(بهرام حاجو)
الزواج، هذا الفعل الذي يشكو منه الجميع، ويُقبل عليه معظم منتقديه، رغم تزايد نسبة العازفين عنه بعد التحرّر من ضغوط الأُسر الكبيرة التي منحت الشباب والشابّات خياراً كان معدوماً سابقاً. فالأُسر لم تكن ترتاح حتّى تُزوِّج أولادها حبّاً أو كرهاً. ففي دستور العائلات التقليدية لا بدّ من الزواج، وإلا هناك خلل ما، ولا تحبّ الأُسر أن يعايرها الناس بخللٍ كهذا… هذا الزواج يُعلِّق عليه الجميع أخطاءهم، وفي الوقت نفسه، لا يُحسنون اختيار رفاقهم فيه حين يُقبلون عليه.
ورغم ارتفاع سنّ زواج الشابّات بسبب نوعية الرجال الذين يتوقّعن الارتباط بهم، مع تحسّن مستوياتهنّ التعليمية واستقلاليتهن المادّية، إلا أنّ كثيراتٍ منهن، ما زلن يؤمنّ بالزواج الرومانسي المثالي الذي سمعن عنه. فتقع غالبيتهنّ في ما كنّ يهربن منه، لأنّه حالما يُظهِر أحدُهم ما يبحثنَ عنه، يقعن فريسةً لوَهم الكمال، مع أنّه لا يوجد شخص كامل، رجل أو امرأة. وبالعكس، عندما يقابل المرء إنساناً تبدو عيوبه جليةً، كما تبدو محاسنه، هذا يعني أنّه إنسانٌ طبيعي، يُؤخذ كما هو بعيوبه أو يُترك بسلام، أمّا الذي يُقدِّم أفضل ما يمكن أن يقدّمه رجلٌ لامرأة، ويُخفي عيوبه، حتّى تظنّ أنّه مثالي، هذا نِمسٌ متخفٍّ في زيّ فارس. وأسوأ ما يحدُث أن يقعن ضحايا الوهم أمام الملأ، كما يحدث لبعض الفنّانات الأكثر عرضةً للأضواء.
لن نذكر حالة شيرين عبد الوهاب، لأنّها صارت قصّةً قديمةً، بل نشير إلى حالة أخرى لم تتضّح معالمها، لكنّ المثالية التي تُظهر بها المرأة العلاقة تُؤشّر إلى أنّ هناك خطأ ما في المعادلة، فالمفارقة أنّ الزوجة هي من تكشف أسوأ ما في الحالة، وهي تحاول أن تخبرنا كم هي سعيدة، كما تفعل الممثّلة المصرية مي عزّ الدين، في حوارها مع إسعاد يونس في برنامجها “صاحبة السعادة”. تحكي مي كيف كانت وحيدةً تماماً قبل لقائها زوجها الذي ترتبط به منذ شهور.
الهشاشة والتعلّق اللذان أظهرتهما مؤشّران واضحان على أنّها ضحيّة مثالية للفخاخ العاطفية. لأنّ المرأة القوية داخلياً لا تنتظر شخصاً آخر لتشعر بالأمان، أو بالتوازن النفسي، وهي تدخل أيَّ علاقة في حياتها، صداقةً كانت أو زواجاً أو حبّاً، بتوقّعات واقعية، ومن دون تعلّق مرضي يحوّلها إلى ضحية سهلة.
وطبعاً من سمع مي، ورأى زوجها، يشعر بوجود خطأ ما. لكنّ الرجل هنا ليس هو المشكلة في حدّ ذاته، بل السّيدات اللواتي حقّقن ذواتهنّ مهنياً ومادياً، لكنّهنّ هشّات عاطفياً بشكل يطرح أسئلةً عميقةً عن نضج المرأة في المنطقة العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار ثبوت عدم نضج الرجل في علاقته بالمرأة، بنسبة كبيرة، وهو الذي ما يزال يبحث عن أمّه في صيغة امرأة معاصرة، تعتني به وتراعيه، وبأولادهما وبالبيت، على الرغم من أنّها تعمل خارجه. قبلها، وقعت ياسمين عبد العزيز ضحيةً، وعلى الرغم من خروجها من الوضع على عكس شيرين، لكنّها كانت تجربةً قاسيةً تقدّم نموذجاً للهشاشة العاطفية أمام شخصيات استغلالية أو نرجسية.
هذا جانب آخر على المرأة أن تعمل فيه، لا يكفي أن تكون مستقلّةً مادّياً، بل عليها أن تكون محصّنةً ضدّ الأخطاء الكُبرى. فالنساء القويات، كما تحاول هؤلاء النجمات أن يظهرن، لا يقعن في الشباك لأنّهن رفضن رؤيتها. وفكرة الإنسان المثالي هن باعتبارهن نساء متعلّمات وناضجات أولى بمعرفة رجلها، فلا أحد من النساء أو الرجال مثالي.
ثمّ فكرة أنّ الزوج سيكون الحبيب والأب والسند والصديق الذي يغني المرأة عن كلّ ما عداه، كلّها أدوار صعبة على شخص واحد، فلا يمكن لإنسان أن يُغني إنساناً عن بقية البشر. هذا ليس حبّاً، بل تملّك. أن يكون الزوج حبيباً وصديقاً، فهذا أمر بديهي، لكن أن يكون “الصديق” بالتعريف، ولا صديقَ غيره، وأن يكون العائلة والعالم… هذا حملٌ أثقل ممّا يحتمله أيُّ إنسان.
الزواج لا يُلغي بقية العلاقات أو يُغني عنها، والتعلّق المرضي ليس مسألةً طبيعيةً ينبغي الفخر بها، وأمام نساءٍ كثيراتٍ في مجتمعاتنا مسار طويل للنضوج العاطفي، لتفادي وهم الزوج الشامل.
