نتابع هنا الجزء الثاني والأخير من حوارنا الخاص عن “الترند” للإضاءة على دور صانع الترند في التأثير على الأجيال من خلال حياة الإنسان–العقل مع الإنسان-الرقم. هي الحياة التي يعيشها مستخدم الترند والمدمن على وسائل التواصل الاجتماعي. نواصل موضوعنا الدقيق نظرًا لخطورته على العقل البشري كآلة طبيعية في التحليل والفهم والنقد وليس كآلة جاهزة للتلقي ضمن السياقات المعلبة. من هذا المنطلق، لا بدّ لنا من فهم التحوّل الذي يحدثه الترند على الذوق العام وما هي نتائج هذا التحوّل.
هنا أسئلة إضافية حملناها إلى أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف في بيروت، الدكتور محمد حسين الرفاعي، لنختم حوارنا معه بسؤال جوهري عن العلاقة بين أجيال الأجداد والأهل من جهة والأبناء من جهة ثانية، ناهيك عن علاقة الأساتذة مع طلاب جيل Z في عصر الذكاء الاصطناعي وما تعكسه هذه العلاقات من تحوّلات المجتمع بشكل عام.
***
(*) كيف يمكن أن يصنع الترند الثقافة المجتمعيَّة من جديد؟ وعلى أي نحو يوجِّه الذوق العامّ، ولماذا تتوفَّر له كلّ الإمكانات لصناعة الوعي الجديد في العالَم؟
إذا كانت مدرسة فرانكفورت قد نظرت إلى “صناعة الثقافة” بوصفها الآلية الحديثة التي تُحوِّل الإنسان من ذاتٍ ناقدة إلى مستهلكٍ للصور والمعاني الجاهزة، فإنَّ الترند في العصر الرقمي يمثِّل المرحلة الأكثر تطورًا وخطورة في هذه الصناعة؛ لأنَّه لا يكتفي بإنتاج الثقافة، أو المعنى، أو الحقيقة، بل يُنتج ما أسميه إيقاع الوعي نفسه، وسمفونية الرُّوح، أي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحقيقة، والزمن، والمجتمع، والذات. إنَّ الترند ليس مجرَّد موجة جماهيرية عابرة، وإنَّما بنية مجتمعيَّة-ثقافية جديدة تُعيد تصنيع الإنسان، أقول تصنيع الإنسان وترقيمه، أي جعله سلعةً ورقمًا داخل المجال العامّ الرقمي.
(*) ما هي الأبعاد السوسيولوجية الثلاثة لفهم دور الترند في تشكيل الوعي؟
لفهم هذا التصنيع، هناك ثلاثة منظورات سوسيولوجية أصليَّة وهي:
أوَّلًا: يُؤخَذُ الترند بوصفه تفكيكًا للبنية المجتمعيَّة التقليدية وإعادة تركيبها رقميًّا، لأنَّ ثَمَّةَ استحالة في أن تبقى القواعد والقوانين المجتمعيَّة قائمة في إعادة ترقيم الإنسان، بوصفه رقمًا عالميًَّا. كان الإنسان، في المجتمعات التقليدية، يتشكَّل داخل منظومات ثابتة نسبيًّا: العائلة، المدرسة، الجامعة، المؤسَّسة الدينية، المجال الوطني، الهُويَّة الوطنية، والتقاليد التاريخية. هذه البنى كانت تمنح الفرد معنى الاِنتماء والاستقرار الرمزي، وتحدِّدُ له موقعه داخل العالَـم. أمَّا في عصر الترند، فقد بدأت هذه المرجعيات تفقد سلطتها لصالح المرجعية الرقمية السريعة والعابرة. في ظل ذلك، لم يعد الإنسان يتلقَّى وعيه من المجتمع الواقعيّ، بل من التدفق الخوارزمي المستمر للصور والمقاطع والاِنفعالات السريعة، والآراء العابرة. ولذلك فإنَّ المؤثِّر لا يعمل فقط على إنتاج محتوى، بل على إعادة بناء المجال المجتمعي؛ أعني إعادة تشكيل الفضاء العمومي Public Sphere. أي تحويل المجتمع من جماعة تاريخية متماسكة إلى جمهور رقمي متحرِّك تحكمه اللحظة والاِنفعال والتداول. ومن هنا يصبح الترند أداةً لتفكيك الذاكرة الجماعية الطويلة، واِستبدالها بثقافة آنية لا تعيش إلا في الحاضر المتجدّد باِستمرار.
