: مروان فلو
في الذكرى الرابعة والثلاثين لاغتيال “آبێ موسى”.. الكاتب الذي تحولت كلماته إلى ذاكرة شعب
في العشرين من سبتمبر/أيلول 1992، كانت آمد “ديار بكر” مسرحاً لجريمة لم تستهدف رجلاً واحداً بقدر ما استهدفت معنى أوسع: أن يكتب الإنسان بلغته، وأن يتحدث عن هوية شعبه، وأن يجعل من الكلمة وسيلة للدفاع عن الذاكرة والكرامة والحق.
في ذلك اليوم، اغتيل الكاتب والصحفي والمثقف الكوردي موسى عنتر، الذي عرفه الكورد باسم “آبێ موسى” ـ العم موسى. أطلقت عليه الرصاصات في أحد شوارع آمد” ديار بكر”، وأصيب الصحفي أورهان مير أوغلو الذي كان برفقته بجروح خطيرة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد وفاة موسى عنتر مجرد واقعة في سجل الاغتيالات السياسية والصحفية؛ بل تحولت إلى واحدة من أكثر الصفحات حضوراً في الذاكرة الكوردية الحديثة.
كان موسى عنتر يعرف، على امتداد حياته، أن القلم الذي اختاره لم يكن قلماً عادياً. كان يعرف أن الكتابة عن اللغة الكوردية والهوية والحقوق الثقافية والسياسية في تركيا خلال القرن العشرين يمكن أن تقود صاحبها إلى السجن والمحاكمة والملاحقة. ومع ذلك، ظل يكتب.
ولذلك، فإن استذكار موسى عنتر اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد بكاء على رجل رحل، بل محاولة لفهم لماذا كان وجوده الفكري والصحفي بهذه الأهمية، ولماذا ظل اغتياله حاضراً في الذاكرة بعد أكثر من ثلاثة عقود؟
من ماردين إلى إسطنبول… رحلة رجل اختار الكلمة
وُلد موسى عنتر عام 1918، وفق مصادر سيرته المنشورة، في قرية زيفينغ التابعة لمنطقة نصيبين في ماردين. وتذكر مصادر أخرى سنة 1920، وهو اختلاف تاريخي محدود بين المراجع، لكنه لا يغير شيئاً من حقيقة أن عنتر عاش معظم القرن العشرين شاهداً على التحولات العميقة التي مرت بها تركيا والمنطقة الكوردية. درس القانون في جامعة إسطنبول، لكنه اختار الصحافة والكتابة والعمل الثقافي والسياسي مجالاً رئيسياً لحياته.
كان عنتر من المثقفين الذين لم ينظروا إلى اللغة باعتبارها أداة للتواصل فقط، وإنما باعتبارها وعاءً للذاكرة والهوية. ولذلك كتب بالكوردية والتركية، وسعى إلى إبقاء اللغة الكوردية حاضرة في المجال العام في زمن كانت فيه الكتابة والنشر بالكوردية محفوفين بالقيود والمخاطر.
ظهرت كتاباته في عدد من الصحف والمجلات، من بينها Dicle Kaynağı وŞark Postası وİleri Yurt وDeng وYeni Ülke وWelat وRewşen وTewlo، كما كان من كتاب صحيفة Özgür Gündem. وترك وراءه عدداً من الكتب والأعمال، من بينها “ذكرياتي” (Hatıralarım) و”وقائع” (Vakayiname)، إلى جانب أعماله الكوردية مثل “Birîna Reş” و”Kımıl”. وحتى في السجن، لم يتخل عن مشروعه الثقافي، إذ عمل على إعداد قاموس باللغة الكوردية.
كان ذلك كله جزءاً من معركة طويلة مع الصمت.
صحفي في زمن لم تكن فيه الصحافة الكوردية آمنة
لم يكن موسى عنتر مراقباً من بعيد للقضية التي كتب عنها؛ كان يعيش تفاصيلها ويشارك في الحياة الثقافية والسياسية المرتبطة بها. تعرض للاعتقال والمحاكمة في مراحل مختلفة، ومن بينها قضية “الـ49” في خمسينيات القرن الماضي، كما واجه الاعتقال في فترات لاحقة بعد الانقلابات العسكرية في تركيا. وتذكر سيرته أنه ظل طوال عقود في قلب التوتر بين الدولة التركية والحركة الكوردية المطالبة بالاعتراف والحقوق.
لكن الأهم في تجربته أن القمع لم يدفعه إلى الانسحاب من الكتابة.
بل ربما حدث العكس.
كلما ضاقت مساحة الكلام، ازداد إصراره على أن تكون للكورد صحافتهم وكتابهم ومثقفوهم ومنابرهم.
وهنا تكمن أهمية موسى عنتر في تاريخ الصحافة الكوردية: فقد كان من جيل رأى أن إنشاء الصحيفة بحد ذاته فعل ثقافي وسياسي، وأن كتابة المقال بالكوردية ليست مجرد ممارسة أدبية، وإنما استعادة لمساحة من الوجود العام.
