ساطع نورالدين.. كاتب لبناني
لا علاج للسفير الأميركي الاستثنائي طوم باراك ولا مفر من الهراء الذي لا يزال يطلقه بين الحين والآخر، سوى ان يتقاعد ويعتزل العمل الدبلوماسي ويكتب مذكراته قبل فوات الاوان..أو أن يحقق طموحه في ان يضم الى طاولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية وفداً من إيران وحزب الله، هو وحده من يمتلك القدرة على فك عقدة التفاهم على نزع السلاح غير الشرعي في لبنان.
هذا هو آخر إبداعات السفير الدبلوماسية، في حواره بالأمس مع المؤثر اللبناني_الاسترالي ماريو نوفل، الذي جنح فيه مرة أخرى نحو التداول في أفكار وآراء مستقاة من العوام الذين لم تدخل منازلهم جريدة ولم تشاهد تلفزيوناتهم إلا للترفيه، حول إيران التي كانت ولا تزال تدعي ان “لبنان لها” طالما انها موجودة على شواطئ البحر المتوسط، وهي بالتالي تتمتع بالحق في المشاركة في التفاوض حول مستقبل لبنان استناداً الى إحصاء العام (1936) الذي يفيد ان شيعة لبنان يمثلون 40 بالمئة من اللبنانيين!!
هذه المرة نسي باراك ان يقول ان لبنان دولة فاشلة وليس لها مستقبل سوى الالتحاق بدولة الشام التي يعاد تشكيلها الآن من وحي معاهدة سايكس بيكو على أساس إسلامي عثماني أموي. لكنه مضى في الطعن بالتاريخ المشرقي واللبناني الى حدود لم تعد محتملة، ولم يتأكد أن إيران نفسها ما زالت عند هذا الحد من الجنون في توصيف لبنان ووظيفته، كقاعدة عسكرية متقدمة على المتوسط، مع العلم انها لم تسيطر يوما على أي قاعدة بحرية سورية، او لبنانية طبعا، ما عدا مرفأ للصيادين في السكسكية شمالي صور في زمن مضى.
أما تذكيره في الحوار، بان شيعة لبنان يمثلون 40 بالمئة من سكانه، فهو محض خيال، يعني ان سنة لبنان الذين يزيدونهم عدداً بنسبة 2 بالمئة، يكسبون لبنان وجهاً إسلامياً ماحقاً ، لا يبقي للمسيحيين اللبنانيين سوى 18 بالمئة من عدد السكان. وهو تخريف لا يقوم على أي أساس ولا يستند الى أي واقع..حتى عند هواة هذا النوع من الاحصاء الديني المفتعل بين اللبنانيين، الذين يميلون عادة الى الاعتقاد بان السنة هم 32 بالمئة والشيعة هم 30 بالمئة، والمسيحيين هم 32 بالمئة.. أما الأقليات الباقية فإن حسابها هو دائماً عند الله وحده!
مع ذلك فان باراك يعتبر مشاركة إيران وحزب الله في الطاولة شرطاً لازماً لنزع السلاح غير الشرعي من لبنان، وللحؤول دون الاشتباك بين جندي لبناني لا يزيد راتبه على 300 دولار ( مع ان الراتب يقارب ال 600 دولار) وبين مقاتل من حزب الله يبلغ راتبه 2400 دولار أميركي ( مع ان هذا الراتب أيضاً لا يزيد الان على 1200 دولار). المهم ان نية السفير الأميركي صافية، وهو يناقض سياسة رئيسه المباشر الرئيس دونالد ترامب القائمة على فتح مسار تفاوضي لبناني إسرائيلي مباشر، يعد اللبنانيين بفتح خطوط الطيران المدني الأميركي المباشر الى مطار بيروت، لكنه لا يتعهد لهم بوقف غارات الطيران الحربي الاسرئيلي على تلة علي الطاهر!
لكن ربما لا يزال يمكن العثور على “منطق” ما في كلام باراك، عندما أجاب على سؤال عما إذا كان يعتقد ان الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان يمكن ان يستمر لعشر سنوات مثلا، بقوله ان الجولان السوري ما زال يعتبر محتلاً، حسب القوانين الدولية، منذ العام 1967، (وغاب عن باله ان يذكّر بان ترامب شخصياً هو الذي اعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان).. في أول تلميح أميركي من نوعه الى أن جنوب لبنان يمكن ان يلقى مصير الجولان في المستقبل.
عندها لن يكون من المستبعد ان تتوسع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، المتعثرة لأسباب لم تكن مفهومة او مبررة، لتضم وفداً من إيران، وحزب الله، ويتحقق مجد لبنان المؤجل، على يد هذا الوفد المغيب، الذي لن يكون باراك من المرحبين به، بل قد يكون ترامب شخصياً في إستقباله..مع ان الاعمار بيد الله.