنّ التاريخ والجغرافيا والتجارب تفرض على الجانبين التشاور، لا سيما حين يتعلق الأمر بدولة مثل إسرائيل.
هذا ليس انتقاصاً ولا تدخلاً ولا وصاية على طريقة آل الأسد السيء الذكر، بل سلوك طبيعي لدولتين جارتين تختبران المكابدة ذاتها مع عدو يحترف اصطياد خصومه وقضمهم على نحو منفرد، لكن العتاب السوري على الجانب اللبناني في بيروت، يُقابله عتاب مضاد على دمشق، التي تذهب نحو خطوات تأسيسية في مسار الصراع، من دون أي تشاور.
خطأ كبير
ليس الاعتراض على أن تتواصل سوريا مع إسرائيل، ولا على أن تبحث دمشق عن ترتيبات أمنية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. فالدول لا تدير علاقاتها الخارجية بمنطق العواطف أو الانفعال، ولا يمكن لأي دولة خارجة من عقود طويلة من الحرب والانهيار أن تُغلق قنوات الاتصال، خصوصاً مع طرف يحتل جزءاً من أرضها ويتحرك عسكرياً داخلها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التواصل الضروري إلى عرض “مسرحي” سياسي إسرائيلي.
صحيحٌ أنه ليس الاجتماع الأول بين السوريين والإسرائيليين، لكنه الأول من نوعه بين شخصية دبلوماسية رفيعة ومسؤول أمني إسرائيلي، حيث سبقه ثلاثة اجتماعات اتخذت طابعاً سياسياً ودبلوماسياً واضحاً بين الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر في باريس وباكو، ثم اجتماع لاحق مع سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر في باريس أيضاً، لكن الاجتماع المباشر مع مدير الموساد جرى للمرة الأولى، رغم أن اتصالاً جرى بين الرجلين قبل الاعتداء الإسرائيلي على مطار أبو الظهور بأيام، وقد تسرّب أن الاتفاق على عقد اللقاء تم خلال الاتصال.
منزلة بين المنزلتين
مثل هذا اللقاء يُحسّن، ولو بصورة غير مباشرة، من الصورة الإسرائيلية، ويخلق انطباعاً مؤكداً بأن الكباش بين دمشق وتل أبيب، كما الكباش بين بيروت وتل أبيب، ليس أكثر من خلاف بين دولتين متجاورتين، أو بين جار متسامح وآخر سيئ.
كان يمكن لدمشق أن تعمل عبر قنوات أمنية واستخبارية ودبلوماسية، على حماية سوريا وتأمين استقرارها ومنع التصعيد، من دون أن يتحول ذلك إلى مشهد سياسي يرفع من شأن الطرف الإسرائيلي ويمنحه ما يبحث عنه منذ سنوات طويلة.
العداء المتصلب الذي يصل إلى حد القطيعة المطلقة مع إسرائيل لا يخدم المصلحة السورية، كذلك الانفتاح العلني فيه يقع في الحفرة نفسها. بينما المطلوب يقع في منزلة بين المنزلتين، بحيث يحفظ قنوات الاتصال من دون أن يحولها إلى عرض “عضلات” إسرائيلية.
مرجعية متيقظة ومتوازنة
صحيح أن أولويات السوريين اليوم مختلفة. شعب يبحث بعد عقود طويلة من القهر عن دولة مستقرة، واقتصاداً قابلاً للحياة، وأمناً، وخدمات، ومستقبلاً يليق به وبأبنائه. لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن بوصلته قد تغيرت، فالأرض السورية لا تزال محتلة، وإسرائيل لا تزال تعربد في سوريا وفي المنطقة، والسوري الذي يريد العيش بسلام يعطي إسرائيل “الصورة” ولا تأخذ سوريا حقّها بعدم الاعتداء على أراضيها.
ما ينطبق على الشعب السوري، ينطبق على اللبنانيين أيضاَ، فإذا كان وزير خارجية سوريا الذي يحظى بشعبية في لبنان، قد ذهب عن سابق تصور وتصميم إلى لقاء مع رئيس الموساد، بما قد يعنيه ذلك على كل المستويات، فماذا نقول للذين حملوا على المصرفي اللبناني أنطوان الصحناوي على خلفية الصورة التي جمعته مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على طاولة عشاء في الولايات المتحدة؟ وماذا نقول للذين عارضوه من غير جمهور “الحزب” إلى حد التخوين؟
الصحناوي رجل أعمال، له علاقات في عالم المال والاقتصاد، ويقيم أساساً في الولايات المتحدة، وهو “كان” على وشك الارتباط بمورغان أورتاغوس، ومع ذلك، قامت في لبنان قيامة سياسية وشعبية بسبب الصورة، وذهب القضاء إلى حد تسطير مذكرة توقيف بحقه.
المفارقة لا تكمن في تبرئة الصحناوي أو إدانته، بل في معيار التعامل مع المسألة نفسها، فإذا سلكت سوريا هذا المسلك دون حساب دقيق للموقف والحسابات والتداعيات، فمن يستطيع بعد اليوم أن يلجم اندفاعة مماثلة لدى شريحة عريضة من اللبنانيين؟
ليس المطلوب قطع الجسور، ولا فرشها بالورود من طرف واحد، بل تشاور سوري ولبناني متيقظ ومتوازن، نعرف ماذا نريد ومتى نتحدث وبأي مستوى، وماذا يمكن أن نعطي، وما لا يجب أن نعطيه، مع إبقاء باب التشاور مفتوحاً على مصراعيه، لأن النتائج ستؤثر على سوريا وعلى لبنان وعلى المنطقة برمتها.
يُفترض أن يكون لدى المسؤولين في الدولتين السورية واللبنانية صورة واضحة عن التغيير “الكلي” الذي حدث في سوريا، وما هو مستجدّ في المشهد اللبناني الذي يتقدّم كل يوم نحو وقائع جديدة في استقلاله، رغم الدمار الذي أصاب ويصيب جنوبه كل يوم، والرعب من عودة الحرب الذي يعيشه اللبنانيون في كل المناطق الأخرى.
المناعة اللبنانية الرسمية والشعبية لا تتحمّل مساعٍ سوريةً نحو السلام لا تعرف بها ولا عنها، “وهذا حقّها”، من دون تشاور مع الدولة اللبنانية، ولو بشكل غير علني يطمئن الجانبين، وإلّا تكون العلاقة قد استعادت صورة الماضي.
سوريا دولة كبيرة قوية تنفرد في قراراتها السلمية، تقابلها دولة ضعيفة ومفكّكة في لبنان.
سوريا الجديدة تحرّرت من هذه الصورة، ولبنان، رغم كل عيوبه وحروبه، ليس مريضاً إلى حدّ التفكّك. بل العكس هو الأصح وهذه مسألة وقت فقط لا غير..
التشاور. التشاور. التشاور. عنوان الاستقرار والاطمئنان.