جاء اتصال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم 2 آب/أغسطس الجاري، في توقيت حرج للغاية، كانت فيه منطقة الشرق الأوسط تقترب من مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، في حين ركز حديث ولي العهد على “ضرورة تغليب لغة الحوار” وذلك بهدف “خفض التصعيد”.
الأمير محمد بن سلمان شدد على “أهمية بذل كل الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة” التي “تمهد الطريق لحلول دبلوماسية تحقق نتائج إيجابية” وذلك بهدف “الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها “، وبما “يمنع الانجرار إلى صراع أوسع، تطال تداعياته الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي”.
الاتصال السعودي – الأميركي، سبق إعلان ترامب تعليق الضربة العسكرية المزمعة ضد إيران، بصورة مشروطة بالتوصل سريعاً إلى تفاهم يتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
منع التصعيد!
هذا الجهد السعودي لا يهدف إلى إنقاذ النظام الإيراني كما يتصور بعض المراقبين الراغبين في عودة الحرب سريعاً؛ وإنما هي دبلوماسية مكثفة تريد منها الرياض تغيير سلوك طهران الخارجي، والدفع باتجاه منع التصعيد العسكري، لأن آثاره السلبية وكلفته العالية اقتصادياً وأمنياً لن تكون على إيران وحدها، بل ستدفع أثمانها جميع دول مجلس التعاون الخليجي، وستقود نحو اتساع رقعة الصراع والمواجهة، ودخول إسرائيل، وربما تحركات عسكرية أكثر خطورة تطال مضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس؛ ما يرهق الاقتصاد العالمي ككل!
اتصال ولي العهد السعودي بالرئيس الأميركي، سبقه تحرك سعودي على مستويين: لقاءات وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان مع القيادة الأميركية، واتصالات مكثفة أجراها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان مع نظرائه في دول الخليج وإيران ومصر والأردن وباكستان.
يعكس هذا النشاط محاولة لبناء تقدير إقليمي مشترك للمخاطر، ونقل رسائل متوازنة إلى واشنطن وطهران، من دون تحويل التهدئة إلى تنازل سياسي لأي طرف.
تتحرك السعودية من حسابات أمنية واقتصادية مباشرة. فالمواجهة الممتدة ستضع منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية تحت ضغط متزامن، وترفع تكاليف الشحن والتأمين، وتربك مسارات الاستثمار والتنمية في الخليج العربي. كما أن اضطراب مضيق هرمز لا يقتصر أثره على صادرات النفط، وإنما يمتد إلى سلاسل الإمداد والأسواق المالية وثقة المستثمرين. لذلك تنظر الرياض إلى منع الحرب بوصفه جزءاً من حماية مشروعها الاقتصادي وأمنها الوطني والقومي.
دبلوماسية مدروسة!
تشير كثافة الاتصالات السعودية إلى أن الأولوية الحالية ليست صوغ تسوية شاملة هشة بأي ثمن، وإنما تثبيت إجراءات قابلة للتحقق: حماية الملاحة، ووقف استهداف منشآت الطاقة، ومنع استخدام أراضي دول المنطقة، وفتح قناة تفاوض جادة بشأن الملف النووي. وقد تسمح هذه الاستراتيجية بمنع تعثر المفاوضات النووية من إشعال الممرات البحرية، أو تحوّل نشاطات الجماعات المسلحة إلى سبب مباشر لمواجهة واسعة.
صحيح أن فرص النجاح تبقى محدودة ما لم تتحول التهدئة إلى ترتيبات واضحة تلتزم بها إيران وأذرعها في المنطقة، خصوصاً أن إعلان الرئيس ترمب كان مشروطاً، ولم يصدر اتفاق معلن يحدد التزامات إيران أو الجدول الزمني لتنفيذها.
على الأرجح ستواصل الرياض العمل على منع تحول المهلة السياسية إلى استراحة قصيرة قبل جولة حرب جديدة. وتعتمد قدرتها على النجاح على التنسيق مع باكستان وعُمان وقطر في قنوات الوساطة، وبناء موقف خليجي متماسك، وإبقاء الاتصال المباشر قائماً مع واشنطن وطهران.
من شأن نجاح هذا المسار أن يفتح نقاشاً أوسع حول ترتيبات أمن إقليمي تقلل الاعتماد على إدارة الأزمات بعد وقوعها، وتمنع تكرار دوامات التصعيد والاعتداء، والأهم إلتزام إيراني حقيقي بسياسة حسن الجوار وعدم الاعتداء المباشر أو غير المباشر عبر الوكلاء!
