تُوّج الكاتب العُماني محمود الرحبي مؤخرًا بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في دورتها الثامنة عن مجموعته القصصية “لا بارَ في شيكاغو”، وهي الجائزة التي رسخت حضورها ضمن الجوائز المخصصة لفن القصة العربية.
وعلى امتداد عقود من الكتابة، راكم ضيفنا تجربة سردية ثرية تنقلت بين القصة والرواية والمقالة، محتفظًا بعين تلتقط التفاصيل الصغيرة وتمنحها حياة جديدة داخل النص.
في هذا الحوار يقترب الرحبي من أسئلة الكتابة والذاكرة والعنوان والسخرية، ويستعيد محطات من رحلته مع القصة، منذ البدايات الأولى وحتى لحظة التتويج الأخيرة، كاشفًا جانبًا من مختبره السردي وعلاقته باللغة والقراءة والحياة.
(*) فوزك بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية عن مجموعتك “لا بارَ في شيكاغو” شكّل لحظة فارقة في مسيرتك. كيف عشت تلك اللحظة على خشبة مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بين جمهور من الكتّاب والنقّاد؟
نعم، كانت لحظة مهمة في مسيرتي. أنا بدأت بكتابة القصة ونشرها في عمر 19 عامًا، وها أنا غير بعيد عن بلوغ عمر الستين، وبين التاريخين كتبت ونشرت قصصًا كثيرة، سواء في كتب، أو في مجلات وصحف، بعض هذه القصص لم أضمنها مجاميع قصصية، كانت بمثابة تمارين، ولكنها لا ريب كتبت بجدية وشغف. وبعضها ضاع مني نهائيًا، أتذكر حين كنت مقيمًا في تونس، تعرضت الشقة التي كنت أقطن فيها للسرقة، وحين سألني ضابط الشرطة عن المقتنيات التي ضاعت مني، قلت له أهم ما ضاع هو مجموعة قصصية كتبت بخط اليد في دفتر كامل. فسخر من الأمر، لأنه كان ينتظر أن أحدثه عن الأدوات المنزلية. ومرة حين كنت أسكن في حارة الزبادية في مطرح دخل لص وسرق كمبيوتري وفيه ذخيرة كتابية لأعوام، للأسف فقدت تمامًا. فترددت على سوق الجمعة بالوادي الكبير على أمل أن يبيعه اللص، وكنت مستعدًا فعلًا لشرائه وبهدوء. وهكذا جمعة بعد أخرى ولم يظهر الكمبيوتر.
وعودة إلى جائزة الملتقى للقصة العربية في الكويت، فأنا أراها أفضل ما جادت به العقلية الثقافية العربية لهذا الجنس العربي الأصيل الضارب في التاريخ العربي، والفضل في ذلك يعود إلى المجهودات الكبيرة التي قام بها الأديب طالب الرفاعي. كانت بعض مجاميعي تصعد إلى القائمة الطويلة، ثم القصيرة، لهذه الجائزة، كما دعيت أيضًا كضيف شرف، ولكن الفوز بها جاء تتويجًا لهذه الرحلة الطويلة.
(*) وُصفت الجائزة بأنها “أوسكار الجوائز الأدبية العربية”، وتحدثت عن مسؤولية جديدة وضعتها على عاتقك. كيف تنعكس هذه المسؤولية على كتابتك القادمة، وعلى نظرتك لفن القصة القصيرة؟
لقب أوسكار القصة العربية في الحقيقة أطلقه القاص المغربي والصديق أنيس الرافعي، وهو أحد المتوجين بجائزة الملتقى. وهذه العبارة جعلت مسؤول الجائزة طالب الرفاعي يكتب عمودا بعنوان “أوسكار القصة العربية”.
(*) عنوان “لا بارَ في شيكاغو” يحمل دلالة مفتوحة ومراوغة. كيف تشكّل هذا العنوان في وعيك، وما الذي أردت أن تقوله من خلاله؟
نعم، هو عنوان مراوغ، ينفي بقدر ما يثبت. أنا يأخذ مني التفكير في عنوان وقتًا طويلًا، مثل ما فعلت مثلًا مع” ساعة زوال”، و”لماذا لا تمزح معي؟”، وغيرها من عناوين، سواء قصصية، أو روائية. وأحيانًا، أستنكف عن طباعة الكتاب زمنًا بسبب عجزي عن التوفيق بعنوان مناسب. رغم أن العناوين ليست إلا عتبة، ولكن أظنها مهمة جدًا. فالعنوان في الأخير هو ما يثبت في الذاكرة، حتى وإن نسي القارئ تفاصيل وعوالم ما قرأه.
(*) في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يتحول المشي إلى رحلة داخل الذاكرة. كيف تبني هذا النوع من السرد الذي يمزج الحركة الخارجية بالتداعي الداخلي؟
الكاتب يتطور بعد كل مجموعة وأخرى. وأحيانًا يتخلى عن قناعات فنية ظل متشبثًا بها زمنًا. في المجموعة الأخيرة حاولت بذل أقصى طاقاتي في السخرية المبطنة، والتي هي عنصر من عناصر البلاغة عرف به قديمًا الجاحظ. ولكن مع وجود حدث يحرك زمن القصة وينقلها.