ثانيًا: الترند بوصفه سلطةً لإعادة تشكيل الذوق العام والوعي الجماهيري، إذا كانت
مدرسة فرانكفورت قد وجدت أنَّ صناعة الثقافة لا تُنتج الفن أو الترفيه فقط، بل تُنتج الذوق ذاته، والإنسان يظنُّ أنَّه يختار بحرية، بينما تكون اِختياراته قد صيغت مسبقًا داخل النظام الثقافي المهيمن، فإننا في عصر المنصات الرقمية، نجد أن هذه العملية بلغت مستوى غير مسبوق من الاِستلاب؛ لأنَّ الخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تتنبأ بالرغبة، وتعيد توجيهها، وتصنعها بصورة مستمرة. وهكذا يصبح الترند جهازًا لإنتاج الرغبة الجماعية، وأكاد أقول الرغبة الفردية بعامَّةٍ. إنَّه يُحدِّدُ ما ينبغي أن يُشاهَد، وما ينبغي أن يُعجب الناس، وما ينبغي أن يثير الغضب أو الضحك أو التعاطف؛ ولكن أيضًا هو يحجب ما لا ينبغي أن يُشاهد، وما لا ينبغي أن يُلاحظ، وما لا ينبغي أن يُتعاطف معه… وهكذا دَوالَيك. بذلك يتحوَّل الذوق العام من تكوين ثقافي وتاريخي عميق إلى اِستجابة اِنفعالية جماهيرية سريعة؛ فارغة من حيثُ مضمونها ومنظورها. إنَّ أخطر ما يفعله الترند أنَّه يجعل الإنسان يعتقد أنَّه يعبِّر عن نفسه، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج ما صُنِع له مسبقًا داخل السوق الرقمية العالمية؛ إنَّه الاِستلاب الرقمي الجديد، هذا السجن “الجميل” للروح.
| من مؤلفات الرفاعي (عن صفحة فيسبوك الكاتب) |
ثالثًا: الترند بوصفه صناعةً للوعي الجديد بالعالم والإنسان: إنَّ أخطر تحوُّل أحدثه الترند هو اِنتقاله من كونه أداة ترفيه أو تواصل إلى كونه نظامًا لإنتاج الحقيقة والمعنى. فالعالم اليوم يُدرَك من خلال ما يتصدر التداول الرقمي، لا من خلال ما هو أكثر عمقًا أو حقيقة. ولذلك أصبحت قيمة الأشياء مرتبطة بمدى قابليتها للاِنتشار، لا بمدى صدقها أو أهميتها. أنظري مثلًا إلى التفاعل التي يحققه فنان أو فنانة، في مقابل التفاعل الذي يحققه عالِم كبير في مجال الفيزياء مثلًا، أو الطب، أو أي مجال آخر.
في هذا المثال عن ترند التفاعل مع فنان لاقى ظهوره الشبابي إبهارًا، ما يجعل الإنسان الجديد ظاهرًا، ذاهبًا إلى مستوى الظهور أمام الآخرين، على نحو أنَّه يعيش داخل تدفق دائم من الإثارة والاِنتباه والسرعة، حتى يفقد القدرة على التأمل الطويل والنقد العميق. إنَّ الترند يعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا رقميًّا قابلًا للتداول، ولكن أيضًا كائنًا فارغًا على نحو روحي، وأخلاقي، وإنساني أصيل. إنَّه إنسانٌ ليس ذاتًا عقلانية تبحث عن الحقيقة والمعنى. في هذا السَّبيل، نفهم لماذا يمتلك الترند قدرة هائلة على صناعة الوعي الجديد بالعالم؛ لأنَّه لا يوجِّه الأفكار فقط، بل يعيد تشكيل الإدراك ذاته، أي الطريقة التي يرى بها الإنسان الواقع، ويشعر به، ويتفاعل معه. إنَّه لا يسيطر على مضمون الوعي فحسب، بل على بُنيته الداخلية للوعي، وتشكُّله، وصيرورته، داخل الذَّات، أيضًا.
بناءً على ذلك، فإنَّ الترند، وفق منطق صناعة الثقافة، لا يُنتج ثقافة جماهيرية بريئة، بل يُنتج مجتمعًا جديدًا يقوم على السرعة، والاستهلاك الرمزي، والسيولة الوجودية، حيث يتحوَّل الإنسان تدريجيًّا من كائن اجتماعي تاريخي إلى ذاتٍ رقمية عابرة، تعيش داخل اِقتصاد الاِنتباه، وتخشى النسيان أكثر ممَّا تخشى فقدان الحقيقة.