وكانت صحيفة Özgür Gündem، التي كتب لها عنتر، واحدة من المنابر التي ارتبطت في تلك المرحلة بالصحافة الكوردية، في وقت كان الصحفيون العاملون فيها يتعرضون للتهديد والاعتداء والقتل. وقد وثقت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحقاً سلسلة من عمليات قتل الصحفيين والعاملين المرتبطين بالصحيفة خلال تلك الفترة.
يوم الرصاصة
في 20 سبتمبر/أيلول 1992، انتهت حياة موسى عنتر بطريقة تتناقض تماماً مع طبيعة الرجل الذي عاش بالقلم.
كان في آمد”ديار بكر” للمشاركة في فعالية دُعي إليها، وهناك تعرض لإطلاق النار. تشير وثائق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن الشرطة عثرت في موقع الجريمة على 13 ظرفاً، وأن تشريح الجثة أظهر إصابته بخمس رصاصات أدت إلى وفاته. كما أصيب أورهان مير أوغلو، الذي كان برفقته، بجروح خطيرة.
في الأيام والأسابيع التالية، تعددت الروايات بشأن الجهة المسؤولة عن الجريمة، كما ظهرت اتهامات متعارضة بشأن دور جهات وأفراد مختلفين.
ولذلك بقي السؤال الأكبر معلقاً:
من قتل موسى عنتر؟
ظل الجواب القضائي النهائي غائباً.
وهذه ليست مسألة تفصيلية في قصة حياته؛ إنها جوهر المأساة التي أحاطت باغتياله.
بين الدولة السرية وغياب الحقيقة
على امتداد السنوات اللاحقة، ارتبط اسم موسى عنتر بملف JİTEM، وبشبكات أمنية غير رسمية، وبأفراد اتهموا بالعمل في إطار ما عرف في تركيا باسم “الدرك للاستخبارات ومكافحة الإرهاب”.
ظهرت شهادات وادعاءات نسبت الجريمة إلى أشخاص مرتبطين بهذه الشبكات، كما وردت معلومات في وثائق مرتبطة بتقرير سوسورلوك تشير إلى عمليات قتل استهدفت أشخاصاً اعتُبروا من أنصار حزب العمال الكوردستاني، وكان اسم موسى عنتر من بين الأسماء الواردة في هذا السياق. لكن من المهم تاريخياً وقانونياً عدم تحويل تلك الادعاءات إلى حقيقة قضائية نهائية.
وهنا جاءت أهمية حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Anter and Others v. Turkey الصادر في 19 ديسمبر/كانون الأول 2006.
المحكمة لم تثبت أن جهة حكومية بعينها أصدرت أمراً باغتيال موسى عنتر، لكنها توصلت إلى أن السلطات التركية كانت على علم بخطورة التهديد الذي كان يواجهه، وأنها لم تتخذ الإجراءات التي كان يمكن توقعها بصورة معقولة لحماية حياته. كما رأت أن التحقيق في مقتله لم يكن فعالاً بما يكفي.
وهذه النتيجة القضائية مهمة للغاية، لأنها تضع المسؤولية في إطار أكثر دقة من الروايات السياسية المتداولة: لم تكن المشكلة فقط في هوية اليد التي أطلقت الرصاص، بل أيضاً في فشل مؤسسات الدولة في حماية رجل كان يواجه خطراً حقيقياً، ثم في الوصول إلى الحقيقة من خلال تحقيق فعال.
لقد بقي القاتل، في السجل القضائي، مجهولاً.
أما السؤال عن الجهة التي تقف وراء الجريمة، فقد ظل مفتوحاً.
ثلاثون عاماً… ثم التقادم
استمر الملف القضائي في تركيا سنوات طويلة، وارتبط لاحقاً بملف JİTEM. وفي سبتمبر/أيلول 2022، وبعد مرور ثلاثين عاماً على الجريمة، كانت القضية تقترب من نهايتها القانونية بسبب انقضاء مدة التقادم. وقد طلب محامو عائلة عنتر اعتبار الجريمة من الجرائم ضد الإنسانية، بما يحول دون سقوطها بالتقادم، لكن المحكمة رفضت الطلب. وفي 21 سبتمبر/أيلول 2022، قررت محكمة الجنايات العليا السادسة في أنقرة إسقاط القضية بسبب التقادم.
كان المشهد بالغ الدلالة:
بعد ثلاثين عاماً من الاغتيال، أُغلقت القضية قضائياً بالتقادم، بينما بقي سؤال الحقيقة مفتوحاً.
وهذا يوضح الفرق بين انتهاء الدعوى قانونياً وبين الوصول إلى الحقيقة التاريخية.
فإسقاط القضية بسبب التقادم ليس حكماً يقرر أن الجريمة لم تقع، ولا هو حكم ببراءة تاريخية للجهات أو الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في التحقيقات؛ إنه انتهاء للملاحقة القضائية بسبب انقضاء المدة القانونية.
وبالنسبة إلى عائلة موسى عنتر ورفاقه وقرائه، بقي الجرح مفتوحاً.