(*) في القصة الافتتاحية “لم يعد أحمد يُصوَّر مع مسؤولي الدولة”، تحضر ثيمة الإقصاء الرمزي. كيف ترى إلى علاقة الفرد بالصورة والسلطة في عالم اليوم؟
حين أكتب قصة فتركيزي يكون منصبًا على الحدث والوصف ومدى اكتمال النص من كل النواحي، وبالتالي لا أركز على الأبعاد الدلالية للقصة وبأية طريقة ستفسر. أنا أنفصل تمامًا عن الواقع ومعطياته حين أكتب قصة، بخلاف كتابتي لمقالي الأسبوعي في صحيفة “العربي الجديد”، حينها أكون في القلب الواقع والمعاش.
(*) قصص المجموعة بمجملها ترصد شخصيات عادية، تكاد تمرّ من دون انتباه. ما الذي يدفعك إلى الكتابة عن هذه الهوامش الإنسانية تحديدًا؟
لا توجد عادة قصدية في الأمر، ولا تعرف متى تأتيك لحظة الكتابة، ولا ملامسة دوافع الكتابة. أتذكر مثلًا أنني في المغرب أنجزت مجموعة قصصية كاملة في وقت صعب وضاغط، لأني كنت أكتب بحث الماجستير وأذهب إليه يوميًا من السابعة صباحًا حتى موعد الغداء. المسألة ربما كانت نوعًا من الهروب من الواجب، أو هي لحظة استراحة أستلها من براثن الضغط النفسي. لذلك يمكن أن تكون الكتابة الإبداعية في بعض جوانبها تنفيسًا عن الضغوط.
(*) في قصة “رحلة” يبدو الإنسان معلقًا بين القرية والمدينة. إلى أي حد تعكس هذه الثنائية تحولات عشتها أو راقبتها عن قرب؟
طفولتي، وإن كانت في مطرح، وهو سوق في العاصمة العمانية مسقط، إلا أنه أيضًا لدي تجربة قروية بكل تفاصيلها ودقائقها، فأنا مولود في قرية سرور. صحيح أن والدي انتقل للسكن في مطرح وأنا في عمر الثانية، إلا أننا لا ننقطع عن سرور لزيارة الأهل هناك، وأحيانًا أسبوعيًا. وفي الإجازات الصيفية للمدارس كان أبي يضعنا أنا وأخي أحمد عند جدي، حيث يكون النوم بين الأشجار وتحت النجوم. كان الدجاج ينام فوقنا على الأشجار وفي الصباح نراه في الأرض. المياه كانت تتدفق بوفرة، حيث يوجد في سرور ثلاثة أفلاج مائية نشطة في ذلك الوقت، حتى أن بيت جدي كان يعبر عليه أحدها مباشرة. فأنت تفتح عينيك على الطبيعة والماء.
(*) تعتمد في نصوصك على تكثيف واضح في اللغة وبناء المشهد. هل تأتي هذه الكثافة من وعي مسبق، أم تتشكل خلال عملية الكتابة؟
ربما القراءة، وخاصة قراءة التراث العربي، تزود الكاتب بذخيرة لغوية. حين تقرأ مثلا كتاب “المقامات” لعبد الفتاح كيليطو وهو قراءة في نصوص التراث لن تستمتع بلغته البليغة والعصرية، وإن كان يكتب بحثًا إلا أنه كتبه بلغة الأديب الذي قرأ واستوعب فرائد التراث العربي وتمثلها وعشقها.
(*) السخرية في قصصك تبدو هادئة وعميقة في الوقت ذاته. كيف توظفها لكشف التناقضات من دون أن تفقد النص حساسيته؟
ربما هو أسلوب لا أتعمده، ولكن القصة في النهاية قطعة أدبية تتمثل الواقع من دون أن تصفه بصورة مباشرة، والسخرية أراها إحدى أدوات البلاغة المضمرة.
(*) تميل إلى ترك فراغات تأويلية داخل النص. ما أهمية هذا “المسكوت عنه” في علاقتك بالقارئ؟
هنالك بعض النصوص القصيرة، وهي قصيرة حسب حدود الفكرة، فأنا لا أميل إلى الإسهاب، ولكن بعض الأفكار لا يمكنها أن تكتمل من دون أن تكتبها كاملة، ثم بعد ذلك يأتي دور القارئ ليقرأها كما يشاء.