(*) هل تخبرنا عن خبرة الأكاديميين (انطلاقًا من خبرتك) في الشرخ الحاصل بين جيل الأساتذة من جهة والطلاب الشباب (أو ما يُعرف بالجيل z) من جهة أخرى؟
أفترض أنَّه علينا أن نتساءل عن كوننا كائنات عاقلة روحية أخلاقية مُأنْسَنة، بعد. خبرتي في التعليم تقول: أننا أمام جيل فاقد للكثير من إمكانات بناء المعنى الخاصّ به، والتوجه نحو الحقيقة التي هو يصنعها بيده، والعلاقة مع العالَم وفقًا لحريَّته هو. خشيتي تزداد حينما أرى طالبًا أو طالبة لا يجد أي ضرورة لأنْ نتساءل عن العالم؛ وبخاصة في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان. أستطيع أن أرى ما يمكن أن أسميه فقدان الوعي بالضرورة. ههنا يمكن أن نضع أمام كلمة الضرورة أي شيء أساسي وأصلي ومركزي في حياتنا اليوميَّة. مثلًا ضرورةُ أن يكون الإنسان مسؤولًا إزاء الآخرين، أو ضرورة أن يكون الإنسان واعيًا بما يفعل، أو ضرورة التمييز بين ما هو خاطئ وما هو صائب… وهكذا دواليك.
ولكن في المقابل، ما هو أيضًا مقلق هو أن الوعي بالحريّة، كما يُمارس اليوم في الوجود في الواقع الاِفتراضي، ليس إلاَّ تجسيدًا لوعي ناقص بالذات. أعني أخذت الحُرِّيَّة تتحوَّل من كونها ماهيَّة العقل الحديث، ومن جهة ما هي مسؤولية إزاء الذَّات والآخرين، إلى كونها تفلُّتًا عن القواعد المجتمعيَّة، والقوانين الأخلاقية البديهية، في الفكر والممارسة. بحيث يمكن ملاحظة أفعال وأفكار تدَّعي ممارسة الحُرِّيَّة ولكنها تقع على نحو واضح وصريح على الضدِّ من ماهيَّة الإنسان، وهُويَّته الوجودية؛ ناهيك عن كونها قد تكون تخدش كرامة الإنسان. مثال على ذلك، هو التُّخمة بالذات، أعني الأفراد المُتخمين بذواتهم بحيثُ لا يمكنهم أن يروا الآخر حتَّى؛ ناهيك عن الاِعتراف به. من ضمنها يمكن الإشارة إلى المفاهيم والأفعال والأفكار التي قامت على الفهم الناقص بالحرية وترتب عليها اِنهيار كثير من المعاني في حياتنا، والكثير من المؤسسات التي نحتاجها من أجل أن نستمر كإنسان عاقل كائنٌ روحي شعوريّ حاسّ. أعني العائلة، والصداقة، والحبّ، والمعنى، والحقيقة، والتضامن، والتعاطف، والتكامل… والمؤسسات المجتمعيَّة الأخرى.
(*) هل الفجوة بين الأجيال هي مجرد اختلاف أم تحوّل حضاري عميق؟ وكيف يظهر ذلك في العلاقة بين الأستاذ والطالب؟
يمكنني أن أشير إلى الهوة السحيقة بين جيل الأجداد والآباء والأبناء؛ والتي بدورها- تلك الهوة- تنسحب على العلاقة بين الأساتذة والطلاب.
فإذا كان القرن العشرون قد عرف صراع الأيديولوجيات الكبرى، فإنَّ القرن الحادي والعشرين يشهد صراعًا أعمق وأكثر جذرية، هو صراع أنماط الوعي، وأنماط الوجود في العالَم. الفجوة الهائلة بين جيل الأجداد والآباء وجيل الأبناء ليست مجرَّد اختلافٍ في الأذواق أو القيم أو وسائل العيش، بل هي قطيعة معرفية ووجودية ومجتمعية في كيفية إدراك العالم، والوعي بالزمن، وممارسة السلطة، وإنتاج المعرفة، وفهم الذات. لقد تغيَّرت البنية العميقة للوعي الإنساني منذ سبعينيات القرن المنصرم مع صعود ما بعد الحداثة، والثورة الإعلامية، والرأسمالية المعولمة، ثم الثورة الرقمية والخوارزمية والذكاء الاِصطناعي.