الرجل الذي أرادوا أن يموت قلمه
لكن المفارقة الأشد إثارة في قصة موسى عنتر أن الذين قتلوا الرجل لم يستطيعوا قتل أثره.
فبعد ثلاثة عقود، لا يزال اسمه حاضراً في الصحافة والثقافة الكوردية، ولا تزال كتبه تُقرأ، ولا تزال سيرته موضوعاً للبحث والدراسة، ولا يزال الصحفيون يستحضرون تجربته كلما تحدثوا عن حرية الصحافة وحق الشعوب في التعبير عن هويتها.
لقد تحول “آبێ موسى” من إنسان إلى رمز.
ليس الرمز الذي تصنعه الشعارات، وإنما الرمز الذي تصنعه الحياة نفسها.
رجل عاش طويلاً بما يكفي ليرى أصدقاءه ورفاقه يدخلون السجون، وليشهد تغير الأنظمة والانقلابات العسكرية، وليشهد ولادة صحف ومجلات كوردية ثم إغلاقها، وليدرك أن الصراع على اللغة والذاكرة قد يكون في بعض الأزمنة أخطر من الصراع على الأرض.
وكان مع ذلك يعود دائماً إلى الكلمة.
إلى الصحيفة.
إلى المقال.
إلى الكتاب.
إلى اللغة.
إرث يتجاوز الكورد
إن أهمية موسى عنتر لا تنحصر في كونه شخصية كوردية. صحيح أن الكورد ينظرون إليه بوصفه واحداً من أبرز رموز ثقافتهم وصحافتهم الحديثة، لكن تجربته تطرح سؤالاً أوسع بكثير:
ماذا يحدث عندما يصبح التعبير عن الهوية سبباً للخوف؟
وماذا يحدث عندما يصبح الصحفي الذي يكتب عن جماعة أو أقلية أو لغة مهددة هدفاً للعنف؟
لهذا فإن استذكار موسى عنتر يمكن أن يكون أيضاً استذكاراً لكل صحفي دفع حياته ثمناً لما كتب، ولكل كاتب وجد نفسه بين مطرقة السلطة وسندان العنف، ولكل إنسان حاول أن يحفظ ذاكرة جماعته من أن تتحول إلى هامش منسي في التاريخ.
لقد كانت قضية موسى عنتر، في جوهرها، قضية الحق في أن تكون لك ذاكرة، وأن تكون لك لغة، وأن تروي تاريخك بصوتك.
القلم الذي لم ينكسر
في الذكرى الرابعة والثلاثين لاغتياله، لا تبدو صورة موسى عنتر كصورة رجل غاب في سبتمبر/أيلول 1992، بقدر ما تبدو صورة كاتب ترك وراءه سؤالاً لم تستطع الرصاصات الإجابة عنه.
لقد أراد القاتل أن ينهي حياة رجل.
لكن التاريخ لا يقاس دائماً بما يحدث للجسد.
أحياناً يقاس بما يحدث للكلمة بعد موت صاحبها.
وقد حدث مع موسى عنتر أن كلماته خرجت من حدود حياته الشخصية، لتدخل في ذاكرة أجيال من الصحفيين والكتاب والمثقفين الكورد.
ولهذا فإن أفضل طريقة لتكريم “آبێ موسى” ليست أن نحوله إلى تمثال صامت، وإنما أن نتذكر ما مثله في حياته: الكاتب الذي أصر على الكتابة، والصحفي الذي أصر على الكلام، والمثقف الذي رفض أن تتحول هوية شعبه إلى ذاكرة سرية.
وفي هذه الذكرى، نستحضر موسى عنتر بكل ما تركه من كتب ومقالات وذكريات، ونستحضر معه أرواح الصحفيين والمثقفين والكتاب الذين فقدوا حياتهم في ظروف العنف والصراع.
نستذكرهم لأن النسيان هو الوجه الآخر للجريمة.
ونستذكرهم لأن الحقيقة، حتى عندما تتأخر العدالة عنها، تظل بحاجة إلى من يحفظها.
ونستذكر موسى عنتر لأن الرصاصة استطاعت أن تسكت صوته للحظة، لكنها لم تستطع أن تسكت ما كتبه.
فالقلم الذي ظن قاتلوه أنهم كسروا، حملته أيدٍ أخرى.
وما زال يُكتب.
سلامٌ على روح موسى عنتر.
وسلامٌ على كل من دفع حياته ثمناً للكلمة.
وسلامٌ على الحقيقة التي لا يمحوها مرور الزمن.
+++++++++++++++++++&&&
مصادر أساسية للتحقق والنشر
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: قضية Anter and Others v. Turkey، رقم الطلب 55983/00، وحكم 19 ديسمبر/كانون الأول 2006.
Aram Yayınevi: السيرة والأعمال المنشورة لموسى عنتر.
Bianet: تطورات قضية اغتيال موسى عنتر وانتهاؤها بالتقادم في سبتمبر/أيلول 2022.
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: وثائق تتناول سياق اغتيال الصحفيين المرتبطين بـ Özgür Gündem والادعاءات المتعلقة بالتواطؤ الرسمي.