(*) في قصة “انتقام بوذا”، تذهب إلى فضاء سوريالي يقوم على فكرة تبديل الرؤوس. كيف تنظر إلى هذا الاشتغال الرمزي، وما الذي تتيحه لك السوريالية فنيًا؟
هذه قصة قديمة عندي اكتملت أخيرًا، تصوّر أني كنت أكتبها وأمامي مقبرة، وربما هذا المشهد أوحى لي بفكرة تبديل الذاكرة. تبديل الرؤوس الغرض منه تبديل الذاكرة، ولن يكون الأمر سهلًا. إنها رحلة شاقة وفيها تنازلات، هذا ما كانت ترمي إليه هذه القصة الطويلة التي وضعتها في ذيل مجموعتي الأخيرة “لا بار في شيكاغو”.
(*) فكرة “الرؤوس الخفيفة من الهموم” تبدو شديدة الدلالة. هل تعكس هذه الصورة حنينًا إلى بساطة مفقودة في العالم المعاصر؟
نعم. القصة تستفيد من فلسفة الزن، ورحلة بلوغ النيرفانا، حيث تذوب الهموم كما يذوب الملح في ماء المحيط.
(*) تنقلت بين الرواية والقصة القصيرة. ماذا تمنحك القصة تحديدًا من حرية أو تحدٍّ مختلف؟
عادة أكتب حسب حدود الفكرة، وربما هذا الأمر لا يخلو من كسل. لذلك جاءت الروايات قصيرة نسبيًا، وكان آخرها رواية “طبول الوادي”.
(*) خبرتك في الصحافة منحتك تماسًا يوميًا مع التفاصيل. كيف تنعكس هذه الخبرة على بناء شخصياتك ومشاهدك؟
حين أكتب مقالًا فإني استخدم عدة مباشرة. أما النص الأدبي فعدته الإجرائية مختلفة. فلن يكون النص نصًا أدبيًا إن لم يكتب بعدة البلاغة. وأظن أن لدي حقيبتين في رأسي؛ واحدة أفتحها حين أكتب مقالًا، والثانية وهي الأصعب، أفتحها لحظة كتابة نص أدبي.
(*) تتكرّر في نصوصك ثيمات الفقد والوحدة والنجاة اليومية. هل ترى الكتابة وسيلة لفهم هذه التجارب أم لمقاومتها؟
هي ثيمات تأتي ضمن الانشغال بالنص الأدبي لدى كل كاتب قصة. لأن القصة هي ابنة التفاصيل، والأفكار، كما قال الجاحظ، ملقاة في الطرقات. الجاحظ كان يقصد الأفكار، وليس المعاني بلغة العصر الحديث، حيث دخل البحث عن المعنى في صلب اهتمامات علم اللسانيات، ولكن في زمن الجاحظ لم يكن موجودًا هذا الفرق بمثل هذه الصرامة العلمية. والجاحظ حين ذكر المعاني، أو الأفكار، كانت في الحقيقة عينه على الصياغة. أي كأنه يقول ليست العبرة في المعاني والأفكار، وإنما في كيفية صياغتها، أي في ما يضمن الأدبية للنص، وهذا ما يفرق بين نص أدبي، وأي نص آخر، مقالة علمية، أو اجتماعية، أو ما شابه.
(*) بعد هذا التتويج العربي المهم، كيف ترى موقعك داخل مشهد القصة العربية اليوم؟
ما زلت أكتب مثل الآخرين، وكثير من الأفكار لم أنجزها بعد، وهي تلحّ عليّ باستمرار.
(*) ما المشروع الذي يشغلك الآن؟
يشغل بالي أن أكتب مجموعة قصصية كاملة من وحي إقامتي في المغرب، وهو بلد ــ إن صح التعبير ــ قصصي بامتياز، أو ثقافي بامتياز، لم أر له شبيهًا سوى مدينة موسكو حين زرتها آخر مرة مع أصدقاء، حيث تتنزه العين بذلك الكبرياء العريق، ويتداخل الفن ويحوم في كل منعطف، لا أظن أن ثمة بلدًا في العالم يشبه موسكو في هذا الأمر، وقد زرت معظم بلدان العالم، وفي بعضها أقمت.
(*) مجموعة قصصية جديدة أم عودة إلى الرواية.
ربما سأنشغل حاليًا في صياغة بحث الدكتوراه الذي دافعت عنه أخيرًا في كلية الآداب في الرباط، والطريف أن اللجنة كانت مكونة من أساتذة بورخيسيين أجلاء، والكلمة تعني هنا أن لهم علاقة صميمية بالكتب والمكتبات، وأيضًا بترجمة بورخيس والكتابة عنه. وحتى المشرف على أطروحتي، وهو الصديق الدكتور محمود عبد الغني، لديه رواية بعنوان “البورخيسة”. إذًا، كانت لجنة بورخيسية بامتياز. وأنا من أجل أن أنجز هذه الرسالة قرأت كل ما كتب في العربية عن بورخيس، حتى أن بعض الأصدقاء، بعد أن ناقشت الرسالة، صاروا يطالبونني بإرجاع الكتب التي استعرتها منهم، ولكن الرحلة لم تنته بعد، فهنالك جهد آخر، وهو الذي يتعلق بتحويل رسالة جامعية إلى كتاب مقروء بنطاق واسع.