ومن هنا لم تعد الأجيال تتوارث العالم نفسه، بل تتوارث عوالم مختلفة جذريًّا. يمكن أن نفهمها ضمن إطار مفهوم السلاسل السَبَبِيَّة التي تُنتج الوعي بالذات في العالَم اليوم؛ وفق اِنتقال نوعي حدث في الدفع بالوعي التاريخي نحو أن يُصبحَ وعيًا لحظويًَّا- مؤقَّتًا يمكن تجاوزه بكل سهولة؛ ولم يكن ذلك قد حدثَ بعد حتَّى صرنا أمام خلط ودمج خاطئ بين المعرفة العِلميَّة- الفلسفيَّة المتخصصة وبين المعرفة العادية واليومية والسائدة. وهكذا، أخذت الرموز التقليدية، والسُّلط المجتمعيَّة الكلاسيكية بالأفول، دافعة بنوع جديد من السلطة نحو الظهور: سلطة المعرفة السريعة؛ والمعرفة القصيرة. لا أحد اليوم يفكر بكيف يمكن أن نبني المعنى، بل كيف نمارس المعنى الجاهز الموجود أمامنا بالفعل. لا أحد يريد بناء وصناعة وإنتاج الجمال والقيم والأخلاق والإنسانية والحرية… وإلخ، بل الكلّ يجد نفسه في فخ جمال جاهز، وقيم جاهزة، وأخلاق جاهزة، وإنسانية معدة سلفًا، وحريَّة محددة قبليًَّا. هذا السياق، سياق تدمير المعنى والحقيقة والعقل، أي تدمير الهُويَّة الوجودية للإنسان، يضعنا أمام تحوُّل مريب للإنسان في ذاتِ نفسه العميقة، أي التحول من الإنسان المنتج إلى الإنسان المُشاهِد- المُتفرِّج، وفي أفضل الأحوال الإنسان المُعاين. ذاك الضرب من الوجود في العالَم الذي لا يجد الإنسان ذاتَ نفسه فيه، بل يعثر على ذاتِ نفس جاهزة، معدة له سلفًا. ضمن هذا السياق يمكن أن نفهم التفكك والتحطُّم الحاصل في معاني الهُويَّة والوطن والإنسان والدولة والمواطنية.
يمكن فهم الهوة بين الأستاذ والطالب اليوم وفقَ منظور سوسيولوجي يعي معنى أن يكون الأستاذ، وهوية الأستاذ المعرفيَّة قائمة على الكتاب والبحث الرصين والتساؤلات الوجودية والعلمية والفلسفية العميقة، والبنية الخطية للمعرفة، ومصادر معرفة تقليدية، بينما نجد هُويَّة الطالب المعرفيَّة تقوم على كونه نتاجًا للشاشة والتدفُّق الخوارزمي والتفاعل الفوري في وسائل التواصل. لا يختلف الأستاذ الأكاديمي اليوم عن الطالب في الأفكار، أو المنظورات، أو التوجُّهات فحسبُ، بل في البنية المعرفيَّة، في بِنيَة التَّساؤل والتفكير والفهم، التي تُنتج الأفكار بالأساس. وعليه، فإنَّ الفجوة بين الأجيال اليوم ليست أزمة أخلاق أو تمرُّد عابر، بل تحوُّل حضاري شامل في نماذج الوعي الإنساني. إنَّنا نعيش لحظة اِنتقال من الإنسان التاريخي إلى الإنسان الرقمي، ومن المجتمع المؤسَّسي إلى المجتمع الخوارزمي، ومن المعرفة بوصفها تراكمًا نقديًّا إلى المعرفة بوصفها تدفُّقًا سريعًا للمعلومات والاِنفعالات؛ بحيث لا يجد الإنسان حاجة لحفظها كونها متوفرة دائمًا قَبْلِيًَّا. ولذلك، فإنَّ الشرخ بين الأساتذة والطلاب، ليس خلافًا تربويًّا فحسب، بل هو صدام بين عوالم أنطولوجية (وجودية عميقة) مختلفة، لكلِّ واحد منها زمنه، ومنطقه، وعمله العقلي وطريقته الخاصة في فهم الحقيقة والوجود والمعنى.